ارشيف من :أخبار عالمية
شركات أمنية لرسم الخارطة السياسية للبحرين
منذ بداية ثورة 14 فبراير في البحرين، تصاعدت الأوضاع السياسية بصورة غير مسبوقة حيث بلغت مرحلة خطيرة ومرشحة للتصعيد الأمني في ظل غياب العدالة وسيادة لغة العنف والإرهاب الأمني من قبل الجيش البحريني والسعودي المحتل.
ولا يمكن تصور أية مبادرة لإنهاء الأزمة الداخلية حسب المحتجين من دون المطالبة بمحاكمة الرموز الأمنية على جرائمها الوحشية، والمطالبة بسحب قوات "درع الجزيرة" الذي بدأت تدفع ضريبة بقائها.
وقد أثبت شعب البحرين للعالم كله عدالة قضيته ومطالبه السلمية رغم كل الدمار الذي وقع... فهناك ما يقارب 30 شهيداً، وأكثر من ألف معتقل سياسي، كما تم اعتقال ما يقارب 70 عاملاً من الطاقم الصحي بمن فيهم من أطباء وممرضين وغيرهم، وهناك أكثر من ألفي موظف تم طردهم وإيقافهم عن العمل، بالإضافة إلى اعتقال العديد من النساء الشريفات بجرم المشاركة في اعتصام دوار اللؤلؤه، وهناك حديث عن اعتدءات جنسية على رجال ونساء.. ناهيك عن استمرار مسلسل الاعتقال والمداهمات الليلية وهدم المساجد والاعتداء الغاشم على المراكز الدينية.. البحرين باختصار تعيش في مرحلة غابت عنها لغة القانون وسقطت مقومات الدولة الوطنية التي طالما افتخر الإعلام المحلي بها، ودعا للتعايش والوحدة والحوار، ولكنه أثبت بأنه لا يفهم لغة العقل ولا منطق الحوار ولم يستوعب بعد إرادة الشعب وحرياته وحقوقه التي لا رجعة عنها.
وليس من المستبعد أن يتمادى النظام البحريني في حال عجز الجيش السعودي عن ضبط الأوضاع الداخلية خلال الفترة القادمة بأن يستعين بخبرات أمنية خارجية، وقد نشرت وسائل الإعلام مؤخراً نبأ قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي، بالاستعانة بمؤسس شركة "بلاك ووتر" الأمنية الأمريكية المتهمة بارتكاب انتهاكات في العراق وأفغانستان، من أجل تشكيل كتيبة مرتزقة من 800 مقاتل أجنبي للعمل فى الإمارات وبتكلفة 529 مليون دولار يجري استخدامها في احباط التمرد الداخلي، والقيام بالعمليات الخاصة وحماية خطوط النفط الدولية وناطحات السحاب من الهجمات. وهذه المعلومات كشفتها صحيفة "الفايننشال تايمز" البريطانية عبر وثائق خاصة حصلت عليها، وذكرت ان "قرار الاستعانة بوحدة من الجنود الاجانب اتخذ قبل موجة من الاضطرابات الشعبية التي تجتاح العالم العربي، بما في ذلك البحرين وسلطنة عمان والسعودية. وأن "استخدام أميركيين لتدريب قوات لمواجهة التوترات الداخلية في البلدان العربية، بما فيها الحركات المؤيدة للديمقراطية، كما حدث في البحرين، سيثير تحفظات حول الدور الأميركي".
ولعلنا لا ننسى ان الرئيس الأميركي باراك أوباما وفي غمرة إعادة تقويم سياسته مع حركة الثورات العربية وحلفائه القدامى ـ أدان حملة العنف ضد المتظاهرين في البحرين، وطالب باحترام حقوق الشعب من أجل استقرار المنطقة، وطالب ببناء المساجد التي تم هدمها.. وهو بالتالي يؤكد مدى التأثير الكبير لسياسة بلاده وتدخلها في مصير الحكام العرب. ولا ننسى بأن البحرين تضم على أراضيها شبكة أمنية واستراتيجية تديرها الولايات المتحدة عبر قواعدها العسكرية في منطقة الخليج، وتأثير حركة الاحتجاج الشعبي في البحرين قد يطال أو يؤثر بلا شك على هذه المنظومة الأمنية.. ولهذا السبب فإن أمريكا معنية بضمان مصالحها النفطية بالدرجة الأولى والعمل على حماية جيوشها وتعزيز حضورها الأمني في منطقة الخليج حتى لو تطلب الأمر تغيير سياستها في دعم الحكام العرب القدامى.
كما يعلم الجميع بأن البحرين تضم قاعدة أمريكية جوية وبحرية وبرية بالإضافة إلى الأسطوال البحري الخامس، وهي تتجه إلى توسيع قاعدة الأسطول بتكلفة تقدر بنحو 580 مليون دولار تؤمنها البحرية الأمريكية بالكامل... ولا ننسى مع اقتراب موعد الانسحاب الأمريكي من العراق أن هناك احتمالات بأن تتجه بآلياتها العسكرية وخبراتها الأمنية نحو بلدان الخليج كالبحرين وقطر لمواجهة حركات الاحتجاج الشعبي ومحاصرة المسلمين الشيعة في البحرين والسعودية من أجل ضمان مصالحها وجعل منطقة الخليج كجبهة ساخنة تعيش حربا باردة مع الجمهورية الإسلامية في ايران اذا صحت التسمية.
ومن جانب آخر فإن الانسحاب الأمريكي يتطلب أيضاً إنهاء عقود الشركات الأمنية كـ"بلاك ووتر".. وبالتالي فهي سوف تبحث عن سوق جديدة ولا توجد سوق أفضل من بلدان الخليج العربية، وكانت البداية في دولة الإمارات. وبالتالي فإن منطقة الخليج ستكون بمثابة ساحة لحروب باردة تستنزف فيها الادارة الأمريكية موارد الخليج النفطية والمالية، وستفتح المجال لشركات أمنية تتجاوز القانون وتقوم بتدريب المرتزقة وتهريب السلاح كما حصل في العراق ويحصل حالياً في الإمارات وفي القواعد العسكرية في قطر والبحرين.
لذلك علينا أن نستفيد من تجربة ما حصل من واقع مأساوي في العراق عندما تسلطت الشركات الأمنية كـ"بلاك ووتر" وليس للحكومة العراقية أي سلطة على هؤلاء المرتزقة، ولا تملك الحكومة أي سند قانوني يخولها سحب ترخيص "بلاك ووتر"، أو أي من الشركات الأمنية الخاصة، بل ولا تستطيع الحكومة ـ قانونا ـ محاكمة أي مجرم من هذه الشركات في حال ارتكاب مجازر بحق المدنيين، لأن هذه الشركات الأمنية الخاصة تتمتع نظريا بحصانة دبلوماسية وتتوقف الملاحقات القضائية المحتملة ضدها على القرار السياسي. وهذه الشركات الأمنية التي زرعها الاحتلال الأمريكي في العراق عملت بسرية تامة وقامت بتصفية وقتل المواطنين وتعميق الصراع بين الشيعة والسنة، وهي لا تتحمل أي تبعات قانونية اذا كشف عملها الإجرامي، وسيسهل على الاحتلال الأميركي نفي صلته بهذه الأعمال والزعم بأنها من قبل "إرهابيين" كما حصل بالعراق.
وبالتالي فإن النظام البحريني قد سبق النظام الاماراتي في الاستعانة بخبرات أمنية خارجية سابقة مع باقي دول الخليج حيث استفاد من الخبرات الأمنية من النظام المصري المخلوع وجلب مرتزقة من سوريا والأردن وفلول حزب البعث العراقي، كما استفاد من علاقاته السرية مع الكيان الصهيوني (كما كشفته وثائق ويكيليكس) واتفاقيات الحماية مع الولايات المتحدة. لذلك يبقى احتمال تطور الأوضاع الأمنية في البحرين كبيراً، ولا يستبعد أن تطال حملة القمع الأمني جميع الناشطين سياسياً وحقوقياً ويتم قمع كل صوت مخالف للنظام الحاكم، ولا يستبعد أيضاً قيام النظام البحريني بارتكاب مجزرة دموية أو عملية اغتيال قد تطال بعض رموز المعارضة السياسية في البحرين، ويتم تصديق حكم الإعدام على بعض المعتقلين وامتداد المحاكمات العسكرية لتطال رموزا سياسية ودينية، والتشديد على كل الشعائر الدينية للمذاهب الإسلامية، ووقف أنشطتها الميدانية وغلق بعض الجمعيات السياسية والمراكز الدينية الفعالة.
(*) ناشط سياسي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018