ارشيف من :أخبار لبنانية
الأخطارالغربية على ثورة مصر
تطغى في احاديث المصريين عن الاخطار المحدقة بثورتهم حسابات الاخطار الداخلية الى حد تكاد تختفي معه حسابات الاخطار الخارجية.
بل الواقع ان توقعات المصريين الخارجية، تبدو هذه الايام مشحونة بتفاؤل، يكاد يخفي انطواء الظروف الخارجية على اية مخاطر، حتى لتكاد مصر تبدو وجهة الخير الخارجي كله، في صورة قروض ومساعدات وإلغاء ديون ومزيد من الاستثمارات والهبات وما الى ذلك. كل ذلك مبني على تصريحات رؤساء دول عربية وأوروبية فضلا عن الولايات المتحدة الاميركية.
مع ذلك فإن المتابعة الدقيقة لهذه الأنباء - بما في ذلك تصريحات الرؤساء الخارجيين ووعودهم لمصر - تدل على وجود شكوك واقعية في صحة هذه الوعود وإمكانية تنفيذها. من ناحية قياساً على وعود سابقة قطعت لدول اخرى، ومن ناحية ثانية بناء على حدود وقيود تفرضها قوانين الدول الغنية التي تنطلق منها هذه الوعود، ومن ناحية ثالثة بناء على مقاومات شديدة تتعرض لها هذه الوعود من جانب جماعات ضغط داخلية في الدول الواعدة، لأسباب تتعلق بعدم وضوح الرؤية لمسار السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة وما اذا كانت ستتلاءم وتتواءم مع سياسات هذه الدول. يشكل هذا الامر بجوانبه المتعددة تهديداً خطيراً اذا لم تتنبه مصر وحكامها الحاليون وثوارها الى خلو الوعود والتصريحات من مضمون حقيقي ومصداقية حقيقية.
والارجح ان تجد مصر نفسها في مرحلة حرجة اذا سلمت بأن ما وعدت به هو اتفاقات وقرارات قابلة للتنفيذ، ان لم تكن في طريقها الى التنفيذ فعلا. لكن ثمة مؤشرات كثيرة - علنية ولا ننفرد بها - بدأت في الظهور علنا، لتؤكد ان الوعود هي مجرد وعود، وقد لا تجد اي طريق الى التنفيذ. تتساوى في هذا وعود الرئيس الاميركي باراك اوباما بحذف مليار دولار من قيمة الديون المستحقة على مصر لأميركا، ووعود مجموعة دول الثماني الأغنى في العالم بتزويد مصر وتونس بما لا يقل عن عشرين مليار دولار لدعم تحولهما الديموقراطي. هذا فضلا عن العروض السعودية التي تجاوزت اربعة مليارات دولار والوعود القطرية التي فاقت ستة مليارات في صورة استثمارات لمصر ..مصر الثورة (...).
وقد كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» - نقلا عن احد مساعدي الرئيس اوباما - ان المساعدات المالية التي وعد بها الرئيس اوباما لمصر في لقائه العرضي مع رئيس الوزراء المصري عصام شرف في دوفيل الفرنسية «ليست شيكا على بياض ...انما هي مرهونة بالمضي قدما في الاصلاح». وفي موضع آخر قالت نيويورك تايمز في اليوم نفسه - نقلا عن المحلل السعودي محمد القحطاني «إننا نشهد عودة الى مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عندما قادت السعودية جبهة المعارضة في مواجهة المد الثوري العربي في تلك المرحلة. اما الصحيفة الاميركية نفسها فكان تعليقها التأكيد بأن «السعودية تستعرض قوتها المالية لحماية النظم الملكية العربية من ثورات الربيع العربي...».
في الوقت نفسه فإن منظمات اهلية عالمية انتقدت زعماء العالم (المقصود بالعالم هنا هو الغرب تحديداً) لعدم الوفاء بوعود سابقة، وقالت إنها تخشى ان تحرم التعهدات المالية التي قطعتها مجموعة الثماني على نفسها لدعم الديموقراطيات العربية الجديدة دولا اخرى من المساعدات. وأضافت ان دول مجموعة الثماني تخلفت عن دفع نحو 19 مليار دولار من بين مبالغ كانت قد تعهدت بالفعل بتقديمها في قمم سابقة خلال السنوات الاخيرة. وقال ناطقون باسم هذه المنظمات الاهلية «ان الديموقراطية ربما تأتي على حساب البقاء». وقال ادريان لافيت: «لا نريد للربيع العربي ان يعقبه شتاء افريقي». وأضاف «ان الوعود الضخمة تخضع عادة لتدقيقات ضخمة بالمثل، وغالبا فإن ما يحدث هو عدم متابعة الاقوال بالافعال».
فاذا ما وضعنا وعود الرؤساء الغربيين للدول العربية - وخاصة لمصر في اطار من تصريحاتهم عن الاوضاع في بلدان الربيع العربي، تزداد الشكوك حدة في جدية وعودهم. وعلى سبيل المثال فإن رئيس الوزراء البريطاني صرح اثناء حضوره اجتماع مجموعة الدول الثماني بانه «من الواقعي القول إننا اذا استطعنا ضمان ديموقراطية وحرية اكبر في بلدان مثل مصر وتونس سيكون ذلك مفيدا لبلداننا الغربية». وليس خافياً ان أداة «اذا» هنا في هذا التصريح أداة كبيرة يعلق عليها ديفيد كاميرون شرطا ثقيلا للغاية. فهو يتابع قائلا «هذا معناه تطرف اقل وسلام وازدهارا اكبر، كما انه لن يكون هناك ضغط الهجرة غير الشرعية وغيرها من المشكلات التي تواجهنا». ولهذا فإن من الطبيعي ان يقول كاميرون في السياق ذاته ان الشرق الاوسط يمكن ان يتجه للتطرف.
ولقد وجد الرئيس الاميركي اوباما من يدافع عنه وسط المنتقدين الكثيرين الذين ساءهم ان تخلى اوباما عن صديق قديم للولايات المتحدة هو دكتاتور مصر السابق حسني مبارك. فقد قال فريد زكريا الصحافي الاميركي من اصل هندي «ان الولايات المتحدة ظلت لزمن طويل تدعم النظم الدكتاتورية ولم تر ولو في مرة واحدة ان مصالحها تكمن في تشجيع الديموقراطية في العالم الثالث ... اما الآن فإن الولايات المتحدة تتغير مع رئيسها اوباما الذي تخلى عن اقوى دكتاتور عربي (الرئيس السابق مبارك) في غضون اسبوعين اثنين ليتركه بلا حليف». وأضاف زكريا «ان ما فعله اوباما ليس بالامر السهل خصوصا مع رئيس صديق قدّم للولايات المتحدة الكثير في تنفيذ استراتيجيتها في المنطقة ... لذا عندما يطلب الناس من اوباما ان يدين المملكة العربية السعودية ينبغي ان يضعوا في اعتبارهم تأثير ذلك على أسعار النفط والاقتصاد العالمي الذي من شأنه ان يؤثر على فرص العمل في البلاد (الولايات المتحدة). وهذا الامر ليس بالتافه بل هو جزء من وظيفة اوباما».
ربما يبدو هذا الجدال الدائر في الولايات المتحدة بعيدا عن مسألة امكانية تنفيذ الولايات المتحدة وعودها بالمساعدة لمصر، لكنه في الواقع وثيق الصلة بها. انه انعكاس لتخوف قطاعات من الاميركيين من المغامرة بأموال اميركية في سوق غير مضمونة النجاح، اي غير مضمونة الفائدة لاقتصادها الذي يواجه مشكلات بالغة التعقيد. ومن الطبيعي ان يميل «المحافظون» من الاميركيين للتردد في تقديم المساعدات لمصر طالما ان التيار الذي يحكم فيها الآن هو تيار جديد تماما بالمقارنة مع التيار الذي حكم مصر برضى اميركي كامل طوال ثلاثين عاما.
لقد استفادت الولايات المتحدة اكثر ما استفادت من إجراءات عهد مبارك ـ خاصة منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين - التي منحت تخفيضات هائلة في بيع الشركات والمؤسسات المصرية التي كانت تابعة للقطاع العام وتقرر آنذاك خصخصتها. اشترى المستثمرون الاميركيون ـ وغيرهم ـ هذه الشركات المملوكة للشعب المصري بأبخس الاسعار لتتحول من ملكية عامة الى ملكية خاصة وليفقد العاملون فيها امتيازاتهم وكثيرا من وظائفهم لحساب الرأسمالية الاميركية. وليس من المستبعد الآن في ظل الحكم الجديد ان تمارس الولايات المتحدة اقصى ما تستطيع ممارسته من ضغوط من اجل إبقاء الاقتصاد المصري في اطار نظام السوق الحرة ولتحصل على تعهدات بأن لا تقدم الحكومة في المرحلة الانتقالية او بعدها على تأميم اي من الاستثمارات الاميركية بما في ذلك تلك التي كانت في الاصل ملكاً للشعب المصري قبل ان تخصخصها حكومة مبارك.
ان احداً ممن وعد مصر من دول الغرب بمساعدات تعينها على تجاوز المصاعب الراهنة، لم يقدم ابدا على القول بأن هذه المساعدات ستكون غير مقيدة بشروط سياسية او اقتصادية او ربما استراتيجية. وقد يكون الجميع قد اعلنوا بوضوح انهم يريدون للديموقراطية ان تسود في مصر. فهل وعينا لحقيقة ان مفهوم الديموقراطية بمعناه السائد في الغرب يعني اول ما يعني سيطرة السوق الحرة على الاوضاع الاقتصادية؟ هل ادركنا بلا اي شائبة ان اي اقتراب من الشركات الغربية - بما فيها تلك التي خصخصها النظام السابق بأسعار تناسب الرأسماليين الذين اشتروها، من شأنه ان يوقع مصر تحت طائلة العقوبات وردود الفعل القاسية من الجانب الاميركي. وما ينطبق على هذا الجانب ينطبق على الجانب الأوروبي ويتدعم به؟
تعرف الولايات المتحدة جيدا - ربما اكثر من غيرها - كما تعرف الدول الاوروبية، خاصة اعضاء مجموعة الثماني الأغنياء، حقيقة مركز مصر والمدى الذي يذهب اليه تأثيرها السياسي والثقافي والاستراتيجي. ومعنى هذا ان نصيبها من الضغط الاميركي والغربي عموما، خاصة في المجال الاقتصادي، سيفوق نصيب اي دولة اخرى ينتصر فيها تيار الربيع العربي خلال الفترة القادمة. وتأثير مصر في اتجاه هذا التيار هو الآن محل مراقبة الغرب بقيادة الولايات المتحدة.
واذا لم نتوقع تضاد المواقف وتناقض السياسات بين ما ستتجه نحوه مصر في السياسة الداخلية وفي السياسة الخارجية، وما تريد ان تفرضه واشنطن زعيمة العالم الغربي بلا منازع، فإن هذا يعني اننا غافلون الى ابعد الحدود عن طبيعة الاخطار الخارجية التي تحدق بمصر الثورة وكل بلد عربي يلحق بمسارها في الثورة.
هذا هو التناقض الحاد الذي ستواجهه ثورة مصر لفترة قد تطول، وليس ثمة احتمال لأن تقصر. وسيكون فرض احترام الآخرين للنظام فيما ترتضيه الثورة في التعامل مع القوى الخارجية احد اكبر التحديات التي تواجهها مصر في عهدها الجديد سواء خلال الفترة الانتقالية التي حددها المجلس الاعلى للقوات المسلحة او الفترة التي تأتي بعدها والتي سيكون فيها مجلس الشعب هو الممثل الديموقراطي لارادة الشعب. ولعل الاصوب ان نقول إن قدرة الثورة المصرية على الاستمرار بعد انتخاب المؤسسات الممثلة للشعب، وفي مقدمها مجلس الشعب ومجلس الشورى، ستكون ضرورية لكي لا تحيد سياسات مصر عن اهداف حددها الشعب منذ اللحظات الاولى لثورة 25 يناير، ابتداءً من إبادة الفساد وعناصره ومريديه والمستفيدين منه، ثم إقامة نظام للعدالة الاجتماعية تحدده ظروف مصر الاقتصادية والاجتماعية ولا تفرضه قوى الخارج، ثم استعادة دور مصر القومي والإقليمي في منطقتها وإقليمها.
وحتى الآن فإن المؤشرات تذهب بنا الى ان هناك وضوحا للرؤية على الرغم من الاختلافات العقائدية والحزبية وصعود قوى جديدة على مسرح السياسة الديموقراطية في مصر.
انما علينا ان نذكر انفسنا بأن ما تكسبه مصر من ديموقراطية في الداخل يمكن ان تخسره لنفوذ الخارج.
ما اكثر عيون الخارج المتربصة بالثورة المصرية وبالربيع العربي ككل. اننا نعيش في عالم يسوده الصراع على ثروات وأقدار العالم الثالث بعد ان خلا المسرح العالمي الواسع من النظام الآخر المنافس الذي كان وجوده يحد من غلواء الهيمنة الغربية.
الآن اصبح من الضروري التنبه الى ان قوانا الذاتية، قوى الثورة، هي وحدها التي ستقف بوجه الجشع الامبريالي الاميركي والغربي الذي يريد ان يثبت ان التاريخ قد انتهى لصالح النظام الرأسمالي وأن احداً لا يستطيع ان يتحداه.
ان الثورة التي استطاعت ان تفاجئ العالم - بما فيها اميركا والغرب كله - قد تمكنت من التخلص من نظام حكم مصر لصالح مصالح الغرب واسرائيل. وهذه الثورة نفسها قادرة على تحدي الضغوط الخارجية بإرادة شعبها ووحدته وبإرادة الوعي العربي الشامل حولها.
الأخطار الخارجية على ثورة مصر أفدح من الأخطار الداخلية .. ولكن الانتصار عليها ليس مستحيلاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018