ارشيف من :أخبار لبنانية

كلمات في ذكرى المقاومة والتحرير

كلمات في ذكرى المقاومة والتحرير
مختارات من صحيفة السفير بمناسبة عيد المقاومة والتحرير

التحرير الملهم - وديع الخازن

تحلّ ذكرى التحرير الحادية عشرة، والمنطقة حافلة بالانتفاضات التي كان من نتائجها إعادة وصل ما انقطع بين رام الله وغزة، وإبرام مصالحة فلسطينية تحت رعاية مصرية جديدة. فما هو الدرس، أو الحصيلة التي عكست وهج هذا التحرير الذي انبثق وميضه في الحركات المقاومة في المنطقة والتي جاءت الانتفاضات الشعبية العربية لتؤكّد على أحقّيتها في مواجهة إسرائيل؟. رأينا في يوم "نكبة فلسطين" وجهًا من وجوه تلك الانتفاضة في قلوب الشعوب التي تستشيط من تركها أكثر من ستين عامًا في أدراج الأنظمة المتساقطة واحدة تلو أخرى. إن ما فعلته المقاومة اللبنانية عام 2000، عندما دحرت الجيش الإسرائيلي على أعقابه، هو أول الغيث الذي حطّم أسطورة التفوّق على الإرادة العربية، والتي تمثّلت باستخدام أقصى الضربات والحروب في تموز 2006 ضد لبنان وعام 2008 ضد غزة.

ومع ذلك كان لبنان ملهم هذه الحركات المقاومة والشعبية التي أفاقت اليوم على حقوقها المُنتَهَكة والمسيبة طيلة عقود. ولم يكن غريبًا أن تُستَهدَف هذه المقاومة، التي أقامت معادلة توازي الرعب، من السهام الأميركية التي تحاول اليوم، على لسان باراك أوباما، أن تستحضر الأدوات السياسية للنيل منها، تارةً بتصنيفها إرهابًا، وطورًا في زجّها باغتيالات على النحو الذي اتُهِمَت به سوريا في عهد جورج دبليو بوش. إن مثل هذه الاستهدافات المتكرّرة هي الشهادة على أن ما يضير الكيان العبري هو فوهة بندقية المقاتل الذي وضع نصب عينيه تحرير الأرض حتى آخر شبر في تلال كفرشوبا ومزارع شبعا والغجر الشمالية، بل أبعد من ذلك تحرير الإنسان العربي من وهم زرعه الغرب في روع الأنظمة بأن هذه الحركات إنما تشكّل خطرًا على شعوبها مثلما زرعت في أذهانهم أن إيران هي العدوّة وليس إسرائيل. فلا غرابة أن يكون أمن إسرائيل هو الأولوية في الأجندة الأميركية ولو اعتمدت في طريقه كل الأساليب التجهيلية لصلب الظلم الذي اقترفه منذ قيام الدولة العبرية.

لماذا المقاومة؟ - واصف عواضة

يأتي رؤساء اميركا الى السلطة عادة بوعود خلابة للشرق الاوسط والصراع العربي الاسرائيلي والقضية الفلسطينية. لكن هذه الوعود تصطدم دائما بالحاجز الاسرائيلي المرفوع في جبينه عبارة تكاد تكون توراتية: "لا دولة فلسطينية مستقلة". لذلك جاء خطاب باراك اوباما امام مؤتمر "ايباك" مؤسفا ومحبطا ومخجلا، اذ لم يستطع "رئيس الرؤساء" ان يصمد اكثر من ثلاثة ايام امام الغضبة الاسرائيلية بعد تلميحه ـ مجرد تلميح ـ الى دولة فلسطينية في حدود العام 1967. هذا الموقف أزعج الراغبين بهذه الدولة ولو على "ظهر حمار"، لكنه بالتأكيد أغبط الحالمين بفلسطين من البحر الى النهر. لم يشذ اوباما عن القاعدة التي اتبعها الرؤساء الاميركيون منذ انشاء الكيان الصهيوني على ارض فلسطين. كل شيء قابل للكلام والتفاوض والتسويات... الا اسرائيل وأمنها. لا أحد يجرؤ على الكلام الذي يجرح شعور اسرائيل عندما يقترب موعد الانتخابات الرئاسية. ولذلك اختار اوباما أهم مناسبة داعمة للكيان الصهيوني ليطلق حملته الانتخابية، لأنه يعرف جيدا ان ما من ابن امرأة في الولايات المتحدة يجرؤ على تحدي "ايباك" ويبقى واقفا على رجليه. على مسافة عشرة ايام مضت على الذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين، وفي العيد الحادي عشر للتحرير في لبنان، ينظر الفلسطينيون الطيبون في الشتات والداخل حولهم وحواليهم، فلا يجدون بدا من اعادة النظر في عقدين كاملين من التفاوض العقيم مع اسرائيل برعاية اميركية لم تحقق للقضية الفلسطينية سوى المزيد من الاحتلال لارضهم ومقدساتهم ولارادتهم. فها هي المستوطنات تنبت كالفطر في آخر أمل لهم بأرض يقيمون عليها دولتهم المستقلة.

وها هو القمع الاسرائيلي يتصاعد قتلا ودما وتدميرا ومزيدا من الاسرى. وها هي القدس الموعودين بها عاصمة لدولتهم تذوي امام اعينهم ومسامعهم. وها هم رؤساء اميركا يطعمونهم آمالا واهية رئيسا بعد رئيس وجيلا بعد جيل. بعد عشرين عاما من المفاوضات يقارن الفلسطينيون البسطاء الشرفاء الانقياء، بعيدا عن قادتهم والناطقين باسمهم، بين التفاوض العقيم والمقاومة المكلفة التي كانوا آباءها وما زالوا من اسيادها. والا ما الذي يجبر حفيد منيب المصري احد اكبر اثرياء فلسطين، على الذهاب الى مارون الراس وهزّ الشريط الشائك ليتلقى رصاصة شبه قاتلة ما زال يعاني من آثارها في المستشفى؟ على الاقل في عصر المقاومة تمكن الفلسطينيون في لبنان من الوصول الى الشريط الشائك في مارون الراس وكادوا يطأون أرضهم على نهر من الدم. صحيح انهم خسروا أحد عشر شهيدا واكثر من مئة جريح، لكن الفلسطينيين توقفوا من زمان عن التعداد. هم يعرفون ان المقاومة مكلفة، لكنها تشعرهم بأنهم ما زالوا احياء كراما، وبأن الأمل لم ينقطع بعد. لماذا المقاومة في فلسطين؟ سؤال وجيه، ولكن السؤال الاكثر وجاهة: لماذا المفاوضات بعد عشرين عاما من الوهم؟ ولماذا المقاومة في لبنان؟ سؤال وجيه ايضا، ولكن هل يعتقدن احد ان الاستقرار على حدود لبنان منذ التحرير هو منّة من اسرائيل؟

يوم العزة الوطنية - غاصب المختار

جهد الكثيرون خلال السنوات الست الماضية - ولم يفلحوا- لمحو عيد المقاومة والتحرير وانتصار العام ألفين بانسحاب اخر فلول الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، لا من ذاكرة المواطن فحسب بل من تاريخ الوطن، ولم يكن الغاء هذه المناسبة من لائحة الاعياد الرسمية ايام حكومة فؤاد السنيورة، الا اللبنة الاولى في مسيرة محاولة التعتيم على كل ما يمس بانتصارات المقاومة، وجرت محاولات عدة بعد ذلك منذ انتصار تموز 2006 لضرب مفهوم هزيمة العدو الاسرائيلي الذي كرسته المقاومة في ذاكرة الشعوب العربية. اشترك في محاولات محو الانتصارين من الذاكرة اكثر من طرف محلي وعربي، وطبعا دولي، وظهرت مقولة إسقاط قدسية المقاومة كأحد اساليب تشويه صورة نقية طاهرة للمقاومين ولقائدهم السيد حسن نصرالله، عبر تصويرهم بأنهم مجرد مجموعات مسلحة، أو حتى ميليشيا حسب تعابير بيانات وتقارير الامين العام للامم المتحدة، او ارهابيين حسب التعبير الاميركي، او قتلة حسب مساعي المشتغلين على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان... ومع ذلك لم يفلحوا. بات من الصعب على هؤلاء المشتغلين بتشويه صورة المقاومة ان يمحوا ذكرى انتصارات كبرى حققتها، وان حاولوا تضييق مساحة المؤيدين والداعمين للمقاومة، فقد تفجرت الساحات العربية الغاضبة على حكامها منذ مطلع السنة الحالية، غضبا اضافيا على العدو الاسرائيلي وداعميه في الغرب، وظهرت المقاومة عنصر جذب للشباب العربي في كل الحراك القائم نحو التغيير، فبات تغيير التطبيع مع العدو احد اهم المطالب الكامنة وراء التحركات الشبابية، أما جمهور المقاومة في لبنان، فـ"يا جبل ما يهزك ريح"، تجذّر هذا الجمهوراكثر مع مفهوم المقاومة ومشروعها الحامي للوطن، ودافع عنها اكثر بوجه حملات التحريض والشحن، وحمى اكثر قدسية المقاومين، ولم ينزلق للفتنة المرسومة، التي أريد لها ان تكون اخر رصاصة توجه الى صورة المقاومة. حتى في اللعب على معاني الحرية والديموقراطية والسيادة والاستقلال وتظهيردور الدولة، كانت الفكرة الرهيبة هي محو صورة المقاومة، ومحو انتصاراتها من ذاكرة اللبنانيين والعرب، وباتت الحرية والديموقراطية والسيادة مرتبطة بفكرة الكرامة الوطنية التي جسدتها المقاومة، ولم ينجحوا في محو ذكرى الانتصارات. باتت فكرة المقاومة اعمق وابلغ من اي بيان وزاري لأي حكومة، ولم يعد عيد المقاومة والتحرير مجرد يوم عطلة او اقفال رسمي، فقد بات يوما محفوراً في وجدان الناس وضمائرها وقلوبها. يوما للعزة الشخصية والوطنية.

عبق التحرير -اسماعيل سكرية

احد عشر عاماً مرت، كانها البارحة بأفراحها وأعراسها والورود، لكنها زمن في عمق مفاعيلها ومؤثراتها وتنامي قيمتها. احد عشر عاماً، لم تخب معها نيران الحقد الاسرائيلي والاميركي حتما، ازاء انتصار حرر ارضا عربية، بدون شروط ومفاوضات واتفاقيات ذل تلتف على الانتصار وتكبل الارادة، ولم تنطفئ شعلة التحرير بل هي وبعد انتصار تموز 2006، ازدادت توهجاً وتألقاً. احد عشر عاماً، شاخ معها عنفوان الجيش الذي قهر مرتين، في التحرير وتموز، وأطل بالمقابل جيل أشبال مقاوم جديد، أشبال التحرير. احد عشر عاماً، ونسائم التحرير تعطر سماء الجنوب والوطن بعبقها، الذي اكتسب قيمة مضافة بأطيب عطر، عطر البارود المقاوم للظلم والقهر والاحتلال. لقد شكل التحرير عام 2000، منعطفاً مفصلياً في تاريخ الصراع مع العدو الاسرائيلي، حين رسم حداً فاصلاً لمسلسل الهزائم العسكرية والانهيارات السياسية، حين هرول رابع او خامس اقوى جيش في العالم، مذلولاً مستنجداً السلامة امام ضربات رجال المقاومة، تاركاً خلفه ما صنعه من عملاء وخونة، وحين سجلت المقاومة درساً كبيراً في أخلاقياتها وآدابها وفهمها لمعاني حقوق الانسان، حين لم تمارس الانتقام ولم تحصل "ضربة كف" لعميل او لعائلته، وهو خارج المفهوم الاميركي العنصري لهذه الآداب والحقوق. منعطف التحرير، ارتقى به انتصار تموز الى مستوى الإنجاز الاستراتيجي التاريخي، وغير معادلة الشرق الاوسط الاميركي الذي بشرت به كوندليسا رايس مطلع حرب تموز، لمعادلة ترسمها شعوب المنطقة، حيث تحاول اميركا التسلل الى الثورات العربية، بالمساعدات "الرشوة" أم بالانخراط المباشر أم بالتآمر تغطية أم مباشرة.

واليوم، ونحن في حضرة التحرير، نرى من الواجب وبدافع الحرص والاحترام والتقدير لعظمته ودروسه ومعانيه، وأبطاله وشهدائه، ان نوجه السؤال التالي، أليس من الضروري ان يجري كل منا مراجعة للذات، لتحديد مدى انسجامنا في فعل ممارستنا اليومية بكافة اوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية، وبالتالي مدى التزامنا "الثقافة المقاومة" التي تنطلق من يومياتنا، لتحاصر الغرائز وتواجه الفساد الذي اكد خطورته في دنيا العرب، والتواضع وقول كلمة الحق بوجه السلطان الجائر، الذي يعبث بقضايا الناس المعيشية، ترجمة فعلية لا حماسة كلامية. بذلك، نحمي انجازي التحرير وتموز، ونحصن المشروع المقاوم الذي يتعرض منذ شهور لـ"أم المعارك" انطلاقاً من سوريا. لماذا لم نطلق عملاً جبهوياً حقيقياً يتمدد عمودياً وأفقياً، ويتسع للكثير من الكوادر المهدورة القدرات والتي تغنيه، بدل تضييق المشهد بالممارسة السياسية المعلبة التي تقترب مما يشبه "نادي الاصدقاء". في يوم التحرير، تحية الى الشهداء والجرحى والمقاومة قيادة ومجتمعاً، وعسى نحتفل بالتحرير الكبير، تحرير فلسطين.
2011-05-25