ارشيف من :أخبار لبنانية
يوم اقترح الحريري مقابلة بن لادن
جان عزيز، الأخبار
على سيرة المواجهة بين سعد الدين الحريري وشربل نحاس، بعد 25 يوماً على سقوط أسامة بن لادن، قد لا تكون مصادفة تلك الواقعة. كان ذلك قبل عقد كامل من الأعوام، وتحديداً قبل أسابيع قليلة من أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية. فجأة، ومن دون رابط سببي أو وقائعي، استدعى رفيق الحريري مسؤول مكتب إحدى كبريات الفضائيات الأميركية في بيروت، وهو كان قد أصبح على علاقة صداقة معه منذ حرب «عناقيد الغضب» الشهيرة في تموز 1996. بلا مقدمات، سأل رئيس الحكومة اللبنانية الراحل الصحافي الشهير: هل أنت مهتم بمقابلة تلفزيونية مع أسامة بن لادن؟ ووسط مفاجأة ضيفه، تابع سيّد قريطم الكبير: بإمكان بعض معارفي تأمين الاتصال، والباقي عليّ.
طبعاً لم يكن الحريري الكبير على علاقة بالأصولي الأشهر في العالم. غير أن شبكة اتصالاته كانت قادرة حتماً على الوصول إليه. وقطعاً لم يكن الحريري الكبير ينوي التسويق لبن لادن، ولا الترويج لشخصه وأفكاره، بل العكس تماماً: يعتقد العارفون أنه يومها كان جوّ الانفجار الوشيك بين واشنطن والأصوليين السنة، يُستشعر في أجواء واشنطن والرياض، ولم يكن الحريري غريباً عنهما، لا بل كان من أبرز لواقطهما ومجساتهما الحساسة. ففكر الحريري في تقديم الأصولي الأبرز، على الشاشة الأميركية الأشهر، في ذلك الوقت بالذات. كان يعتقد بأن تظهير السني السعودي الأصولي، سيكون تلميعاً لصورة السني السعودي المعتدل، وبأن وصول صورة الإرهاب الإسلامي الى الهواء الأميركي، يساعد حتماً على هروب المناخ الأميركي أكثر فأكثر صوب الإسلام الذي يمثّله الحريري نفسه.
كل الذين عرفوا الحريري الكبير يُجمعون على أن تلك المعادلة المقارنة بين الإرهاب الإسلامي والاعتدال الإسلامي كوّنت ركيزة أساسية من ركائز استراتيجيته السياسية حيال الغرب عموماً وواشنطن خصوصاً، حتى إنه بعد اغتياله بثلاثة أيام فقط، كتب ألكسندر أدلر، الباحث الفرنسي الشهير، وصاحب «الاتصالات» الموثوقة، أن رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سقط في بيروت، نتيجة الصراع الذي كان قائماً يومها في بغداد. ملمحاً الى أن الحريري الكبير، كان قد بدأ منذ الاجتياح الأميركي للعراق في نيسان 2003، يعمل على استيعاب حالة سنية عراقية معتدلة، تعمل لصالح واشنطن في مواجهة الحالة السنية العراقية المتطرفة التي انخرطت في مقاومة الاحتلال الأميركي، وأن الحريري كان قد نجح في تسديد ضربات موجعة الى تلك «المقاومة» عبر تحقيقه خروقاً مهمة في بنية العديد من التركيبات العشائرية السنية العراقية، تمهيداً لاستيعابها من النظام الجديد «المتعاون» في بغداد.
مهما تكن صحة سيناريو أدلر حول الجريمة ودوافعها، يظل أكيداً أن الحريري الكبير التزم طوال حياته السياسية ذلك النهج: الاعتدال مع ناسه وبيئته وشعبه، والالتزام حيال مقاومة أعدائهم الذين هم أعداؤه: محاوراً مع حزب الله، مقاوماً الى جانبه ضد اسرائيل، بدليل تفاهم تموز وبدليل سهرات «المانغا» الشهيرة والطويلة مع «السيد»، وبدليل كل تصرفه الدولتي طوال عقد ونيف. والنهج نفسه طبّقه حيال سوريا وحيال المحيط وفي علاقته مع الغرب.
في 14 شباط 2005 سقط الحريري الكبير. وبعد مخاض عائلي مستور وسري، جاء الحريري الابن. منذ اللحظة الأولى لم يبدُ كأنه ـــــ سرّ أبيه ـــــ بل عقدته. منذ وصوله متأخراً الى قريطم ذاك المساء المهيب، وانتظاره لرحيل المطران بولس مطر لتكون له كرسي موازية لكرسي شقيقه الأكبر. ومنذ بداية حركته وكلامه وإطلالاته في السياسة والإعلام... في كل تلك، بدا كأنه في صراع مجالِد أبدي ـــــ لا مع خصومه ـــــ بل مع والده: كأنما الحريري الكبير جاء من مناخات القوميين العرب، فيما الحريري الابن جاء من ردهات فندق «فور سينز» في جورجتاون. الحريري الكبير لملم أوراق وديع حداد يوم حاولت اسرائيل اغتيال المناضل الفلسطيني المسيحي الكبير... الحريري الابن ترك عالماً بكامله يلملم أشلاء لبنان وشيعته تحت الدمار الاسرائيلي في تموز 2006. الحريري الكبير يبني ثروة من لا شيء. الحريري الابن يجعلها في أزمة سيولة، من أجل لا شيء. الحريري الكبير يستوعب سنّة العراق لصالح واشنطن. الحريري الابن يحرض واشنطن على استخدام الإخوان المسلمين قنابل بشرية في سوريا...
وسط هذه المماثلة المتنافرة والشاملة، تصير مفهومة معركة الحريري الابن على سلالم مبنى العدلية. فوالده كانت حربه مع بن لادن، نموذجاً للتطرف والأصولية والإرهاب. أما هو فمن المنطقي أن تكون حروبه مع شربل نحاس، نموذجاً للحداثة والشفافية والإصلاح. وفي كل تلك الحروب، ليست مشكلة الحريري الابن مع خصومه، بل هي عقدته حيال والده، وحربه عليه. لا لسبب، إلا لأن الراحل ربما كان الحريري الكبير.
على سيرة المواجهة بين سعد الدين الحريري وشربل نحاس، بعد 25 يوماً على سقوط أسامة بن لادن، قد لا تكون مصادفة تلك الواقعة. كان ذلك قبل عقد كامل من الأعوام، وتحديداً قبل أسابيع قليلة من أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية. فجأة، ومن دون رابط سببي أو وقائعي، استدعى رفيق الحريري مسؤول مكتب إحدى كبريات الفضائيات الأميركية في بيروت، وهو كان قد أصبح على علاقة صداقة معه منذ حرب «عناقيد الغضب» الشهيرة في تموز 1996. بلا مقدمات، سأل رئيس الحكومة اللبنانية الراحل الصحافي الشهير: هل أنت مهتم بمقابلة تلفزيونية مع أسامة بن لادن؟ ووسط مفاجأة ضيفه، تابع سيّد قريطم الكبير: بإمكان بعض معارفي تأمين الاتصال، والباقي عليّ.
طبعاً لم يكن الحريري الكبير على علاقة بالأصولي الأشهر في العالم. غير أن شبكة اتصالاته كانت قادرة حتماً على الوصول إليه. وقطعاً لم يكن الحريري الكبير ينوي التسويق لبن لادن، ولا الترويج لشخصه وأفكاره، بل العكس تماماً: يعتقد العارفون أنه يومها كان جوّ الانفجار الوشيك بين واشنطن والأصوليين السنة، يُستشعر في أجواء واشنطن والرياض، ولم يكن الحريري غريباً عنهما، لا بل كان من أبرز لواقطهما ومجساتهما الحساسة. ففكر الحريري في تقديم الأصولي الأبرز، على الشاشة الأميركية الأشهر، في ذلك الوقت بالذات. كان يعتقد بأن تظهير السني السعودي الأصولي، سيكون تلميعاً لصورة السني السعودي المعتدل، وبأن وصول صورة الإرهاب الإسلامي الى الهواء الأميركي، يساعد حتماً على هروب المناخ الأميركي أكثر فأكثر صوب الإسلام الذي يمثّله الحريري نفسه.
كل الذين عرفوا الحريري الكبير يُجمعون على أن تلك المعادلة المقارنة بين الإرهاب الإسلامي والاعتدال الإسلامي كوّنت ركيزة أساسية من ركائز استراتيجيته السياسية حيال الغرب عموماً وواشنطن خصوصاً، حتى إنه بعد اغتياله بثلاثة أيام فقط، كتب ألكسندر أدلر، الباحث الفرنسي الشهير، وصاحب «الاتصالات» الموثوقة، أن رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سقط في بيروت، نتيجة الصراع الذي كان قائماً يومها في بغداد. ملمحاً الى أن الحريري الكبير، كان قد بدأ منذ الاجتياح الأميركي للعراق في نيسان 2003، يعمل على استيعاب حالة سنية عراقية معتدلة، تعمل لصالح واشنطن في مواجهة الحالة السنية العراقية المتطرفة التي انخرطت في مقاومة الاحتلال الأميركي، وأن الحريري كان قد نجح في تسديد ضربات موجعة الى تلك «المقاومة» عبر تحقيقه خروقاً مهمة في بنية العديد من التركيبات العشائرية السنية العراقية، تمهيداً لاستيعابها من النظام الجديد «المتعاون» في بغداد.
مهما تكن صحة سيناريو أدلر حول الجريمة ودوافعها، يظل أكيداً أن الحريري الكبير التزم طوال حياته السياسية ذلك النهج: الاعتدال مع ناسه وبيئته وشعبه، والالتزام حيال مقاومة أعدائهم الذين هم أعداؤه: محاوراً مع حزب الله، مقاوماً الى جانبه ضد اسرائيل، بدليل تفاهم تموز وبدليل سهرات «المانغا» الشهيرة والطويلة مع «السيد»، وبدليل كل تصرفه الدولتي طوال عقد ونيف. والنهج نفسه طبّقه حيال سوريا وحيال المحيط وفي علاقته مع الغرب.
في 14 شباط 2005 سقط الحريري الكبير. وبعد مخاض عائلي مستور وسري، جاء الحريري الابن. منذ اللحظة الأولى لم يبدُ كأنه ـــــ سرّ أبيه ـــــ بل عقدته. منذ وصوله متأخراً الى قريطم ذاك المساء المهيب، وانتظاره لرحيل المطران بولس مطر لتكون له كرسي موازية لكرسي شقيقه الأكبر. ومنذ بداية حركته وكلامه وإطلالاته في السياسة والإعلام... في كل تلك، بدا كأنه في صراع مجالِد أبدي ـــــ لا مع خصومه ـــــ بل مع والده: كأنما الحريري الكبير جاء من مناخات القوميين العرب، فيما الحريري الابن جاء من ردهات فندق «فور سينز» في جورجتاون. الحريري الكبير لملم أوراق وديع حداد يوم حاولت اسرائيل اغتيال المناضل الفلسطيني المسيحي الكبير... الحريري الابن ترك عالماً بكامله يلملم أشلاء لبنان وشيعته تحت الدمار الاسرائيلي في تموز 2006. الحريري الكبير يبني ثروة من لا شيء. الحريري الابن يجعلها في أزمة سيولة، من أجل لا شيء. الحريري الكبير يستوعب سنّة العراق لصالح واشنطن. الحريري الابن يحرض واشنطن على استخدام الإخوان المسلمين قنابل بشرية في سوريا...
وسط هذه المماثلة المتنافرة والشاملة، تصير مفهومة معركة الحريري الابن على سلالم مبنى العدلية. فوالده كانت حربه مع بن لادن، نموذجاً للتطرف والأصولية والإرهاب. أما هو فمن المنطقي أن تكون حروبه مع شربل نحاس، نموذجاً للحداثة والشفافية والإصلاح. وفي كل تلك الحروب، ليست مشكلة الحريري الابن مع خصومه، بل هي عقدته حيال والده، وحربه عليه. لا لسبب، إلا لأن الراحل ربما كان الحريري الكبير.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018