ارشيف من :أخبار لبنانية
مرارة سليمان بين الوسط وما دون الوسط
جان عزيز-الاخبار
قيل إنه حين صعد نجيب ميقاتي الى بعبدا يوم الأربعاء الماضي، ليبلغ ميشال سليمان بحصيلة اتفاقات ذاك النهار «البرلماني» الطويل، فوجئ بلهجة رئاسية مزدوجة: موافقة على ما تم واستعداد لإكماله. وفي المقابل مرارة في الكلام وأسى ولوم وعتب كبير. وقيل أيضاً إن هذه وجّهها في شكل رئيسي الى حليفيه في «الوسط» الافتراضي المتخيل: ميقاتي وجنبلاط. أنتما سمحتما بالتطاول عليّ. أنتما تساهلتما مع ميشال عون. وتركتما الآخرين يسجلون أهدافهم في مرماي وحدي...
قد لا تكون الصورة الرئاسية موضوعية في تشخيصها. وقد تخالطها ذاتية وشخصانية طبيعية ومفهومة في ظروف كهذه. فعلى مدى أربعة أشهر ونيف، تكوَّن مشهد حكومي ما يقول بفريق ثلاثي، بين بعبدا وفردان والمختارة. فجأة، وبعد انقشاع غبار العراك التأليفي (إذا ما انقشع فعلاً) بدت نتائج الفريق الواحد متباينة، لا بل متناقضة.
فمن جهة جنبلاط، تظهر التوقعات الحكومية المتداولة أنه سيخرج رابحاً كبيراً، وخصوصاً مع انتزاعه حقيبة الشؤون الاجتماعية من فم الأسد العوني، وضمّها الى الأشغال العامة. والأمر نفسه من ناحية ميقاتي، الذي نجح شكلاً في تصوير نفسه رئيساً للحكومة لم يخضع لشروط. والذي في المضمون لم يتنازل عن أي موقع سني شغله الحريري. وهو ما لا ينطبق على الركن الثالث في تحالف الوسط المحاكى. إذ خسر رئيس الجمهورية حقيبة الدفاع، وخسر نصف الداخلية (في انتظار دقة حساب البيدر في هذا الموقع) ولم يجد أي تعويض، ولا من يحرص على تعويضه.
في قراءة سريعة لهذه النتائج، يظهر أن أسبابها الرئيسية مفهومة ومنطقية. وهي تتمحور حول مستويين: تمثيل أي زعيم لطائفته وحقوقها، وحسن الحركة الخارجية وصحة القراءة السياسية على هذا المستوى، بما يحصّن المستوى الأول ويدعمه.
ففي حالة وليد جنبلاط، يبدو المستويان جليين بامتياز. فالزعيم التقدمي الاشتراكي يحوز إجماع طائفته. حتى «مشكلة» طلال إرسلان، حرص الأخير على رميها في وجه الآخرين، لا في وجه جنبلاط. حتى إن الوحدة الطائفية حول الزعيم، تحوّلت «وحدة» جغرافية حول قيادته. وهو ما يجعل توزير سني منتمٍ جغرافياً الى تلك الزعامة، من باب تحصيل الحاصل لوحدة الزعامة الطائفية.
غير أن الأهم في فهم «النصر» الجنبلاطي، هو المستوى الثاني، أي المواءمة الناجحة بين الزعامة الطائفية الداخلية، والحركة الخارجية الفاعلة والمتحولة حاجة لأكثر من طرف. يكفي في هذا السياق رصد الموقف الجنبلاطي من «الوضع» في دمشق. فهو كان عاملاً رئيسياً على خط دروز سوريا، وخصوصاً بعد أيام قليلة على بضع تحركات هامشية بين هؤلاء، في الفترة الأولى من الاضطرابات. بعدها وسّع جنبلاط نطاق حركته، حتى بدا كأنه مبعوث شخصي للرئيس السوري، مكلّف جسّ نبض الساحات المناوئة، ومحاولة تذليل العوائق القائمة ونزع الألغام المفاجئة. هكذا ذهب جنبلاط الى باريس لاعباً هذا الدور.
وهو ما لم يقم به ميشال عون مثلاً، علماً بأن الأخير استقبله ساركوزي، فيما لم يُفتح الإليزيه لجنبلاط، وعلماً بأن الصوت المسيحي مفترض أن يكون مسموعاً أكثر في العواصم الغربية، من الصوت الدرزي، وعلماً كذلك بأن الجماعة المسيحية في سوريا أكثر عدداً من دروزها، وأهم موقعاً وتأثيراً على مقولة المسيحية المشرقية.
حتى قطر، التي كانت زمن مؤتمر الدوحة على عداوة كاملة مع جنبلاط، نتيجة لذيول مواقفه السابقة أيام خطابات ساحة الشهداء ولغة «الأفاعي والقرود»، نجح جنبلاط في نسج الوشائج معها، حتى زيارتها بصفته «السورية» الجديدة والحريصة. وهو كذلك دور عجز عنه زعماء لبنانيون آخرون، ممن صورتهم أكثر قرباً ووداً من حاكم بلد «الجزيرة». واللافت أن جنبلاط نجح في كل ذلك، من دون أن تهجره كونيللي، أو يمر فيلتمان في بيروت فلا يزوره، حتى ولو اضطر إلى المغادرة محمّلاً بكتاب عن «إخفاقات السياسة الأميركية».
الصورة نفسها حققها ميقاتي، ضمن ظروفه. من ذهابه في المرة الأولى الى دار الفتوى و«بصمه» على ثوابت السنيورة هناك، ومن ثم اللجوء ثانية الى الدار نفسها في مواجهة الضغوط، مروراً بتصوير نفسه «حارس هيكل» الطائف السني، وصولاً الى تدوير زوايا علاقاته الخارجية كلها من دون استثناء. حتى إن بعض الميقاتيين باتوا يعيّرون الحريريين اليوم، على طريقة: هل شهدتم كيف تؤكل أكتاف الآخرين؟ لقد نجحنا حيث فشلتم. وسننجح بعد حيث سقطتم أنتم. بلا زعيق خطابات، ولا تهريج شاشات، ولا بكاء ولا نزع سترات هوليوودية، بل بحنكة وحكمة ودهاء وصبر وصمت.
على ضوء هذين المعيارين، يُفهم أن يعجز سليمان عن مجاراة حليفيه في الوسط الموهوم. فهما في تمثيل كل منهما لجماعته، وفي مواكبته لأحداث الخارج، كانا ملامسين للقمة. أما هو فبدا دون الوسط الذي راهن على جمعه بهما.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018