ارشيف من :أخبار لبنانية

حين تتدحرج "حجارة الدومينو" في وزارة المال

 حين تتدحرج "حجارة الدومينو" في وزارة المال

عماد مرمل، السفير

لعل ما تشهده لجنة المال والموازنة النيابية، من نقاشات ساخنة وفضائح، هو كل ما تبقى من حيوية أو نبض في جسم هذه السلطة، بعدما تعطلت دورة المؤسسات الدستورية.

لكن هذا الحراك، وبقدر ما يشكل علامة إيجابية على مستوى ممارسة الرقابة البرلمانية، إلا انه ينطوي بالقدر ذاته على صدمة للكثيرين ممن اكتشفوا عالما سريا، كان يختبئ خلف جدران بعض المؤسسات الرسمية، ولا يملك مفاتيحه سوى بعض النافذين الذين أقاموا وزارات وإدارات رديفة، هي أقرب الى ان تكون «دولة داخل الدولة».

كان يكفي ان يقع «حجر الدومينو» الاول حتى تتدحرج باقي الحجارة، كما حصل في وزارة المال، حيث لا يكاد يُفتح ملف مسكون بأشباح الهدر والمخالفات، حتى يتفوق عليه ملف آخر أشد وطأة وأكثر سوءا، بحيث تراكمت الفضائح والارتكابات التي خرجت الى الضوء مؤخرا، لتكشف عن حالة مزمنة ومخيفة من التسيب والفلتان في إدارة المال العام.

ولعل الشهادة الخطيرة التي أدلى بها المدير العام لوزارة المال آلان بيفاني خلال الجلسة الاخيرة للجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة المال، كانت معبرة بما فيه الكفاية عن هذه الحقيقة الموجعة التي تبدو مفتوحة على الكثير من الفصول. وأهمية ما قاله بيفاني تكمن في انه صدر عن صاحب اختصاص، ليس جزءا من النكايات والكيديات السياسية، بل هو مدير عام محترف، عاصر مختلف الحقبات التي مرت بها الوزارة بعد العام ألفين، ويملك من الكفاءة والخبرة ما يمنح إفادته المصداقية المطلوبة.

وإذا كانت موازين القوى في وزارة المال بعد العام ألفين، لم تسمح لبيفاني بأن يكون شريكا حقيقيا في صناعة معادلاتها الإستراتيجية التي كانت ترسم في أحيان كثيرة خارجها، إلا ان ذلك لم يمنعه من ان يصبح «شاهد عيان» على الكثير من الممارسات والتجاوزات الفاقعة. وكان يكفي ان يخطئ أحد نواب «المستقبل» في مخاطبته، حتى يتدفق الماء المحبوس في فمه منذ سنوات، ليتبين ان شؤون الوزارة تدار منذ زمن عبر «الخط العسكري» الذي يتجاوز الاقنية الطبيعية، لصالح «خصخصة» العدّة والعديد، من خلال إنشاء فرق عمل ومستشارين وأجهزة موازية مثل «يو ان دي بي»، لا تخضع للتراتبية الادارية ولا ترتبط بجسم الوزارة، الامر الذي أدى الى ضياع المسؤولية والتسبب في خلل تنظيمي جعل الهرم.. مقلوبا.

وربما يجدر نصح فريق 14 آذار، وعلى رأسه» تيار المستقبل»، بأن يبدي قدرا أكبر من التماسك والهدوء في مواجهة المساءلة التي يتعرض لها حول طريقة إدارته لوزارة المال، منذ أن اصبحت مكتوبة باسمه، ذلك ان التوتر والتشنج اللذين يتسم بهما سلوكه يحرضان تلقائيا على إثارة الشبهات والتساؤلات، تماما كما جرى حين رفضت الوزيرة ريا الحسن أربع مرات التجاوب مع طلب السماح لبيفاني بأن يدلي بشهادته امام لجنة تقصي الحقائق، وحين وافقت أخيرا على حضوره اصطحبت معها 20 نائبا من تيــار المستقبل و20 موظفا من الوزارة، سعيا الى تحصين خطوطها الدفاعية، علما ان عدد أعضاء اللجنة أنفسهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

ويبدو ان الاكثرية الجديدة، وفي طليعتها «التيار الوطني الحر»، مصممة على المزيد من التوغل في «الربع الخالي» لوزارة المال، بعدما اكتشفت العديد من نقاط الضعف في جسم خصمها، علما ان أوساط التيار تصر على تأكيد عدم الرغبة في الانزلاق الى أي نوع من أنواع التسييس للدور الذي تؤديه لجنة المال لا سيما أن الوقائع الدامغة التي تدين الفريق الآخر لا تستوجب اللجوء الى التسييس، بل هي تتكلم وحدها من دون حاجة الى ممارسة الكيدية.
وقبل ان تكون ريا الحسن قد التقطت أنفاسها بعد إفادة بيفاني، يستعد نواب تكتل «التغيير والاصلاح» لمساءلتها، خلال اجتماع لجنة المال اليوم، بتهمة مخالفتها للمادة 88 من الدستور التي تنص على ان أي ضرائب او نفقات لا تجوز إلا بموجب قانون، بعدما خصصت مبالغ لدعم سعر المحروقات لسيارات السائقين العموميين من دون التقيد بأحكام هذه المادة، بما يتجاوز مجلس النواب، ويخالف الحدود والصلاحيات المتاحة لها في حكومة تصريف الاعمال، كما تؤكد مصادر في التكتل.

ويأتي تحريك هذا الموضوع بناء على كتاب وجهه وزير الطاقة جبران باسيل الى اللجنة وطلب إدراجه على جدول أعمالها، معتبرا ان الحسن ارتكبت من خلال قرارها مخالفة فاضحة، فيما تردد ان نوابا في «التيار الحر» يتجهون خلال الاجتماع الى المطالبة بإحالة الحسن امام المحكمة العليا لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وفي إطار السعي الى تحقيق «توازن الرعب» تلقت رئاسة لجنة المال طلبا كذلك من نواب في «المستقبل» لمساءلة وزير الاتصالات شربل نحاس بشأن ما يعتبرون انه مخالفات مالية ارتكبها، خلال توليه هذه الحقيبة.

وتوحي كل هذه المؤشرات بأن الاشتباك المالي بين فريقي الانقسام السياسي في البلد مرشح لمزيد من التصعيد، مع ما يتيحه ذلك من فرصة امام اللبنانيين لاكتشاف دفعة جديدة من الحقائق المخفية، التي كادت تطمس في لحظة، لو ان مفاوضات الـ«سين- سين» نجحت في الوصول الى نهاية سعيدة لبقاء سعد الحريري رئيسا للحكومة.

في تلك الايام، أُدرج الشأن المالي ضمن السلة المتكاملة لإنهاء الأزمة، وكان مشروع التسوية المتداول آنذاك يتضمن بندا يلحظ تسوية لقطع الحساب، على اساس عفا الله عما مضى، ولكن العماد ميشال عون رفض هذا الطرح، وأصر على التدقيق في ملابسات المرحلة الماضية. كان عون يستكمل ما قاله ذات مرة لمسؤول خليجي نصحه بأن يتعامل بواقعية مع مسألة الفساد والهدر، «لانه لا يوجد بلد عربي تجري فيه المساءلة والمحاسبة». نظر الجنرال الى ضيفه، وأجابه: بلادكم غنية، ووحده الفارق في اسعار النفط الذي تملكونه يساوي الاموال المهدورة التي نطالب بها.. أما بالنسبة الينا، فنحن لا نريد رأس سعد الحريري.. فقط نريد ان تستعيد الدولة حقوقها لأنها لا تحتمل التفريط بها.

2011-06-14