ارشيف من :أخبار لبنانية
لم نتفاجأ ..
لم يكن مفاجئاً أن تأتي ردود فعل بعض الاصوات - التي اعتادت الصخب والضجيج - على العفو العام متباينة إلى هذا الحد ..
وإن تقاطعت حول نقطة ليست خافية على أحد .. وكأنها لم تكن تريد لذلك العفو أن يصدر.
حقيقة يمكن تلمّسها في أكثر من مقطع في البيانات والبيانات التفسيرية التي تلت صدور العفو، وخصوصاً من عواصم القرار الغربي التي كانت تراهن على أن مستجدات الوضع الداخلي ستجعل من الصعوبة بمكان التحرك بهذا الاتجاه، أو الإقدام على خطوة بهذا الحجم وتلك الجرأة .. في هذا التوقيت.
واليوم تكاد لا تختلف ردود الفعل تلك على قرار تشكيل هيئة للحوار الوطني، وإن بدت في بعض جوانبها أكثر ارتباكاً مما سبقها، باعتبار أن الخطوات تتوالى تباعاً، وما كان يعتقده البعض أنه يحتاج وقتاً طويلاً يتم بشكل متلاحق، وما كانوا يتوهمونه صعباً يتحول إلى واقع.
لذلك فالأسئلة الملحة والأكثر حضوراً هذه الفترات .. تتعلق بجوهر النيات التي تعمل عليها تلك الاصوات سواء كانت لأطراف خارجية أم أدوات ارتضت أن تكون جزءاً منها أو وسيلة من وسائلها؟!
منذ البداية لم تكن هناك أوهام حول تلك النيات، ولا شكوك في أن ما طرحته وما تطرحه، لم يكن أكثر من يافطات تمرر تحتها ما خفي من غايات تستهدف سورية في موقعها ودورها.
على مدى سنوات خلت كانت أقصى مطالب تلك الأصوات إلغاء حالة الطوارئ وإجراء بعض الإصلاحات الموازية، وكلما تم الحديث عن الإصلاحات كانت هذه المطالب تتصدر مواقفهم، ثم لا يلبث كل طرف أن يزيد مطلباً هنا وآخر هناك، تبعاً للخلفيات التي تحكمه.
ومع بداية الأزمة كل الأصوات التي تحدثت آنذاك كانت محاورها تركز على هذه الأبعاد، وما شطح منها بالكاد بلغ عتبات أجزاء متواضعة مما تحقق، وظل الأمر كذلك إلى أن بدأت قاطرة الإصلاح بالانطلاق، فإذ بها تتخلى عن هذه المحاور.. لتبدأ بكيل الاتهامات يميناً وشمالاً والدخول في لعبة التهويل والفبركات الإعلامية والسياسية، وصولاً إلى الارتباط بأجندات خارجية، وتورط بعضها على الأقل في مراهنات على تنفيذ تلك الأجندات توافقاً أو ارتباطاً .. لا فرق.
وفي المحصلة، وحيث تتحرك عجلة الإصلاح في قطوعاتها الأهم والأكثر جرأة سواء ما تعلق منها بإطلاق السجناء أم بهيئة الحوار الوطني أو بما ينتظر من إطلاق قريب للجنة قانون الأحزاب، فإن ما يتم التوقف عنده يعيدنا إلى المربع الأول .. إلى الواجهة الأولى .. وإلى التفسير الأول، بأن المسألة تبدو منفصلة عن الإصلاح وغير مرتبطة به، وإنما كانت مجرد ذريعة للاستهداف وتبرير التحول إلى أدوات لدى أطراف خارجية.
بالمنطق ذاته ثمة قناعة تترسخ يوماً بعد يوم بأن ما تحقق لم يكن وارداً في حسابات الكثيرين ممن أطالوا في جلوسهم أمام كاميرات الفضائيات، أو ممن احتل مساحات من استديوهاتها .. وأكثريتهم كانت تتعاطى مع الوقائع على أنها خارج أي معادلة مستقبلية، وإذ بتلك الحسابات تقلب والمعادلات المرسومة تبطل، لتتحول الأصوات إلى لغة التشكيك، وليفصح الكثير منها عن وجهه الحقيقي، وما يخفيه.
الصدمة -إذا صحت التسمية- لدى العواصم المتبنية لتلك الاصوات تجلت بأنها لم تجد ما تقوله إلا التقليل من أهمية ما جرى أو التخفيف من وقع ما اتخذ من خطوات، وهي تدرك سلفاً أن برامجها المعدة للمرحلة القادمة تتعدل دفعة واحدة، وأدواتها المجهزة تفقد فعاليتها ومسوغاتها.
ما هو مؤكد بالنسبة لنا منذ البداية أن خطوات الإصلاح لن تقف عند سقوف محددة أو عتبات سبق للآخرين أن طرحوها.
لم نتفاجأ بمفاجآتهم .. ولم نستغرب ارتباكهم .. ولم نستبعد ردود أفعالهم .. لأن ثمة تعارضاً منطقياً بين الإصلاح وبين الكثيرين ممن فروا مسبقاً إلى عربات الآخرين أو ممن وضعوا كل ما لديهم في سلة الأطراف الخارجية .
أما في حدود الداخل، وما طرح فإننا أمام فرصة حقيقية لحوار نفتح بواباته على مصراعيها كي يتسع لأطيافنا الوطنية باتجاهاتها المختلفة لتطلق أفكارها على طاولة تستوعب الجميع تحت سقف الوطن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018