ارشيف من :أخبار لبنانية
أهداف سياسة أوباما الخارجية: المنطقة الجيوسياسية للشرق الأوسط، شمال أفريقيا، وموزاييك آسيا الوسطى
بقلم جاك أ. سميث (*)/ ترجمة خاصة لموقع الانتقاد الالكتروني
" لقد شاهدتم العناوين الرئيسة في الأسابيع والأيام الماضية:
الثورات العربية، مقتل أسامة بن لادن، جهود واشنطن للإحتفاظ بالجيوش في أفغانستان والعراق خارج نطاق الإنسحاب، إعادة فتح مصر حدودها مع غزة، دور باكستان في الحرب الأفغانية، خطاب الرئيس أوباما حول الشرق الأوسط وإسرائيل، تصلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، تحرك وحدة فتح ـ حماس وتخطيطها للحصول على إعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية ت وهذا ليس كل شيء.
كل حدث من هذه الأحداث يظهر بصورة كبيرة ومغالى بها في وسائل الإعلام وفي النقاش السياسي المطروح، إلا أن كل حدث ما هو إلا جزء فقط من موزاييك أكبر بكثير من الأحداث التي تشكل عنصر الإستراتيجية الخارجية والعسكرية لإدارة أوباما للشرق الأوسط/ شمال أفريقيا ( MENA) وآسيا الوسطى.
عنصر الإستراتيجية هذا هو الأولوية الأولى بالنسبة لواشنطن لأن أي تدهور بارز بالهيمنة الأميركية في منطقة شمال أفريقيا ( MENA)، وفشل وإحباط طموحاتها في آسيا الوسطى ـ خاصة، مع إضعاف النفوذ الإقتصادي والسياسي في العالم – يمكن له أن يسرِّع في إنحدار أميركا كقطب "قائد" عالمي أوحد، ما يعني السطوة والهيمنة.
لقد ورثت الولايات المتحدة هذا المركز قبل عقدين بعد إنفجار الإتحاد السوفياتي والمعسكر السوفياتي وبالكاد هي مستعدة الآن للتنحي عن هذا المركز. فسياسة واشنطن المتبناة آنذاك، والتي لا تزال موجودة بالقوة اليوم، هي منع بزوغ أي منافس قوي أو قوة عسكرية قادرة، بكوامنها، على تقويض السيطرة الأميركية.
ليس هناك من بلد آخر يعمل على إختطاف السيادة والسيطرة العالمية، إلا أن عدداً من الدول ذات إقتصادات متطورة ونامية تفكر بأنه قد حان الوقت لبناء دولي جديد ذي قيادة متعددة الأقطاب.
إن مهمة إدارة أوباما المقدسة، كما كان الحال مع حكومات واشنطن السابقة، هي الحفاظ على الأرضية السياسية والجغرافية التي إكتسبتها الولايات المتحدة في الـ 66 عاماً منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما أصبحت قائدة النزاع الرأسمالي في الحرب الباردة العالمية ضد الشيوعية.
لقد إمتدت هذه الأرضية في فترة ما بعد الحرب الباردة، من خلال السيطرة الأميركية على المؤسسات الإقتصادية العالمية بشكل رئيس، الإستيعاب السياسي لدول أوروبا الشرقية التي كانت تدور في الفلك السوفياتي، القوة العسكرية الغير متساوية، وفي العقد الأخير من خلال " الحرب على الإرهاب" التي شنها الرئيس جورج دبليو بوش.
إستلم الرئيس باراك أوباما زمام السيطرة في العراق، من بوش وسع الحرب الأفغانية ومد القتال وصولاً الى غرب باكستان، اليمن والآن ليبيا. إضافة لذلك، يسعى أوباما للإحتفاظ بقوات عسكرية أميركية أصغر حجماً إنما أساسية وجوهرية في العراق وأفغانستان لسنوات تتخطى مواعيد الإنسحابات المتوقعة في وقت يدعم فيه الرأي العام إنسحاباً كاملاً.
كانت الولايات المتحدة تضع نصب عينيها الهيمنة على منطقة شمال أفريقيا بسبب موارد الطاقة الموجودة فيها على إمتداد 70 عاماً وإجتذبت عدداً من الدول الإقليمية كالعربية السعودية لتدور في فلكها قبل عقود مضت من الزمن. أما في السنوات الأخيرة، فقد إمتدت الهيمنة الأميركية على كامل المنطقة الممتدة بإستثناء إيران، المكتسب الذي عُلّق بسبب النكبة السياسية- العسكرية المفاجئة التي تسبب بها غزو العراق عام 2003.
في العقد الجاري، ومنذ هجمات 11/ 9، إمتدت يد واشنطن الإمبريالية لتصل ليصل الى داخل آسيا الوسطى عن طريق عرض قوتها العسكرية الرهيبة في أفغانستان، إحدى أفقر البلدان على وجه الأرض. كان الهدف الظاهري هو القبض على أسامة بن لادن وإلحاق الهزيمة بالقاعدة، المنظمة التي أسسها هذا الأخير في الثمانينات بدعم من باكستان، العربية السعودية والولايات المتحدة خلال الحرب الأهلية ضد حكومة تقدمية في كابول وحماتها من الجيش السوفياتي.
أصبح الغزو الأميركي لأفغانستان الذي يكلف 10 مليار دولار شهرياً بمثابة مأزق عسكري، إلا أن المغامرة أتاحت للولايات المتحدة، أيضاً، زرع علمها للمرة الأولى في منطقة آسيا الوسطى – تقدم جيوسياسي كبير ورئيس، كما سنشرح لاحقاً. فإدارة بوش كانت مدركة جيداً لهذه الحقيقة عندما إختارت شن حرب في أفغانستان بدلاً من نظم جهد سياسي دولي لإعتقال بن لادن.
ضمن سياق إستراتيجية شمال أفريقيا / آسيا الوسطى هذا، وفي الصورة الأوسع، تقع مسألة قتل بن لادن في 2 أيار من قبل SEALS ، فريق عمليات القتل في سلاح البحرية الأميركية في باكستان، كما هو الحال في حربيْ العراق وأفغانستان، تسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، الموقف الأميركي من الثورات العربية والعناوين الرئيسة الأخيرة المتعلقة بهذه المنطقة.
في السياسات الأميركية المحلية، ولّد إستئصال بن لادن تجديداً قصيراً بالثقة الوطنية بالنفس، كما عزز أوراق إعتماد أوباما بشأن" الأمن القومي"، ما أدى الى رفع نسب إستطلاعات الرأي العام التي يأمل البيت الأبيض أن تساهم في إنتصار إعادة إنتخاب أوباما العام المقبل.
الثورات العربية
أولاً وقبل كل شيء، البيت الأبيض مكرس الآن لتحييد، إنهاء أو الإستيلاء على الثورات التقدمية الحاصلة في هذه الشهور الأخيرة ضد الديكتاتوريات والحكومات الملكية القمعية على إمتداد العالم العربي.
لقد وسعت واشنطن دعمها ليمتد، تقريباً، الى كل هذه الأنظمة الرجعية لعقود عديدة، مقابل دورانها برضى وسرور في فلك الهيمنة الأميركية. أما الرئيس أوباما فقد وسع نطاق تبريكاته الخطابية المتأخرة للتوجه الديمقراطي الحاصل، لكن في الممارسة الفعلية كان كل ما فعله البيت الأبيض هو قيادة الناتو للدخول في حرب ظالمة لأجل تغيير النظام في ليبيا.
تدعم الحكومة الأميركية الديمقراطية إلا إذا أنتجت حكومة لا تستسيغها أو إذا ما أنكر البلد موضع البحث السلطة القضائية للعم سام أو عبَّر عن معارضته لسياسات أميركا. فالرئيس أوباما لا يريد فينزويللا أو بوليفيا أو برازيل أخرى تتجذر في منطقة شمال أفريقيا ( MENA) وهو يعمل لضمان ألا يحصل هذا الأمر، رغم أنها كلها كانت نتاج إنتخابات ديمقراطية.
يبدو بأن إدارة أوباما لم تعد قلقة بشأن الثورة الشعبية المصرية الناجحة لأنها جلبت تغييراً للنظام قد لا يُنتج إلا الشكل الديمقراطي فحسب، من دون المحتوى الكامل. فالحكومة الأميركية، التي دعمت وساعدت ومولت ديكتاتورية مبارك على مدى أكثر من 30 عاماً، تتنفس الصعداء لأن علاقاتها المستمرة مع القوات المسلحة القوية والنخبة الحاكمة تضمن، بشكل واضح، أن تبقى مصر الديمقراطية ضمن الحظيرة الإمبريالية. أما تونس التي بدأت النضال الشعبي ضد الطغيان، فيبدو أيضاً بأنها ظلت في معسكر واشنطن برغم أن الديكتاتور الذي حكمهم طويلاً والذي أرسلوه الى العربية السعودية كان مدعوماً من قبل الولايات المتحدة حتى النهاية.
بقاء الجيش في العراق وأفغانستان
إن إدارة أوباما متحمسة للحفاظ على قواعد عسكرية وبقاء آلاف الجنود في العراق، المفترض مغادرتهم في نهاية هذا العام، وفي أفغانستان، حيث يفترض بالولايات المتحدة الرحيل بنهاية العام ، 2014 بحسب الجدول الزمني. إن الرئيس أوباما يضع الآن ضغوطاً شديدة على بغداد وكابول لـ "طلب" وجود طويل الأمد للجيش والـ " المتعدين" الأميركيين بعد إنسحاب كتلة قوات الإحتلال.
لماذا بقاء الجيش الأميركي في العراق؟ لقد غزا بوش والمحافظون الجدد العراق عندما كانوا في البيت الأبيض، البلد الذي أعتبر خصماً يسهل التغلب عليه بعد 12 عاماً من العقوبات الأميركية-البريطانية- الأممية القاتلة، ليس فقط للسيطرة على نفطه وإنما كمقدمة لإسقاط النظام في إيران المجاورة، لتتوفر بذلك السيطرة الكاملة لواشنطن على موارد الخليج الفارسي الهائلة. وقد خربت مقاومة رجال العصابات العراقية المخطط، حتى الآن.
بذلك، تكون نهاية الحرب – إضافة الى تحميل دافعي الضرائب الأميركيين عدة تريليونات من الدولارات من رصيدهم في المصارف بالإضافة الى الفوائد المترتبة عليها على إمتداد العقود القليلة المقبلة- إستبدال عدو إيران الشيعية الرئيس، الذي كان نظام صدام حسين السني في بغداد حتى العام 2003، وحلول حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي الشيعية مكانه، وهو سياسي يركع عادة أمام لواشنطن لكنه صديق تماماً لطهران، كما هو حال الكثير من السياسيين العراقيين. ( يشكل الشيعة 65% تقريباً من تعداد السكان؛ بينما يشكل السنة 35 %.)
أعلن نوري المالكي في 16 أيار، " إن التعاون الأمني، العسكري، والسياسي بين إيران والعراق هو تعاون حيوي، وسوف نرى بالتأكيد توسع هذه العلاقات في هذه المجالات في المستقبل." أما خوف واشنطن الأكبر فهو أن يقوم المالكي في النهاية بالسخرية من العم سام وإزدرائه، وهذا سيكون عندما يقترب كل من العراق وإيران من بعضهما أكثر بكثير مما هو حاصل الآن – مشهد تعارضه الولايات المتحدة، إسرائيل والعربية السعودية بعمق.
بحسب ستراتفور، المصدر الإستخباراتي الخاص، في 26 نيسان : " عرضت الولايات المتحدة، بحسب ما قيل، ترك حوالي 20000 جندي في البلاد " بعد " إنسحابها" نهاية هذا العام. إضافة الى بقاء عدد كبير إنما غير محدد من " المتعهدين" – غالباً من المأجورين شبه العسكريين.
أكثر من ذلك، وبحسب تقرير لـ Inter Press Service في 9 أيار، " تزمع وزارة الخارجية الأميركية مضاعفة عدد موظفيها في العراق ليصبح عددهم 16000 موظف تقريباً والإعتماد بالكامل على المتعهدين بالنسبة للأمن." إذن إن العدد الكبير للموظفين لا يُصدق، كما لا يمكن تصديق الحجم الهائل للسفارة الأميركية الجديدة في المنطقة الخضراء في بغداد – المرفق الأكبر من نوعه في العالم أجمع.
ربما يكون العائق الأهم أمام الإحتفاظ بالجيش الأميركي في العراق ليس المالكي، الذي قد ينهار تحت الضغط المحلي أو الأميركي، وإنما محاربة رجل الدين مقتدى الصدر وجيشه المهدي، الذي قاتل الجيش الأميركي ذات مرة إلا أنه كان هادئاً في السنوات الأخيرة. فالصدر يهدد بإطلاق عنان جيشه لمحاربة أية قوة محتلة تبقى في البلد. وعند إتخاذه القرار ينبغي للمالكي أن يتذكر دوماً بأن الأصوات الناخبة لقوات الصدر هي التي ضمنت إنتصاره الإنتخابي. وتعرض الولايات المتحدة الى أن الصدر يفعل ما يفعله بطلب من إيران.
قالت واشنطن للمالكي بأن عليه إتخاذ قراره بحلول آب. وهناك الكثير من المناورات الجارية، وليس معروفاً الطريق الذي سيقرر إتخاذه.
لماذا إبقاء الجنود في أفغانستان؟
لدى إدارة أوباما أسباباً عديدة مختلفة في سعيها لإبقاء قوة قتالية مخفضة في أفغانستان، وهي تزيد من ضغوطاتها على مساعدها الرحالة في كابول، الرئيس حميد كرزاي، للتوقيع على " إعلان الشراكة الإستراتيجية" ما بعد 2014 والذي يشمل الجيش والقواعد الأميركية.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كلينتون قد ذكرت شيئاً غير مباشراً بهذا الخصوص عندما قالت، "إطار عمل طويل الأمد لأجل تعاوننا الثنائي" وذلك في خطابها في 18 شباط لـ " مجتمع آسيا " Asia Society)) : " لا ينبغي، بأي حال من الأحوال، فهم إلتزامنا الثابت علىأنه رغبة من قبل أميركا وحلفائنا لإحتلال أفغانستان ضد إرادة شعب هذا البلد. نحن لا نسعى لوجود أية قواعد عسكرية دائمة في بلادهم."
ترجمةً لهذا الكلام: أشارت كلينتون الى أن الولايات المتحدة كانت تسعى أولاً للحصول على موافقة ومصادقة الحكومة الأفغانية وبأن حاجتها للجيش والقواعد الأميركية لن تدوم للأبد.
إن واشنطن لا تنقصها الموارد بهذا الصدد. فهي ستبدأ بتشغيل 10 مليار دولار سنوياً – الأمر الذي لا يمكن لكابول تحمله – لتدفعها لحوالي 400000 جندي وشرطي أفغاني يخطط البنتاغون لكي يكونوا جاهزين بنهاية عام 2014. فالمال لا يمكن أن يأتي إلا من العم سام، والثمن المحتمل قد يكون تقبل " إلتزام أميركا الثابت".
بحسب رسالة رسمية مستعجلة لوكالة رويترز في 24 أيار، فإن " مسؤولاً أميركياً رفيعا،ً طلب عدم ذكر إسمه، أخبر وكالة الأخبار البريطانية: " هدفنا هو إنهاء الحرب في أفغانستان، إرجاع جنودنا الى الوطن، أن نخلف وراءنا قدرة كافية لإدارة عمليات مكافحة الإرهاب وتثبيت الدعم الضروري للقوات المحلية والدولة الأفغانية...هذا يبقى إلتزاماً أميركياً كبيراً على الأمد الطويل." وهنا بعض الأسباب لذلك:
1. كانت الولايات المتحدة تجري " محادثات سرية" مع حركة طالبان الإسلامية المحافظة بهدف التوصل الى إتفاق يجلب طالبان الى حكومة كابول وربما الى بعض المحافظات أيضاً، بظل سلطة الرئيس كرزاي. أما الهدف فهو إنهاء حرب - مأزق دامت 10 سنوات كانت ضد طالبان ومجموعات مقاتلة أخرى معارضة للغزو الأميركي وإعطاء الإنطباع بأنها حققت نصراً. إلا أن البيت الأبيض لا يثق بطالبان، أو كرزاي بالنسبة لتلك المسألة، ويريد أن " تكون قدماه على الأرض" عندما ترحل القوة الرئيسة عن البلاد.
2. إن باكستان المجاورة، الحيوية لإبقاء طالبان تحت السيطرة في أفغانستان وكخط نقل لإمدادات الحرب، بلد غير موثوق به، وبعمق، من قبل واشنطن، إلا أن مساعدة باكستان في المنطقة أمر مطلوب للتوصل الى إتفاق سلام. وبما أن إسلام آباد لا تثق هي الأخرى بالولايات المتحدة إلا أنها تقدر معوناتها المالية النقدية وهي بحاجة الى صديق عبارة عن قوة عظمى كحماية لها من خوفها المبالغ فيه ربما من العداوة الهندية، فإن هذه العلاقة تظل قابلة للحياة – إلا أن حكومة أوباما تريد أن يقوم الجيش الأميركي بتوجيه العملية على الأرض والقبام بغارات وغزوات محتملة في غرب باكستان.
كان هناك تقارير تقول بأن الولايات المتحدة شعرت بالغبن لإكتشافها بأن بن لادن كان مختبئاً في باكستان لسنوات. إلا أن التعاون سوف بستمر وقد لا يتم الكشف عن كامل التفاصيل لسنوات من قبل الجانبين، رغم أن كل منهما قد يكون يعلم كل شيئ عن دور الآخرفي هذه المسألة. ففي الوقت الذي يتعاونان فيه، كان كل من البلدين يتجسس على الآخر ويحتفظ لنفسه بالأسرار،وكان كل منهما يفضل أن تظل أدلته لنفسه ولا يشارك الجانب الآخر فيها.
3. الأهم من ذلك أن لا رغبة لدى الولايات المتحدة للإنسحاب تماماً من موطئ قدمها الوحيد في آسيا الوسطى، المتمركزة عسكرياً قريباً من عدويها الرئيسييْن اللذان يمتلكان أسلحة نووية ( الصين، روسيا)، وقريباً من قوتين نوويتين متفجرتين مدعومتين من قبل الولايات المتحدة إلا أنهما ليستا تحت سيطرتها تماماً بأي معنى من المعاني ( باكستان، الهند). كما أن هذه الجغرافية التصادفية تطوق حوض بحر قزوين الذي ينطوي على ثروة إستثنائية غير عادية من النفط والغاز الطبيعي كما أنها في خاصرة الجمهوريات الإسلامية السوفياتية السابقة المنعمة بهبة الطاقة كأوزبكستان وتركمنستان. أخيراً، إيران – الجائزة الإمبريالية المستقبلية المحتملة – وهي تقع بين العراق غرباً وأفغانستان شرقاً. وتريد الولايات المتحدة إبقاء جيشها قريباً في حال حدوث أي أمر طارئ.
إن موطئ قدم واشنطن في آسيا الوسطى هو كنز جيوسياسي محتمل، تحديداً في الوقت الذي يسعى فيه أوباما، كـ "بوش" من قبل، الى منع بيكين وموسكو من مد نفوذهما الى ما يعتبر بالفعل حديقتهما الخلفية ، وليس حديقة أميركا.
إن كلا الخصمين السابقين في الحرب الباردة حذرين، بالفعل، من نوايا واشنطن ويحاولان الوقوف حاجزاً أمام المناورات الأميركية من خلال " منظمة تعاون شانغهاي" ووسائل أخرى أيضاً، كتلميحات بيكين الأخيرة الداعمة والدافئة تجاه إسلام آباد المعترفة بالفضل والجميل. ففي حين دعمت الصين وروسيا الحرب الأميركية في أفغانستان، فإن كلاهما يعارض، وبقوة – مع باكستان والهند أيضاً من دون شك – مشهد الوجود العسكري الأميركي / الناتو في المنطقة.
كان البيت الأبيض يلوي ذراع حكومة كابول لتوقيع إتفاقية " وضع القوات" التي تسمح ببقاء فرقة عسكرية كبيرة نسبياً من الجنود، القوات الخاصة، عملاء الـ CIA، متعهدين شبه عسكريين، مدربين عسكريين، إلخ. – ربما ما بين 10000- 20000 يحتلون 6 قواعد عسكرية - في أفغانستان بعد تاريخ الإنسحاب المحدد بنهاية عام 2014. وقد يزعم الرئيس أوباما عندها بأن الأفغان طلبوا القوات لأجل الحفاظ على أمنهم. حتى الآن حكومة كرزاي صامدة، إلا أن الإتفاق النهائي أمر ممكن.
أقرب ما كان الرئيس أوباما من الإعتراف العلني بجهود الإنسحاب الجزئي هو في برنامج 60 دقيقة في 8 أيار بتعليقه المبهم قائلاً، " لسنا بحاجة لوجود آثار أقدام دائمة لنا من الحجم الذي لدينا إياه الآن."
إن المشكلة الرئيسة في الإحتفاظ بـ " آثار أقدام دائمة " أصغر حجماً هو في إصرار طالبان على إنسحاب كامل والتخلي عن كل القواعد الأميركية بالإضافة الى رحيل الجيش. وإلا فإنهم لن يوافقوا على الهدنة التي تعتبر ضرورية لتبرير إنسحاب أوباما " المشرِّف". يبدو بأن الإدارة الأميركية تنوي ضرب طالبان عسكرياً بقوة حتى توافق. في النهاية، قد تنتصر واشنطن عن طريق تقديمها أموالاً وسلطة سياسية وإدارية أكبر في الترتيبات الجديدة لطالبان. ربما قد يُعاد تسمية الجيش الأميركي هناك بـ " المتعهدين" ويكون بإمكان الولايات المتحدة نقل قواعدها الى كابول، التي ستؤجرها مرة أخرى للأميركيين.
أهمية فلسطين
قبل أن نأتي عر ذكر الصخب الصادر عن أوباما / نتانياهو في أواخر أيار، سنعرج قليلاً على سبب مركزية الوضع الفلسطيني بالنسبة لسياسة أميركا في شمال أفريقيا / آسيا الوسطى، ونشير الى سبب سعي الولايات المتحدة للتوصل الى حل الدولتين بالنسبة للمسألة الفلسطينية وسبب عدم سير الحكومة الإسرائيلية الحالية في هذا الطريق.
إن الولايات المتحدة ومعظم حلفائها الأوروبيين يعتبرون إسرائيل مركزاً أمامياً غربياً متقدماً سياسياً، عسكرياً وإستخباراتياً في منطقة من العالم مأهولة بالكامل تقريباً بالعرب المسلمين و ذات موارد إستراتيجية، متفجرة وغير "مستقرة" الآن. لذا فهم لن يسمحوا لإسرائيل بالفشل والهزيمة.
لقد أقنع نفوذ واشنطن كقوة عظمى معظم الحكومات العربية بإسكات المنتقدين لسوء المعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين، ( سوريا وليبيا كانتا إستثناء)، إلا أن الجماهير العربية لطالما دعمت قضية الشعب الفلسطيني وأدانت كل من إسرائيل ومفعَّلها ومؤهلها الأميركي. والآن وقد بدأت هذه الجماهير تتحدث عن نفسها فقد أصبحت المسألة الفلسطينية أكثر أهمية من السابق.
إن قمع الشعب الفلسطيني هو القضية الرئيسة لدى الناس ذوي المواقف المعادية لأميركا على إمتداد العالم الإسلامي البلغ تعداده حوالي 1.4 مليار إنسان، معظمهم هؤلاء في 47 بلد غالبيتهم من المسلمين. هذا العدد سيزداد ليصل الى 2 مليار بحلول عام 2030.
في هذا الوقت، تخوض الولايات المتحدة حروباً في خمس بلدان إسلامية، وتسعى لإغراء بضع بلدان غنية بالموارد في آسيا الوسطى في الوقت الذي تحتفظ فيه بأقمارها الإصطناعية العربية في منطقة شمال أفريقيا ( MENA). في هذه الأثناء، واشنطن على رأس إقتصاد رازح تحت اثقال الدين، قيادتها للعالم في إنحدار، كما أن بلداناً نامية عديدة، بقيادة الصين، تصعد وتسعى الى نظام عالمي أكثر عدالة وإنصافاً من الذي فرض عند نهاية الحرب العالمية الثانية عندما كان نصف الكرة الأرضية خاضعاً للقوى الإستعمارية والإمبريالية.
هناك شيئ ما ينبغي تقديمه، وهذا واضح – و" حل" الأزمة الفلسطينية بدولتين يبدو الطريقة الأسرع والأقل كلفة بالنسبة لواشنطن للفوز بموافقة خمس سكان العالم في وقت تفقد فيه " القيادة" الأميركية السلطة والنفوذ.
هناك قطاع واسع بعض الشيئ لدى الرأي العام الإسرائيلي يرى في حل الدولتين طريقاً للخروج من المأزق الفلسطيني المحير – إلا أن البلد في الوقت الحاضر في أيدي حكومة يمينية متشددة بقيادة حزب الليكود ورئاسة نتانياهو، ومتطرفي حزب إسرائيل بيتنا العنصرية والمناهضة للديمقراطية بقيادة أفيغدور ليبرمان، و حزب شاس الديني المتشدد. وسيقوم معظم متطرفي الجناح اليميني بأي شيئ ممكن لوقف أي إتفاق مع الفلسطينيين على أمل حدوث أمر ما – أي شيئ- في وقت ما يسمح لهم بضم الضفة الغربية، القدس الشرقية وغزة الى إسرائيل الكاملة.
إن المجتمع الديني المتشدد ( 10 %، لكنه يتنامى بسرعة)،المدعوم من مواطنين متدينين آخرين، ملتزم وملتصق بالخرافة التي تقول بأن الإله " أعطى" إسرائيل لليهود، وبأن العرب متطفلون ينبغي تهجيرهم الى مكان آخر. هناك العديد في حزب إسرائيل بيتنا يريدون رحيل العرب، إنما لأسباب قومية متشددة. ويبدو الليكود أقل تعصباً لكنهم يعتمدون على اليمين المتطرف للإحتفاظ بالسلطة.
" التل الخلدي" ( مرتفع صغير من الأرض يسببه حفرالخلد خلال تخندقه تحت الأرض)، كانت دعوة أوباما لإستئناف المحادثات بين الجانبين بناء على حدود عام 1967 مع "تبادل للأراضي متفق عليه ."
بالواقع، كان هذا هو الموقف الأميركي الأساسي قرابة عقدين من الزمن في المناقشات مع إسرائيل والمحادثات بين الجانبين. فإدارتيْ كلينتون وبوش 2 كانتا في خضم عملية إجراء إتفاقية عامة. فالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية موافقة عليها، كذلك حماس الآن في غزة، كما سبق ووافقت عليها حكومات إسرائيلية سابقة. لقد فهموا – كما عبر أوباما بوضوح للقائد الإسرائيلي- بأن "التبادل المتفق عليه للأراضي" سيكون جزءاً من إتفاق حدودي نهائي.
هذا يعني بأنه ينبغي إيجاد الأسلوب والطريقة للإسرائيليين للحصول على الكثير من الأراضي الفلسطينية حيث إستقر 500000 إسرائيلي بطريقة غير شرعية في مستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية مقابل تقديم بعضاً من أراضيها بالإضافة الى تنازلات أخرى. ستتم عملية تبادل للأراضي ليكون ممكناً وصل قسميْ فلسطين ببعضهما، وهذا طبيعي، حتى ولو كان ذلك مجرد ممر ضيق.
"الجبل"، كان سوء الفهم المقصود لنتانياهو حيث أنه نتيجة للمحادثات تم إبلاغ إسرائيل بالعودة الى حدود 1967، التي سماها الآن بأنها حدود " لا يمكن الدفاع عنها". أما ما كان ينقص تحريفه وتشويهه للكلام فهو الإدعاء بأن أوباما قد أضاف الآن تهديداً " وجودياً" إضافياً للأخطار المفرطة المحدقة بوجه إسرائيل، إلا أن كلامه كان يحمل معنىً ضمنياً بذلك. وقد ركز كل من الكونغرس والآيباك على حماية إسرائيل والركوع أمام نتانتياهو بخنوع وتذلل. وألقيت دعوة أوباما الحذرة والضعيفة لإجراء محادثات جانباً دونما إهتمام، كما كان قد خطط نتانياهو.
رحب مجلسيْ النواب والشيوخ – الديمقراطيون والجمهوريون، في عرض نادر للشراكة الحزبية-ترحيباً هائلاً زاخراً بالتصفيق الحاد. فقد كان الكونغرس أكثر تأييداً لإسرائيل حتى من البيت الأبيض على إمتداد العقود الماضية. ويعود السبب، جزئياً، الى الفعالية الملفتة لجماعات الضغط الموالية لإسرائيل في الحملات الإنتخابية ( اللوبي الإسرائيلي). ويدين بعض السياسيين بالفضل بما هم عليه للآيباك، وقد فقد البعض مهنتهم عندما تساءلوا علناً عن قدسية إسرائيل.
هناك جزء آخر ناشئ عن السلطة السياسية لملايين الإنجيليين والأصوليين المسيحيين الذين لا يتقبلون فحسب نظرية " إعطاء" الإله إسرائيل لليهود بل أنهم يؤمنون بالخرافة المسيحية التي تقول بأن على اليهود أن يكونوا مستحوذين على إسرائيل ( فلسطين) بالكامل قبل عودة يسوع المسيح الى الأرض " للإبتهاج".
1. رفض أوباما دعوة إسرائيل الى الكف عن بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية.
2. أغفل ذكر طلب إسرائيل غير الشرعي بضم كامل القدس.
3. لم يأت على ذكر وضع اللاجئين الفلسطينيين.
4. أصر على على قيام السلطة الفلسطينية بسحب طلبها بإنشاء الدولة الفلسطينية الذي سيناقش في الأمم المتحدة في أيلول، والذي يملك فرصة جيدة لجهة مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة عليه ( برغم تجنب فيتو حتمي لتصويت مجلس الأمن الدولي ).
5. عارض التحركات الوحدوية بين فتح / السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و حماس في غزة.
إضافة لذلك، حاجج أوباما قائلاً بأنه لا ينبغي للفلسطينيين الإعتراف بوجود إسرائيل فحسب بل عليهم الإعتراف أيضاً بـ " إسرائيل كدولة يهودية وموطناً للشعب اليهودي." في عمليات التبادل الديبلوماسي الطبيعية يكون الإعتراف المتبادل كافياً، من دون كل هذه المحاولات الجاهدة المتوقعة من الفلسطينيين.
وبقدر ما الدولة والوطن هما موضع إهتمام الآن، فإن هناك أكثر من مليون فلسطيني يعيشون منذ العام 1948 ولأجيال عديدة قبل ذلك فيما يسمى الآن إسرائيل، إضافة الى اللاجئين المطالبين بـ " حق العودة" لم يتم التطرق الى أوضاعهم. هذه مسألة مطروحة للمفاوضات، وليست مسألة مصروف النظر فيها سلفاً عن طريق تحديد إسرائيل بهكذا تعريف ( ما يعني الدولة اليهودية).
سيتم التفاوض حول الكثير من المطالب من الجانبين – إلا أن الإلتزامات تتم بعد المفاوضات وليس قبلها. وهناك نقطة أخرى حول مسألة الإعتراف. فهناك الكثير مما يُقال عن حقيقة عدم " إعتراف" حماس بإسرائيل ( كذلك الأمر فتح، إلا أن هذا الأمر لا يذكر عادة). لكن، ووفقاً للقانون الدولي، فإن الإعتراف يكون بين دولتين، وليس بين حزب سياسي ودولة.
وحتى عندما ينهزم الإئتلاف اليميني المتشدد بقيادة نتانياهو في غضون عامين على يد حزب كاديما اليميني- الوسطي ويكون الأمر أسهل نوعاً ما إلا أنه سيظل بالنسبة للفلسطينيين طريقاً شاقاً جداً. فاليسار السياسي صغير جداً. إذ ليس هناك من حزب وسطي أو حزب يساري- وسطي قوي (برغم وجود حزب العمال اليميني – الوسطي الضعيف، الذي سينضم الى الإئتلاف الجديد الحاكم، والذي يعتقد نفسه أحياناً بأنه حزب يساري – وسطي)، وسيكون على حزب كاديما القيام بتنازلات لشركائه في الإئتلاف، ثم لليمين المتشدد القوي في البرلمان، وبعدها للمستوطنين والمحافظين المتطرفين.
تقود حزب كاديما، وهو فرع من الليكود، وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني التي تدعو الى إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، بما في ذلك تبادل الأراضي، المؤدي الى قيام دولة فلسطينية. إلا أن كل من أوباما وليفني قد سبق وأوضحا في الماضي بأن الدولة الموجودة بتصورهما للفلسطينيين سوف تكون دولة ضعيفة للغاية، معتمدة بالكامل على البلدان العربية المحافظة وعلى الولايات المتحدة، وربما لن يُسمح لها حتى بأن يكون لديها قواتها الدفاعية الخاصة بها.
أما الآن، فحتى تلك العثرة تبدو كأنها مسافة طويلة على درب يشبه مسار وعر مليئ بالعقبات، إلا أن الشعب الفلسطيني قد بان عن نفسه وأظهر بأنه شعب مثابر الى أقصى حد في وجه العقبات العظيمة، ومهما كان هدفهم النهائي في النضال المقبل فإنهم قد يصلون إليه.
(*) Global Research ـ 1 حزيران/ يونيو 2011
" لقد شاهدتم العناوين الرئيسة في الأسابيع والأيام الماضية:
الثورات العربية، مقتل أسامة بن لادن، جهود واشنطن للإحتفاظ بالجيوش في أفغانستان والعراق خارج نطاق الإنسحاب، إعادة فتح مصر حدودها مع غزة، دور باكستان في الحرب الأفغانية، خطاب الرئيس أوباما حول الشرق الأوسط وإسرائيل، تصلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، تحرك وحدة فتح ـ حماس وتخطيطها للحصول على إعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية ت وهذا ليس كل شيء.
كل حدث من هذه الأحداث يظهر بصورة كبيرة ومغالى بها في وسائل الإعلام وفي النقاش السياسي المطروح، إلا أن كل حدث ما هو إلا جزء فقط من موزاييك أكبر بكثير من الأحداث التي تشكل عنصر الإستراتيجية الخارجية والعسكرية لإدارة أوباما للشرق الأوسط/ شمال أفريقيا ( MENA) وآسيا الوسطى.
عنصر الإستراتيجية هذا هو الأولوية الأولى بالنسبة لواشنطن لأن أي تدهور بارز بالهيمنة الأميركية في منطقة شمال أفريقيا ( MENA)، وفشل وإحباط طموحاتها في آسيا الوسطى ـ خاصة، مع إضعاف النفوذ الإقتصادي والسياسي في العالم – يمكن له أن يسرِّع في إنحدار أميركا كقطب "قائد" عالمي أوحد، ما يعني السطوة والهيمنة.
لقد ورثت الولايات المتحدة هذا المركز قبل عقدين بعد إنفجار الإتحاد السوفياتي والمعسكر السوفياتي وبالكاد هي مستعدة الآن للتنحي عن هذا المركز. فسياسة واشنطن المتبناة آنذاك، والتي لا تزال موجودة بالقوة اليوم، هي منع بزوغ أي منافس قوي أو قوة عسكرية قادرة، بكوامنها، على تقويض السيطرة الأميركية.
ليس هناك من بلد آخر يعمل على إختطاف السيادة والسيطرة العالمية، إلا أن عدداً من الدول ذات إقتصادات متطورة ونامية تفكر بأنه قد حان الوقت لبناء دولي جديد ذي قيادة متعددة الأقطاب.
إن مهمة إدارة أوباما المقدسة، كما كان الحال مع حكومات واشنطن السابقة، هي الحفاظ على الأرضية السياسية والجغرافية التي إكتسبتها الولايات المتحدة في الـ 66 عاماً منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما أصبحت قائدة النزاع الرأسمالي في الحرب الباردة العالمية ضد الشيوعية.
لقد إمتدت هذه الأرضية في فترة ما بعد الحرب الباردة، من خلال السيطرة الأميركية على المؤسسات الإقتصادية العالمية بشكل رئيس، الإستيعاب السياسي لدول أوروبا الشرقية التي كانت تدور في الفلك السوفياتي، القوة العسكرية الغير متساوية، وفي العقد الأخير من خلال " الحرب على الإرهاب" التي شنها الرئيس جورج دبليو بوش.
إستلم الرئيس باراك أوباما زمام السيطرة في العراق، من بوش وسع الحرب الأفغانية ومد القتال وصولاً الى غرب باكستان، اليمن والآن ليبيا. إضافة لذلك، يسعى أوباما للإحتفاظ بقوات عسكرية أميركية أصغر حجماً إنما أساسية وجوهرية في العراق وأفغانستان لسنوات تتخطى مواعيد الإنسحابات المتوقعة في وقت يدعم فيه الرأي العام إنسحاباً كاملاً.
كانت الولايات المتحدة تضع نصب عينيها الهيمنة على منطقة شمال أفريقيا بسبب موارد الطاقة الموجودة فيها على إمتداد 70 عاماً وإجتذبت عدداً من الدول الإقليمية كالعربية السعودية لتدور في فلكها قبل عقود مضت من الزمن. أما في السنوات الأخيرة، فقد إمتدت الهيمنة الأميركية على كامل المنطقة الممتدة بإستثناء إيران، المكتسب الذي عُلّق بسبب النكبة السياسية- العسكرية المفاجئة التي تسبب بها غزو العراق عام 2003.
في العقد الجاري، ومنذ هجمات 11/ 9، إمتدت يد واشنطن الإمبريالية لتصل ليصل الى داخل آسيا الوسطى عن طريق عرض قوتها العسكرية الرهيبة في أفغانستان، إحدى أفقر البلدان على وجه الأرض. كان الهدف الظاهري هو القبض على أسامة بن لادن وإلحاق الهزيمة بالقاعدة، المنظمة التي أسسها هذا الأخير في الثمانينات بدعم من باكستان، العربية السعودية والولايات المتحدة خلال الحرب الأهلية ضد حكومة تقدمية في كابول وحماتها من الجيش السوفياتي.
أصبح الغزو الأميركي لأفغانستان الذي يكلف 10 مليار دولار شهرياً بمثابة مأزق عسكري، إلا أن المغامرة أتاحت للولايات المتحدة، أيضاً، زرع علمها للمرة الأولى في منطقة آسيا الوسطى – تقدم جيوسياسي كبير ورئيس، كما سنشرح لاحقاً. فإدارة بوش كانت مدركة جيداً لهذه الحقيقة عندما إختارت شن حرب في أفغانستان بدلاً من نظم جهد سياسي دولي لإعتقال بن لادن.
ضمن سياق إستراتيجية شمال أفريقيا / آسيا الوسطى هذا، وفي الصورة الأوسع، تقع مسألة قتل بن لادن في 2 أيار من قبل SEALS ، فريق عمليات القتل في سلاح البحرية الأميركية في باكستان، كما هو الحال في حربيْ العراق وأفغانستان، تسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، الموقف الأميركي من الثورات العربية والعناوين الرئيسة الأخيرة المتعلقة بهذه المنطقة.
في السياسات الأميركية المحلية، ولّد إستئصال بن لادن تجديداً قصيراً بالثقة الوطنية بالنفس، كما عزز أوراق إعتماد أوباما بشأن" الأمن القومي"، ما أدى الى رفع نسب إستطلاعات الرأي العام التي يأمل البيت الأبيض أن تساهم في إنتصار إعادة إنتخاب أوباما العام المقبل.
الثورات العربية
أولاً وقبل كل شيء، البيت الأبيض مكرس الآن لتحييد، إنهاء أو الإستيلاء على الثورات التقدمية الحاصلة في هذه الشهور الأخيرة ضد الديكتاتوريات والحكومات الملكية القمعية على إمتداد العالم العربي.
لقد وسعت واشنطن دعمها ليمتد، تقريباً، الى كل هذه الأنظمة الرجعية لعقود عديدة، مقابل دورانها برضى وسرور في فلك الهيمنة الأميركية. أما الرئيس أوباما فقد وسع نطاق تبريكاته الخطابية المتأخرة للتوجه الديمقراطي الحاصل، لكن في الممارسة الفعلية كان كل ما فعله البيت الأبيض هو قيادة الناتو للدخول في حرب ظالمة لأجل تغيير النظام في ليبيا.
تدعم الحكومة الأميركية الديمقراطية إلا إذا أنتجت حكومة لا تستسيغها أو إذا ما أنكر البلد موضع البحث السلطة القضائية للعم سام أو عبَّر عن معارضته لسياسات أميركا. فالرئيس أوباما لا يريد فينزويللا أو بوليفيا أو برازيل أخرى تتجذر في منطقة شمال أفريقيا ( MENA) وهو يعمل لضمان ألا يحصل هذا الأمر، رغم أنها كلها كانت نتاج إنتخابات ديمقراطية.
يبدو بأن إدارة أوباما لم تعد قلقة بشأن الثورة الشعبية المصرية الناجحة لأنها جلبت تغييراً للنظام قد لا يُنتج إلا الشكل الديمقراطي فحسب، من دون المحتوى الكامل. فالحكومة الأميركية، التي دعمت وساعدت ومولت ديكتاتورية مبارك على مدى أكثر من 30 عاماً، تتنفس الصعداء لأن علاقاتها المستمرة مع القوات المسلحة القوية والنخبة الحاكمة تضمن، بشكل واضح، أن تبقى مصر الديمقراطية ضمن الحظيرة الإمبريالية. أما تونس التي بدأت النضال الشعبي ضد الطغيان، فيبدو أيضاً بأنها ظلت في معسكر واشنطن برغم أن الديكتاتور الذي حكمهم طويلاً والذي أرسلوه الى العربية السعودية كان مدعوماً من قبل الولايات المتحدة حتى النهاية.
بقاء الجيش في العراق وأفغانستان
إن إدارة أوباما متحمسة للحفاظ على قواعد عسكرية وبقاء آلاف الجنود في العراق، المفترض مغادرتهم في نهاية هذا العام، وفي أفغانستان، حيث يفترض بالولايات المتحدة الرحيل بنهاية العام ، 2014 بحسب الجدول الزمني. إن الرئيس أوباما يضع الآن ضغوطاً شديدة على بغداد وكابول لـ "طلب" وجود طويل الأمد للجيش والـ " المتعدين" الأميركيين بعد إنسحاب كتلة قوات الإحتلال.
لماذا بقاء الجيش الأميركي في العراق؟ لقد غزا بوش والمحافظون الجدد العراق عندما كانوا في البيت الأبيض، البلد الذي أعتبر خصماً يسهل التغلب عليه بعد 12 عاماً من العقوبات الأميركية-البريطانية- الأممية القاتلة، ليس فقط للسيطرة على نفطه وإنما كمقدمة لإسقاط النظام في إيران المجاورة، لتتوفر بذلك السيطرة الكاملة لواشنطن على موارد الخليج الفارسي الهائلة. وقد خربت مقاومة رجال العصابات العراقية المخطط، حتى الآن.
بذلك، تكون نهاية الحرب – إضافة الى تحميل دافعي الضرائب الأميركيين عدة تريليونات من الدولارات من رصيدهم في المصارف بالإضافة الى الفوائد المترتبة عليها على إمتداد العقود القليلة المقبلة- إستبدال عدو إيران الشيعية الرئيس، الذي كان نظام صدام حسين السني في بغداد حتى العام 2003، وحلول حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي الشيعية مكانه، وهو سياسي يركع عادة أمام لواشنطن لكنه صديق تماماً لطهران، كما هو حال الكثير من السياسيين العراقيين. ( يشكل الشيعة 65% تقريباً من تعداد السكان؛ بينما يشكل السنة 35 %.)
أعلن نوري المالكي في 16 أيار، " إن التعاون الأمني، العسكري، والسياسي بين إيران والعراق هو تعاون حيوي، وسوف نرى بالتأكيد توسع هذه العلاقات في هذه المجالات في المستقبل." أما خوف واشنطن الأكبر فهو أن يقوم المالكي في النهاية بالسخرية من العم سام وإزدرائه، وهذا سيكون عندما يقترب كل من العراق وإيران من بعضهما أكثر بكثير مما هو حاصل الآن – مشهد تعارضه الولايات المتحدة، إسرائيل والعربية السعودية بعمق.
بحسب ستراتفور، المصدر الإستخباراتي الخاص، في 26 نيسان : " عرضت الولايات المتحدة، بحسب ما قيل، ترك حوالي 20000 جندي في البلاد " بعد " إنسحابها" نهاية هذا العام. إضافة الى بقاء عدد كبير إنما غير محدد من " المتعهدين" – غالباً من المأجورين شبه العسكريين.
أكثر من ذلك، وبحسب تقرير لـ Inter Press Service في 9 أيار، " تزمع وزارة الخارجية الأميركية مضاعفة عدد موظفيها في العراق ليصبح عددهم 16000 موظف تقريباً والإعتماد بالكامل على المتعهدين بالنسبة للأمن." إذن إن العدد الكبير للموظفين لا يُصدق، كما لا يمكن تصديق الحجم الهائل للسفارة الأميركية الجديدة في المنطقة الخضراء في بغداد – المرفق الأكبر من نوعه في العالم أجمع.
ربما يكون العائق الأهم أمام الإحتفاظ بالجيش الأميركي في العراق ليس المالكي، الذي قد ينهار تحت الضغط المحلي أو الأميركي، وإنما محاربة رجل الدين مقتدى الصدر وجيشه المهدي، الذي قاتل الجيش الأميركي ذات مرة إلا أنه كان هادئاً في السنوات الأخيرة. فالصدر يهدد بإطلاق عنان جيشه لمحاربة أية قوة محتلة تبقى في البلد. وعند إتخاذه القرار ينبغي للمالكي أن يتذكر دوماً بأن الأصوات الناخبة لقوات الصدر هي التي ضمنت إنتصاره الإنتخابي. وتعرض الولايات المتحدة الى أن الصدر يفعل ما يفعله بطلب من إيران.
قالت واشنطن للمالكي بأن عليه إتخاذ قراره بحلول آب. وهناك الكثير من المناورات الجارية، وليس معروفاً الطريق الذي سيقرر إتخاذه.
لماذا إبقاء الجنود في أفغانستان؟
لدى إدارة أوباما أسباباً عديدة مختلفة في سعيها لإبقاء قوة قتالية مخفضة في أفغانستان، وهي تزيد من ضغوطاتها على مساعدها الرحالة في كابول، الرئيس حميد كرزاي، للتوقيع على " إعلان الشراكة الإستراتيجية" ما بعد 2014 والذي يشمل الجيش والقواعد الأميركية.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كلينتون قد ذكرت شيئاً غير مباشراً بهذا الخصوص عندما قالت، "إطار عمل طويل الأمد لأجل تعاوننا الثنائي" وذلك في خطابها في 18 شباط لـ " مجتمع آسيا " Asia Society)) : " لا ينبغي، بأي حال من الأحوال، فهم إلتزامنا الثابت علىأنه رغبة من قبل أميركا وحلفائنا لإحتلال أفغانستان ضد إرادة شعب هذا البلد. نحن لا نسعى لوجود أية قواعد عسكرية دائمة في بلادهم."
ترجمةً لهذا الكلام: أشارت كلينتون الى أن الولايات المتحدة كانت تسعى أولاً للحصول على موافقة ومصادقة الحكومة الأفغانية وبأن حاجتها للجيش والقواعد الأميركية لن تدوم للأبد.
إن واشنطن لا تنقصها الموارد بهذا الصدد. فهي ستبدأ بتشغيل 10 مليار دولار سنوياً – الأمر الذي لا يمكن لكابول تحمله – لتدفعها لحوالي 400000 جندي وشرطي أفغاني يخطط البنتاغون لكي يكونوا جاهزين بنهاية عام 2014. فالمال لا يمكن أن يأتي إلا من العم سام، والثمن المحتمل قد يكون تقبل " إلتزام أميركا الثابت".
بحسب رسالة رسمية مستعجلة لوكالة رويترز في 24 أيار، فإن " مسؤولاً أميركياً رفيعا،ً طلب عدم ذكر إسمه، أخبر وكالة الأخبار البريطانية: " هدفنا هو إنهاء الحرب في أفغانستان، إرجاع جنودنا الى الوطن، أن نخلف وراءنا قدرة كافية لإدارة عمليات مكافحة الإرهاب وتثبيت الدعم الضروري للقوات المحلية والدولة الأفغانية...هذا يبقى إلتزاماً أميركياً كبيراً على الأمد الطويل." وهنا بعض الأسباب لذلك:
1. كانت الولايات المتحدة تجري " محادثات سرية" مع حركة طالبان الإسلامية المحافظة بهدف التوصل الى إتفاق يجلب طالبان الى حكومة كابول وربما الى بعض المحافظات أيضاً، بظل سلطة الرئيس كرزاي. أما الهدف فهو إنهاء حرب - مأزق دامت 10 سنوات كانت ضد طالبان ومجموعات مقاتلة أخرى معارضة للغزو الأميركي وإعطاء الإنطباع بأنها حققت نصراً. إلا أن البيت الأبيض لا يثق بطالبان، أو كرزاي بالنسبة لتلك المسألة، ويريد أن " تكون قدماه على الأرض" عندما ترحل القوة الرئيسة عن البلاد.
2. إن باكستان المجاورة، الحيوية لإبقاء طالبان تحت السيطرة في أفغانستان وكخط نقل لإمدادات الحرب، بلد غير موثوق به، وبعمق، من قبل واشنطن، إلا أن مساعدة باكستان في المنطقة أمر مطلوب للتوصل الى إتفاق سلام. وبما أن إسلام آباد لا تثق هي الأخرى بالولايات المتحدة إلا أنها تقدر معوناتها المالية النقدية وهي بحاجة الى صديق عبارة عن قوة عظمى كحماية لها من خوفها المبالغ فيه ربما من العداوة الهندية، فإن هذه العلاقة تظل قابلة للحياة – إلا أن حكومة أوباما تريد أن يقوم الجيش الأميركي بتوجيه العملية على الأرض والقبام بغارات وغزوات محتملة في غرب باكستان.
كان هناك تقارير تقول بأن الولايات المتحدة شعرت بالغبن لإكتشافها بأن بن لادن كان مختبئاً في باكستان لسنوات. إلا أن التعاون سوف بستمر وقد لا يتم الكشف عن كامل التفاصيل لسنوات من قبل الجانبين، رغم أن كل منهما قد يكون يعلم كل شيئ عن دور الآخرفي هذه المسألة. ففي الوقت الذي يتعاونان فيه، كان كل من البلدين يتجسس على الآخر ويحتفظ لنفسه بالأسرار،وكان كل منهما يفضل أن تظل أدلته لنفسه ولا يشارك الجانب الآخر فيها.
3. الأهم من ذلك أن لا رغبة لدى الولايات المتحدة للإنسحاب تماماً من موطئ قدمها الوحيد في آسيا الوسطى، المتمركزة عسكرياً قريباً من عدويها الرئيسييْن اللذان يمتلكان أسلحة نووية ( الصين، روسيا)، وقريباً من قوتين نوويتين متفجرتين مدعومتين من قبل الولايات المتحدة إلا أنهما ليستا تحت سيطرتها تماماً بأي معنى من المعاني ( باكستان، الهند). كما أن هذه الجغرافية التصادفية تطوق حوض بحر قزوين الذي ينطوي على ثروة إستثنائية غير عادية من النفط والغاز الطبيعي كما أنها في خاصرة الجمهوريات الإسلامية السوفياتية السابقة المنعمة بهبة الطاقة كأوزبكستان وتركمنستان. أخيراً، إيران – الجائزة الإمبريالية المستقبلية المحتملة – وهي تقع بين العراق غرباً وأفغانستان شرقاً. وتريد الولايات المتحدة إبقاء جيشها قريباً في حال حدوث أي أمر طارئ.
إن موطئ قدم واشنطن في آسيا الوسطى هو كنز جيوسياسي محتمل، تحديداً في الوقت الذي يسعى فيه أوباما، كـ "بوش" من قبل، الى منع بيكين وموسكو من مد نفوذهما الى ما يعتبر بالفعل حديقتهما الخلفية ، وليس حديقة أميركا.
إن كلا الخصمين السابقين في الحرب الباردة حذرين، بالفعل، من نوايا واشنطن ويحاولان الوقوف حاجزاً أمام المناورات الأميركية من خلال " منظمة تعاون شانغهاي" ووسائل أخرى أيضاً، كتلميحات بيكين الأخيرة الداعمة والدافئة تجاه إسلام آباد المعترفة بالفضل والجميل. ففي حين دعمت الصين وروسيا الحرب الأميركية في أفغانستان، فإن كلاهما يعارض، وبقوة – مع باكستان والهند أيضاً من دون شك – مشهد الوجود العسكري الأميركي / الناتو في المنطقة.
كان البيت الأبيض يلوي ذراع حكومة كابول لتوقيع إتفاقية " وضع القوات" التي تسمح ببقاء فرقة عسكرية كبيرة نسبياً من الجنود، القوات الخاصة، عملاء الـ CIA، متعهدين شبه عسكريين، مدربين عسكريين، إلخ. – ربما ما بين 10000- 20000 يحتلون 6 قواعد عسكرية - في أفغانستان بعد تاريخ الإنسحاب المحدد بنهاية عام 2014. وقد يزعم الرئيس أوباما عندها بأن الأفغان طلبوا القوات لأجل الحفاظ على أمنهم. حتى الآن حكومة كرزاي صامدة، إلا أن الإتفاق النهائي أمر ممكن.
أقرب ما كان الرئيس أوباما من الإعتراف العلني بجهود الإنسحاب الجزئي هو في برنامج 60 دقيقة في 8 أيار بتعليقه المبهم قائلاً، " لسنا بحاجة لوجود آثار أقدام دائمة لنا من الحجم الذي لدينا إياه الآن."
إن المشكلة الرئيسة في الإحتفاظ بـ " آثار أقدام دائمة " أصغر حجماً هو في إصرار طالبان على إنسحاب كامل والتخلي عن كل القواعد الأميركية بالإضافة الى رحيل الجيش. وإلا فإنهم لن يوافقوا على الهدنة التي تعتبر ضرورية لتبرير إنسحاب أوباما " المشرِّف". يبدو بأن الإدارة الأميركية تنوي ضرب طالبان عسكرياً بقوة حتى توافق. في النهاية، قد تنتصر واشنطن عن طريق تقديمها أموالاً وسلطة سياسية وإدارية أكبر في الترتيبات الجديدة لطالبان. ربما قد يُعاد تسمية الجيش الأميركي هناك بـ " المتعهدين" ويكون بإمكان الولايات المتحدة نقل قواعدها الى كابول، التي ستؤجرها مرة أخرى للأميركيين.
أهمية فلسطين
قبل أن نأتي عر ذكر الصخب الصادر عن أوباما / نتانياهو في أواخر أيار، سنعرج قليلاً على سبب مركزية الوضع الفلسطيني بالنسبة لسياسة أميركا في شمال أفريقيا / آسيا الوسطى، ونشير الى سبب سعي الولايات المتحدة للتوصل الى حل الدولتين بالنسبة للمسألة الفلسطينية وسبب عدم سير الحكومة الإسرائيلية الحالية في هذا الطريق.
إن الولايات المتحدة ومعظم حلفائها الأوروبيين يعتبرون إسرائيل مركزاً أمامياً غربياً متقدماً سياسياً، عسكرياً وإستخباراتياً في منطقة من العالم مأهولة بالكامل تقريباً بالعرب المسلمين و ذات موارد إستراتيجية، متفجرة وغير "مستقرة" الآن. لذا فهم لن يسمحوا لإسرائيل بالفشل والهزيمة.
لقد أقنع نفوذ واشنطن كقوة عظمى معظم الحكومات العربية بإسكات المنتقدين لسوء المعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين، ( سوريا وليبيا كانتا إستثناء)، إلا أن الجماهير العربية لطالما دعمت قضية الشعب الفلسطيني وأدانت كل من إسرائيل ومفعَّلها ومؤهلها الأميركي. والآن وقد بدأت هذه الجماهير تتحدث عن نفسها فقد أصبحت المسألة الفلسطينية أكثر أهمية من السابق.
إن قمع الشعب الفلسطيني هو القضية الرئيسة لدى الناس ذوي المواقف المعادية لأميركا على إمتداد العالم الإسلامي البلغ تعداده حوالي 1.4 مليار إنسان، معظمهم هؤلاء في 47 بلد غالبيتهم من المسلمين. هذا العدد سيزداد ليصل الى 2 مليار بحلول عام 2030.
في هذا الوقت، تخوض الولايات المتحدة حروباً في خمس بلدان إسلامية، وتسعى لإغراء بضع بلدان غنية بالموارد في آسيا الوسطى في الوقت الذي تحتفظ فيه بأقمارها الإصطناعية العربية في منطقة شمال أفريقيا ( MENA). في هذه الأثناء، واشنطن على رأس إقتصاد رازح تحت اثقال الدين، قيادتها للعالم في إنحدار، كما أن بلداناً نامية عديدة، بقيادة الصين، تصعد وتسعى الى نظام عالمي أكثر عدالة وإنصافاً من الذي فرض عند نهاية الحرب العالمية الثانية عندما كان نصف الكرة الأرضية خاضعاً للقوى الإستعمارية والإمبريالية.
هناك شيئ ما ينبغي تقديمه، وهذا واضح – و" حل" الأزمة الفلسطينية بدولتين يبدو الطريقة الأسرع والأقل كلفة بالنسبة لواشنطن للفوز بموافقة خمس سكان العالم في وقت تفقد فيه " القيادة" الأميركية السلطة والنفوذ.
هناك قطاع واسع بعض الشيئ لدى الرأي العام الإسرائيلي يرى في حل الدولتين طريقاً للخروج من المأزق الفلسطيني المحير – إلا أن البلد في الوقت الحاضر في أيدي حكومة يمينية متشددة بقيادة حزب الليكود ورئاسة نتانياهو، ومتطرفي حزب إسرائيل بيتنا العنصرية والمناهضة للديمقراطية بقيادة أفيغدور ليبرمان، و حزب شاس الديني المتشدد. وسيقوم معظم متطرفي الجناح اليميني بأي شيئ ممكن لوقف أي إتفاق مع الفلسطينيين على أمل حدوث أمر ما – أي شيئ- في وقت ما يسمح لهم بضم الضفة الغربية، القدس الشرقية وغزة الى إسرائيل الكاملة.
إن المجتمع الديني المتشدد ( 10 %، لكنه يتنامى بسرعة)،المدعوم من مواطنين متدينين آخرين، ملتزم وملتصق بالخرافة التي تقول بأن الإله " أعطى" إسرائيل لليهود، وبأن العرب متطفلون ينبغي تهجيرهم الى مكان آخر. هناك العديد في حزب إسرائيل بيتنا يريدون رحيل العرب، إنما لأسباب قومية متشددة. ويبدو الليكود أقل تعصباً لكنهم يعتمدون على اليمين المتطرف للإحتفاظ بالسلطة.
" التل الخلدي" ( مرتفع صغير من الأرض يسببه حفرالخلد خلال تخندقه تحت الأرض)، كانت دعوة أوباما لإستئناف المحادثات بين الجانبين بناء على حدود عام 1967 مع "تبادل للأراضي متفق عليه ."
بالواقع، كان هذا هو الموقف الأميركي الأساسي قرابة عقدين من الزمن في المناقشات مع إسرائيل والمحادثات بين الجانبين. فإدارتيْ كلينتون وبوش 2 كانتا في خضم عملية إجراء إتفاقية عامة. فالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية موافقة عليها، كذلك حماس الآن في غزة، كما سبق ووافقت عليها حكومات إسرائيلية سابقة. لقد فهموا – كما عبر أوباما بوضوح للقائد الإسرائيلي- بأن "التبادل المتفق عليه للأراضي" سيكون جزءاً من إتفاق حدودي نهائي.
هذا يعني بأنه ينبغي إيجاد الأسلوب والطريقة للإسرائيليين للحصول على الكثير من الأراضي الفلسطينية حيث إستقر 500000 إسرائيلي بطريقة غير شرعية في مستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية مقابل تقديم بعضاً من أراضيها بالإضافة الى تنازلات أخرى. ستتم عملية تبادل للأراضي ليكون ممكناً وصل قسميْ فلسطين ببعضهما، وهذا طبيعي، حتى ولو كان ذلك مجرد ممر ضيق.
"الجبل"، كان سوء الفهم المقصود لنتانياهو حيث أنه نتيجة للمحادثات تم إبلاغ إسرائيل بالعودة الى حدود 1967، التي سماها الآن بأنها حدود " لا يمكن الدفاع عنها". أما ما كان ينقص تحريفه وتشويهه للكلام فهو الإدعاء بأن أوباما قد أضاف الآن تهديداً " وجودياً" إضافياً للأخطار المفرطة المحدقة بوجه إسرائيل، إلا أن كلامه كان يحمل معنىً ضمنياً بذلك. وقد ركز كل من الكونغرس والآيباك على حماية إسرائيل والركوع أمام نتانتياهو بخنوع وتذلل. وألقيت دعوة أوباما الحذرة والضعيفة لإجراء محادثات جانباً دونما إهتمام، كما كان قد خطط نتانياهو.
رحب مجلسيْ النواب والشيوخ – الديمقراطيون والجمهوريون، في عرض نادر للشراكة الحزبية-ترحيباً هائلاً زاخراً بالتصفيق الحاد. فقد كان الكونغرس أكثر تأييداً لإسرائيل حتى من البيت الأبيض على إمتداد العقود الماضية. ويعود السبب، جزئياً، الى الفعالية الملفتة لجماعات الضغط الموالية لإسرائيل في الحملات الإنتخابية ( اللوبي الإسرائيلي). ويدين بعض السياسيين بالفضل بما هم عليه للآيباك، وقد فقد البعض مهنتهم عندما تساءلوا علناً عن قدسية إسرائيل.
هناك جزء آخر ناشئ عن السلطة السياسية لملايين الإنجيليين والأصوليين المسيحيين الذين لا يتقبلون فحسب نظرية " إعطاء" الإله إسرائيل لليهود بل أنهم يؤمنون بالخرافة المسيحية التي تقول بأن على اليهود أن يكونوا مستحوذين على إسرائيل ( فلسطين) بالكامل قبل عودة يسوع المسيح الى الأرض " للإبتهاج".
1. رفض أوباما دعوة إسرائيل الى الكف عن بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية.
2. أغفل ذكر طلب إسرائيل غير الشرعي بضم كامل القدس.
3. لم يأت على ذكر وضع اللاجئين الفلسطينيين.
4. أصر على على قيام السلطة الفلسطينية بسحب طلبها بإنشاء الدولة الفلسطينية الذي سيناقش في الأمم المتحدة في أيلول، والذي يملك فرصة جيدة لجهة مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة عليه ( برغم تجنب فيتو حتمي لتصويت مجلس الأمن الدولي ).
5. عارض التحركات الوحدوية بين فتح / السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية و حماس في غزة.
إضافة لذلك، حاجج أوباما قائلاً بأنه لا ينبغي للفلسطينيين الإعتراف بوجود إسرائيل فحسب بل عليهم الإعتراف أيضاً بـ " إسرائيل كدولة يهودية وموطناً للشعب اليهودي." في عمليات التبادل الديبلوماسي الطبيعية يكون الإعتراف المتبادل كافياً، من دون كل هذه المحاولات الجاهدة المتوقعة من الفلسطينيين.
وبقدر ما الدولة والوطن هما موضع إهتمام الآن، فإن هناك أكثر من مليون فلسطيني يعيشون منذ العام 1948 ولأجيال عديدة قبل ذلك فيما يسمى الآن إسرائيل، إضافة الى اللاجئين المطالبين بـ " حق العودة" لم يتم التطرق الى أوضاعهم. هذه مسألة مطروحة للمفاوضات، وليست مسألة مصروف النظر فيها سلفاً عن طريق تحديد إسرائيل بهكذا تعريف ( ما يعني الدولة اليهودية).
سيتم التفاوض حول الكثير من المطالب من الجانبين – إلا أن الإلتزامات تتم بعد المفاوضات وليس قبلها. وهناك نقطة أخرى حول مسألة الإعتراف. فهناك الكثير مما يُقال عن حقيقة عدم " إعتراف" حماس بإسرائيل ( كذلك الأمر فتح، إلا أن هذا الأمر لا يذكر عادة). لكن، ووفقاً للقانون الدولي، فإن الإعتراف يكون بين دولتين، وليس بين حزب سياسي ودولة.
وحتى عندما ينهزم الإئتلاف اليميني المتشدد بقيادة نتانياهو في غضون عامين على يد حزب كاديما اليميني- الوسطي ويكون الأمر أسهل نوعاً ما إلا أنه سيظل بالنسبة للفلسطينيين طريقاً شاقاً جداً. فاليسار السياسي صغير جداً. إذ ليس هناك من حزب وسطي أو حزب يساري- وسطي قوي (برغم وجود حزب العمال اليميني – الوسطي الضعيف، الذي سينضم الى الإئتلاف الجديد الحاكم، والذي يعتقد نفسه أحياناً بأنه حزب يساري – وسطي)، وسيكون على حزب كاديما القيام بتنازلات لشركائه في الإئتلاف، ثم لليمين المتشدد القوي في البرلمان، وبعدها للمستوطنين والمحافظين المتطرفين.
تقود حزب كاديما، وهو فرع من الليكود، وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني التي تدعو الى إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، بما في ذلك تبادل الأراضي، المؤدي الى قيام دولة فلسطينية. إلا أن كل من أوباما وليفني قد سبق وأوضحا في الماضي بأن الدولة الموجودة بتصورهما للفلسطينيين سوف تكون دولة ضعيفة للغاية، معتمدة بالكامل على البلدان العربية المحافظة وعلى الولايات المتحدة، وربما لن يُسمح لها حتى بأن يكون لديها قواتها الدفاعية الخاصة بها.
أما الآن، فحتى تلك العثرة تبدو كأنها مسافة طويلة على درب يشبه مسار وعر مليئ بالعقبات، إلا أن الشعب الفلسطيني قد بان عن نفسه وأظهر بأنه شعب مثابر الى أقصى حد في وجه العقبات العظيمة، ومهما كان هدفهم النهائي في النضال المقبل فإنهم قد يصلون إليه.
(*) Global Research ـ 1 حزيران/ يونيو 2011
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018