ارشيف من :أخبار لبنانية

"الحريرية" ليست قدراً

"الحريرية" ليست قدراً

جورج كعدي - صحيفة "البناء"

أثبتت الولادة ـ وإن القيصرية ـ للحكومة اللبنانية الجديدة أن "الحريرية" السياسية والمالية التي طال حكمها واستفحل ليست قدراً محتوماً لهذا البلد المسكين والمنكوب، لبنان، وأنه يستطيع العيش والاستمرار وربما النهوض غداً من دونها، أي من دون فزّاعة "أنا... أو من بعدي الخراب"، ومن دون ادعاء أحادية التمثيل لطائفة رئيس الحكومة وحجم الزعامة "الذي لا يُضاهى" والارتباط المالي والاستثماري بالشخص، إلى ما هنالك من مزاعم وادعاءات واحتكارات وتهويلات سقطت إن شاء الله إلى غير رجعة، فالسرايا يمكنها أن تحتضن طاقات وإمكانات وزعامات أخرى ولن ينهار صرحها المعنوي لو سكنها رئيس حكومة من غير آل الحريري أو آل السنيورة، ويستحقّ نجيب ميقاتي ورجال آخرون بارزون في الطائفة السنية أن ينالوا فرصة الحكم وإظهار ما يسعهم تقديمه إلى البلاد والعباد إنماءً وتطويراً وتحقيقاً لمطالب الناس وحماية للوطن من أعدائه المتآمرين والمعتدين وفي مقدّمهم الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل".

أما الحكم المغرض والموتور والمسبق على النوايا فمن "شيم" المترّبصين شراً بالبلد والخاسرين مخطّط الاستئثار "الأبدي" بالحكم وإحكام القبضة وحَرْف لبنان عن خطّه المقاوم والممانع لحساب مشاريع الاستسلام المعدّة للمنطقة أميركياً و"إسرائيلياً".

إذن، ليست "الحريرية" قدراً للبنان ولم تعد مجدية تلك الطاووسية المتعالية التي حكمتنا قرابة عقدين من الزمن غرق خلالهما البلد في الديون الهائلة والمآسي الاجتماعية والمعيشية، وانعدم فيهما الإنماء المتوازن للمناطق البعيدة والمحرومة تاريخياً، وتركّزت الرساميل في بقع محدودة من العاصمة حيث تقطن قلّة رأسمالية ميسورة شريكة في التهام "جبنة" السلطة والمشاريع والاحتكارات التجارية، وحيث الفنادق الفاخرة التي لا يحلم الفقراء بدخولها أو الوسط التجاري الذي لا يسع المواطن العادي إلا التفرّج على واجهاته المزينة ومحتوياته الغالية الأسعار فيسيل لها لعابه وليست البتّة في متناول حالته الضيقة! لبنان في زمن "الحريرية" السياسية والمالية إمارة خليجية للأثرياء والمتمولين فقط... وليأكل الشعب البسكوت بحسب ماري أنطوانيت السنيورة أو سيّده السعودي، لا فرق، فقد بلغت الانفلاشة الطاووسية مبلغاً مع تلك الفئة المستبدّة التي ظنّت أن الحكم باقٍ لها دائماً وأبداً وأن لا أحد سواها سيلج مدخل السرايا ويجلس على كرسي الرئاسة!

اليوم وقد انهارت أحلام "الحريرية السياسية" وأوهامها وخرجت مهزومة من الحكم وحرمت الاستمرار في الفساد والاحتكار والرشوة الانتخابية والانخراط التام في المشروع الأميركي المهزوم والمنكفئ، لا بدّ في المقابل من التمني على الرئيس نجيب ميقاتي وحكومته وداعميهما أن ينقلوا البلد من حال إلى حال، وأن يكونوا إلى جانب الشعب ومطالبه الحياتية الكثيرة والملحّة، وأن يعزّزوا الأفعال على حساب الأقوال، وأن يعدّلوا فوراً في نهج السلطة المتباطئة والمتلكّئة والعقيمة نحو نهج تحكمه الدينامية وسرعة إقرار المشاريع وتنفيذها، وأن تُدرج بنود حيوية وكبيرة على جدول أعمال الجلسات الحكومية لا أن تكون البنود بالعشرات والمئات من النوع الهزيل والسخيف الذي لا يلبّي حاجات المواطنين الطارئة والمنتظِرة منذ عقود.

ليكن عمل الحكومة عصرياً وعلمياً متقدماً، كما في سائر المجتمعات المتقدمة التي تمارس براغماتية الحكم، وليكن الإنجاز الطاغي إنمائياً ومعيشياً بامتياز، ولتلبّ مطالب الفقراء والمحرومين والمحتاجين والمهمّشين، ولتعزز الزراعة والصناعة والسياحة، ولينتقل لبنان من حال إلى حال ويلمس المواطن، إن المقيم أو المهاجر، تحسناً وتقدماً وتطوراً وانفراجاً... عندئذ تكسب الحكومة ورئيسها الرهان الحقيقي، ويسجل لها التاريخ هذا المكسب والدور الوطني، وتدفن "الحريرية السياسية" مرة واحدة ونهائية إلى الأبد.


2011-06-16