ارشيف من :أخبار لبنانية
لماذا التشكيك بمبادرة بري الدستورية ـ الميثاقية؟
احمد زين - صحيفة السفير
ثمّن رئيس «كتلة الإصلاح والتغيير» العماد ميشال عون «الجهد الذي بذله رئيس المجلس النيابي نبيه بري لتشكيل الحكومة وتضحيته بمقعد وزاري يعود إليه» ولكنه «تحفظ على مثل هذه التنازلات في المستقبل».
وقدّر رئيس لجنة الإدارة العدل والنيابية روبير غانم عالياً «تنازل رئيس المجلس عن حصته وحصة طائفته لصالح إنقاذ تشكيل الحكومة التي لولاها لما أبصرت النور» ولكنه اعتبر «ان حسن النية والتضحية يجب ألا يكونا على حساب دستور الطائف» وقال «إن هذا ما يحملني على السعي إلى إيجاد آلية قانونية تعتبر هذا التنازل استثنائيا ولمرة واحدة».
في الدستور أولاً، لا وجود لنص صريح يقضي بوجوب او منع اللجوء إلى ان يكون عدد الوزراء من مذهب معين أقل أو أكثر من عدد وزراء مذهب آخر. وهذا لم يحصل لان المشترع لم يفطن إلى هذا الأمر لانه لو كان هذا الاعتقاد صحيحاً لما فطن إلى ما جاء في المادة 24 ـ دستور حول التوزيع الطائفي للمقاعد النيابية فقال بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين في عدد المقاعد.
وفي النص الدستوري فقرتان يمكن ان تفيدا في رد «التهمة» هما ما جاء في الفقرة ـ ي ـ من مقدمة الدستور بنصها على ان «لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». والفقرة ـ أـ من المادة 95 ـ دستور بنصها على «تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة». ولا يخفى على احد وفي مقدمتهم النواب ان الميثاق الوطني او ميثاق العيش المشترك الذي تبلورت مفاهيمه سنة 1943 هو ميثاق بين الطائفتين المسيحية والإسلامية بكل مذاهبهما وليس بين مذهب ومذهب ان من الطائفة ذاتها وإن من هذه الطائفة او تلك. وما اقدم عليه الرئيس بري لم يمس تلك المعادلة لا من قريب ولا من بعيد إذ بقي عدد الوزراء من كل طائفة مساوياً لعدد وزراء الطائفة الاخرى. ومن يقل بأن الميثاق الوطني والعيش المشترك جاءا بمعادلة بين المذاهب فعليه ان يدل إلى ذلك.
والأهم في هذا المجال ان «العيش المشترك» و«الميثاق» لم يولدا مع اتفاق الطائف فقد سبقاه بعقود زمنية عديدة حتى يمكن القول ان الطائف قد جاء لتثبيتهما عبر نصوص تحدد آليات احترامهما ولم يأت بمعادلات جديدة تعدل مفهومهما وفلسفتهما.
لهذا فإن النظرة إلى «العيش المشترك» و«الميثاق» قبل الطائف وبعده ومنذ سنة 1943 تحديداً وحتى اليوم تبقى واحدة برغم أن أدوات النظرة أصبحت بعد الطائف محكومة بأمرين هما: تعدد الوسائل التي يمكن استعمالها لاكتشاف المضمون وفي الوقت نفسه تضييق آفاق الاجتهاد في المضمون بفعل التفاصيل التي وضعها الطائف في إطار فهمه لـ«العيش المشترك» و«الميثاق» والتي انتقلت إلى صلب الأحكام الدستورية.
لذلك يصبح التساؤل مشروعاً، لقد تشكلت حكومات كثيرة قبل الطائف لم يكن التوازن بين الشيعة والسنة والموارنة فيها محترماً حتى ان من بين تلك الحكومات من تجاهل تمثيل الشيعة ولو بوزير واحد، فلماذا لم يفتش من يتمسك بـ«الميثاق» و«العيش المشترك» في تلك المرحلة على آلية قانونية لاعتبار ما كان حاصلاً استثنائيا ما دام «الميثاق» و«العيش المشترك» هو ذاته كما اليوم؟
أما النص الوارد في المادة 95 ـ دستور فلم يشر إلى المعادلة بين المذاهب في تشكيل الحكومة بل إلى عدالة التمثيل بين الطوائف. والسنة ليست طائفة كما ان الشيعة ليست طائفة انما هما مذهبان من طائفة واحدة هي الإسلام مع التذكير ان ما جاء في المادة 95 عن «عدالة التمثيل» لم يأت به الطائف فهو ومنذ صدور الدستور اللبناني سنة 1926 كان موجوداً.
أما الاستناد إلى العرف لجعله مبرراً للتحفظ على ما اقدم عليه الرئيس بري او للتبرع بالتفتيش عن آلية قانونية لاعتبار التنازل عن مقعد وزاري استثنائيا ولمرة واحدة، فهو غير واقعي لأسباب كثيرة. فالحالة الاستثنائية التي سيتم اكتشافها لتبرير التنازل الذي حصل يمكن أن تنشأ في أي وقت. كما انه لو سلمنا جدلاً ان العرف قد تكرر لمدة طويلة كافية للاستناد إليه فإن نشوءه، خصوصاً إذا ما جاء على حساب نص من النصوص الدستورية ومفاهيمها، لا يبقى ثابتاً في قوته عند تحريك ضرورة الالتزام بالنص.
وفي مطلق الأحوال فإن صيغة 7 إلى 5 في تشكيل الحكومة الحالية لم ترتب مضاعفات على باقي الطوائف والمذاهب. فمثل تلك المضاعفات في حال وجودها يمكن ان تنشأ عن إحداث خلل في معادلة المساواة بين الطوائف على اعتبار ان النص الدستوري قال بتمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الحكومات.
والسؤال هنا: لماذا أقدم الرئيس بري على ما أقدم عليه؟
لا يمكن لأحد ان يعتقد ان الرئيس بري يستهين بتمثيل ما ينتمي إليه دينياً في مؤسسات الدولة الدستورية ولا بحجم هذا التمثيل لا بل يمكن القول انه من أشد الحريصين على ذلك ولكن الرئيس بري رأى في هذه اللحظة التي أجمع الكل على خطورتها ضرورة ان يرتقي الجميع إلى درجة المواطنية اللبنانية وأن الفرصة سانحة لتقديم مثال عملي على ما ينادي به لجهة ان تنشد الطوائف والمذاهب حقوقها من مصلحة الوطن والدولة لا ان تخضع الدولة والوطن إلى مصالح الطوائف، فقدم النموذج العملي ليؤكد الآن وغداً أن ما أقدم عليه جاء لخدمة المصلحة الوطنية التي تخدم الجميع بما فيهم مصلحة طائفته.
بهذا المعنى، لا يمكن تفسير بعض ردات الفعل السلبية أو الخجولة على صيغة 7 إلى 5 إلا كعملية استباقية هادفة إلى صيانة الطائفية السياسية من أي اختراق يمكن أن يمسها لان في ذلك إمكان كسر «حرمتها المقدسة» أولا بأول وتكون بذلك الخطوة العملية الأولى على طريق العمل لإلغاء الطائفية السياسية التي حدد الدستور الجديد آليتها وفق المادة 95.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018