ارشيف من :أخبار لبنانية

المحكمة: نصف في القرارات الدوليّة ونـصف في الاستقرار

المحكمة: نصف في القرارات الدوليّة ونـصف في الاستقرار
نقولا ناصيف -الاخبار

بعد انقضاء التأليف يتوقع الرئيس نجيب ميقاتي وقتاً قصيراً لإعداد البيان الوزاري توطئة لنيل حكومته الثقة. لا أشواك حقيقية في طريقه: تمسّك بالقرارات الدولية وأخصّها القرار 1701، والاستقرار أولوية. أما المحكمة الدولية، فنصفها في تلك والنصف الآخر في ذاك.

في الجلسة الأولى للجنة صوغ البيان الوزاري، عرض رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تصوّراً أولياً له، وتقرّرت العودة إلى اجتماع ثان الثلثاء بعد أن يكون قد أعاد صوغ تصوّره لمباشرة مناقشته. لا يطرح البيان الوزاري أمام حكومة ميقاتي عقبات تحتاج إلى أوسع توافق عليه، على غرار البيانين الوزاريين لحكومتي سلفيه الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري اللذين جبها البند الأكثر التباساً وإثارة للجدل والانقسام، وهو سلاح المقاومة، بين فريقين كانا يكوّنان حكومتي الوحدة الوطنية عامي 2008 و2009، وكان هذا الموضوع في صلب التناقض الحاد غير القابل للحلّ بينهما.

إلا أن حكومة ميقاتي-وقد أمست تمثّل الغالبية النيابية وستحوز الثقة بأصواتها فقط ـ لا تبدو موهومة بتعذّر إخراج معادلة تتوئم موقفها من سلاح حزب الله بموقفها من التزام القرارات الدولية، وتستند إلى معطيات منها:
1 ـ لا ترى مبرّراً لافتعال ضجّة حيال الموقف من القرارات الدولية، ولاسيما منها القرار 1701، ما دام القرار الآخر 1559 ـــ وإن بات في صلب القرار 1701 -صار منسياً لا يُؤتى على ذكره في الداخل، ولا يتذكره أحد في الخارج إلا مرتين في السنة عند وضع التقريرين نصف السنويين عنه تمهيداً لرفعه إلى مجلس الأمن. لم يتضمّنه البيانان الوزاريان لحكومتي السنيورة (2008) والحريري (2009)، ولن تأتي حكومة ميقاتي على ذكره بدورها. أما القرار 1701، فلم تشر قوى 8 آذار، ولا حزب الله، إلى تحفظهما عنه، أو أبديا استعداداً لتجاوزه رغم اعتقادهما بأن القرار لم يطبّق تماماً بعد، ولا كاملاً، ولم يوقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية.

بيد أن المهم في تأكيد حكومة ميقاتي التزام القرار 1701، واحترام أحكامه ومهمة القوة الدولية في الجنوب وتعاونها مع الجيش اللبناني، أن لا أحد يخوض في الوقت الحاضر، سراً وعلناً، في تعديل القرار وإعادة النظر في قواعد الاشتباك على نحو ما أثارته في أوقات متفاوتة، قبل أشهر، بعض الدول المشاركة في القوة الدولية وكذلك إسرائيل، ورفض لبنان الدخول في أي بحث يتوخى تعديل قواعد الاشتباك التي تتطلّب أساساً موافقة الحكومة اللبنانية.

لم تتحمّس حكومة الحريري للبحث في تعديل قواعد الاشتباك، ولا تبدو حكومة ميقاتي أكثر تساهلاً. والواضح أن الصيغة الحالية للقرار 1701 باتت الأكثر ملاءمة لكل الأفرقاء المعنيين مباشرة أو على نحو غير مباشر بتطبيقه. فهو يضمن الخط الأزرق مع إسرائيل، ويصرف النظر عن الضجيج المحيط بمزارع شبعا، ويعزّز دور الجيش اللبناني في الجنوب، ويجعل حزب الله شريكاً سياسياً في السهر على احترام القرار وتبادل التنسيق مع الجنود الدوليين من دون أن يلغي دور المقاومة تماماً. الأصحّ أنه يجمّد هذا الدور ويحيله ورقة يُهوّل بها حزب الله، من غير أن يستخدم السلاح حقاً ما دام الأفرقاء جميعاً يلتزمون تنفيذ القرار.

بل ما يطمئن الحزب ــ وهو العمود الفقري للغالبية النيابية والأكثرية المطلقة في حكومة ميقاتي- أن لا أحد يبحث في زيادة عدد القوة الدولية في الجنوب وعتادها وتطوير مهمتها، وكلها يشترط موافقة الحكومة اللبنانية. وفي ظلّ حكومة الغالبية الحالية، من المستبعد مجاراة لبنان أي فريق دولي يطمح إلى إعادة النظر في قواعد الاشتباك التي يرعاها القرار 1701. ومنذ أن صدر في ظلّ الحكومة الأولى للسنيورة في آب 2006، ولم يكن الوزراء الشيعة الخمسة قد استقالوا منها بعد، يؤكد حزب الله احترامه القرار من ضمن أحكامه التي لا تزال نافذة مذذاك.

2 ـ لا تقارب حكومة ميقاتي الموقف من المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري بالطريقة التي يتوقعها منها خصومها في قوى 14 آذار، وخصوصاً لجهة ترجيحهم معارضتها المحكمة والدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي. بل تنظر إليها الحكومة الجديدة ببساطة غير مربكة. ستؤكد تمسّكها بالقرارات الدولية انسجاماً مع احترام لبنان تعهّداته كجزء لا يتجزأ من المجتمع الدولي، من غير أن يخوض البيان الوزاري مباشرة في المحكمة، أو يُطريها أو ينقلب عليها حتى. وهو سيتعاطى معها على أنها في صلب القرارات الدولية ما دام القرار 1757 المتعلق بإنشاء المحكمة، شأن التزام سائر القرارات، يمثّل تعاون لبنان مع المجتمع الدولي. على نحو كهذا، من غير المستبعد تجاهل البيان الوزاري المحكمة.

3 ـ يركز البيان الوزاري على الاستقرار والوحدة الوطنية، ويُوليهما الأولوية في عمل حكومة ميقاتي. والواقع أنها ـــ كما رئيسها ـــ تنظر إلى حماية سلاح المقاومة على أنه أحد المقوّمات الرئيسية للاستقرار. وهو الدافع الأساسي الذي يحمل الحكومة الجديدة على الاقتداء بتجربتي حكومتي السنيورة والحريري باعتماد معادلة «حقّ لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير...».

ومع أن حكومة ميقاتي ستحاذر وضع الاستقرار وجهاً لوجه مع العدالة حيال ما يمكن أن يفضي إليه القرار الاتهامي للمحكمة، فإن صوغها التزام القرارات الدولية بما هو عنصر استقرار جوهري في علاقة لبنان بالمجتمع الدولي، يوازيه تمسّكها بالاستقرار الداخلي بتأكيدها الضمني أنها ستحول دون أي محاولة لتقويضه. وهي، بهذه المعادلة، تدين لرئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط السبّاق إلى إطلاقها على دفعتين: أولى قبل أن يُفاضل لأول مرة ــ وكان لا يزال في قوى 14 آذار ــ بين الحقيقة والعدالة ويختار الأولى. وثانية عندما شكك تدريجاً في المحكمة قبل أن يستكمل انتقاله من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار، وقبل أن يتصالح مع سوريا، وطبعاً قبل أن يقلب الغالبية النيابية من فريق إلى آخر.

كان الزعيم الدرزي أول مَن كسرَ لعبة كان من صانعيها عندما فكك حُرم المحكمة، حينما طعن في صدقيتها، ثم عندما تحدّث عن تسييسها، ثم عندما ربط بين المحكمة وتقويض الاستقرار، وخلص إلى أولوية الاستقرار على المحكمة والعدالة معاً.

هكذا تذهب حكومة ميقاتي على الأرجح.

2011-06-18