ارشيف من :أخبار لبنانية
تأليف الحكومة مجدّداً أشواطاً إلى الوراء
نقولا ناصيف-الأخبار
على أبواب ختم الشهر الخامس من التكليف، رمت جهود الساعات الأخيرة إلى معالجة عقدتين رئيسيتين، هما: المقعد الماروني السادس والمقعد السنّي السادس، وأخريين ثانويتين لا تزالان عالقتين، هما: المقعد الدرزي الثالث والمقعد الكاثوليكي الثالث .
أشيعت في اليومين المنصرمين انطباعات بالغة الإيجابية في توقع إبصار الحكومة النور بعد تذليل كل العقد تقريباً، وأخصّها اجتماع عقد الخميس في الرابية ضم الرئيس ميشال عون والمعاونين السياسيين لرئيس المجلس النائب علي حسن خليل وللأمين العام لحزب الله حسين الخليل، انتهى إلى اتفاق قضى بتسليم الخليلين أمس الرئيس المكلف لائحة بأسماء وزراء تكتل التغيير والإصلاح في الحكومة الجديدة، على أن يحملها الرئيس نجيب ميقاتي إلى قصر بعبدا، ويناقشها مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان للاتفاق على تشكيلة الحكومة الجديدة، يضع الرئيس خلالها اسم الوزير الماروني السادس من حصته، على أن لا يكون استفزازياً ولا يترشح لانتخابات 2013.
واقترن هذا التفاهم بإتمام الاتفاق على تسمية فيصل كرامي نجل الرئيس عمر كرامي في الحكومة الجديدة، في ضوء اجتماع ميقاتي بكرامي الابن قبل ثلاثة أيام. ورغم أنه لم يُفضِ إلى نتائج ملموسة، إلا أن مناخات إيجابية سادته، وتداول ميقاتي وكرامي الابن صيغاً محتملة لتوزير الأخير.
وفي الاجتماع الذي ضم مساء أمس الخليلين مع الرئيس المكلف لتسليمه لائحة بوزراء تكتل التغيير والإصلاح، تبيّن أن الاتفاق لم يشمل توزير كرامي الابن، وأبقي معلقاً، ما حال دون تسليم الخليلين ميقاتي أسماء وزراء تكتل عون، فعادت جهود التأليف أشواطاً إلى الوراء، أو بدا ذلك.
كانت عقدتا المقعد الماروني السادس والمقعد السنّي السادس مزمنتين من عمر التكليف من جراء إصرار سليمان على حصة وزارية، ما دام الآخرون يتوسّلون اتفاق الدوحة في تقاسم السلطة الإجرائية، وإصرار عون على الحصول على غالبية المقاعد المارونية، وإصرار ميقاتي على الاكتفاء بتمثيله هو والوزير محمد الصفدي طرابلس، آخذاً في الحسبان الحساسية العائلية والتنافر الشعبي ومراعاة حلفائه فأحجم عن حسم توزير كرامي الابن.
أما العقدتان الثانويتان فلم تطفوا على السطح إلا متأخرتين في الأيام الأخيرة، رغم التيقّن من توزير النائبين طلال أرسلان ونقولا فتوش، لكنهما رفضا تعيينهما وزيري دولة:
1 ـ انتهى المقعد الماروني السادس إلى وضعه لدى سليمان كلياً، فيسمّيه هو من غير أن يكون مناصفة بينه وبين عون، أو يتدخّل الأخير في تسمية الوزير أو يملك حقّ التحفظ عنه. ليست موافقة عون تالياً على الوزير الماروني السادس شرطاً لإبصار الحكومة النور. بذلك تمسي حصة سليمان مقعدين: ماروني وأرثوذكسي، ومقعد ماروني آخر يتقاسمه مناصفة وعون هو العميد المتقاعد مروان شربل في حقيبة الداخلية.
أما الوزير الماروني السادس، فيرغب الرئيس في أن يكون أحد أربعة يميل إلى ترجيح أوّلهم: النواب السابقون: ناظم الخوري، مخايل ضاهر، خليل الهراوي ورجل الأعمال الجبيلي فادي مارتينوس.
الواقع أن توزير الخوري أو مارتينوس يقوّض شرطاً قديماً كان قد أنهك به عون رئيس الجمهورية والرئيس المكلف معاً أسابيع طويلة، عندما اشترط عدم توزير كسرواني أو جبيلي في حصة الرئيس، ثم تخلّى تدريجاً عن هذا الشرط عندما اقترح اسمين للمقعد الماروني السادس من خارج هاتين المنطقتين، هما: الوزيران السابقان جان عبيد وناجي البستاني.
2 ـ لم يتزحزح حزب الله عن تمسّكه بتمثيل كرامي الابن في الحكومة الجديدة، ولم يُظهر ميقاتي المرونة الكافية للقبول بهذا الشرط، فلبثت العقدة تراوح مكانها. يعززّ هذا الانطباع كلام يسمعه زوّار الرئيس السابق للحكومة مفاده أن الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله التزم أمامه أن لا حكومة جديدة لا تحظى برضى كرامي الأب، سواء بتوزير نجله أو بتسميته هو وزيراً سنّياً آخر من أي منطقة يختاره منها.
3 ـ رفض أرسلان تعيينه وزير دولة وتمسّك بحقيبة رئيسية، وهدّد بالاستقالة من الحكومة وحجب الثقة عنها. ويبدو أن توزيره بحقيبة لائقة يحظى بدعم من الرئيس السوري بشّار الأسد الذي كان قد رغب إلى شقيق الرئيس المكلف السيد طه ميقاتي، عندما استقبله في أولى مراحل تأليف الحكومة، في أن يستعيد أرسلان تقليداً دَرَجَ عليه والده الراحل مجيد أرسلان، هو تعيينه وزيراً للدفاع الوطني. كان جواب ميقاتي أن اتفاق الطائف أوجد عرف توزيع الحقائب السيادية الأربع على الطوائف الرئيسية الأربع، ما يحرم الدروز إحداها. انتهى الحوار بتعهّد شقيق الرئيس المكلف للرئيس السوري بالحقيبة المناسبة لأرسلان الابن.
4 ـ على نحو مماثل، واجه فتوش احتمال تعيينه وزير دولة بعدما ذهبت ـــــ أو تكاد ـــــ الحقيبتان الكاثوليكيتان إلى وزيرين للتيّار الوطني الحرّ، هما: شربل نحّاس وزيراً للاتصالات والقاضية أرليت جريصاتي وزيرة للعمل. رفض فتوش العرض وهدّد بحجب الثقة عن الحكومة.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحدّ. مع إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، كانت قد بذلت جهود آلت إلى مصالحة فتوش مع دمشق في موازاة انتقاله من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار. توجّه على الأثر إلى هناك والتقى مسؤولين سوريين كباراً أحاطوا عودته بعنايتهم، ورعوا تعزيز موقعه مجدّداً. كانت دمشق معنية، كذلك، بتذليل هذه العقدة على نحو يُعيد فتوش وزيراً بحقيبة ملائمة له.
5 ـ على هامش تلك العقد، تخطّى أفرقاء التأليف طرازاً مختلفاً من العراقيل، تمثّل في رفض عون شرطاً للرئيس المكلف رَبَطَ التأليف بحصوله، تبعاً للآلية التي ترعاها الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء في تأليف الحكومة بينه وبين رئيس الجمهورية، على لائحة من ثلاثة مرشحين للتوزير لكل حقيبة لعون.
بحجّة عدم إحداث سابقة في التأليف، عارض رئيس تكتّل التغيير والإصلاح طلب ميقاتي إيداعه لائحة بالأسماء الثلاثة، بعدما كان الرجلان قد اتفقا، في اللقاءات غير المباشرة، على تحديد حصة تكتّل عون من حقائب الحكومة الجديدة (8 حقائب لـ10 وزراء). أحد مبرّرات رفض عون أن لائحة بثلاثة أسماء لحقيبة واحدة ستحمل ميقاتي على اختيار اسم غير نحّاس للاتصالات، وغير الوزير جبران باسيل للطاقة والمياه. في نهاية المطاف، توصّل ميقاتي وعون إلى تسوية ضمنية تحفظ لرئيس الحكومة صلاحياته الدستورية، وتضمن لعون توزير مَن يريدهم في الحقائب التي اختارها لهم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018