ارشيف من :أخبار عالمية

فيلتمان وهندسة ظروف إنضاج الحوار

فيلتمان وهندسة ظروف إنضاج الحوار

المنامة ـ محمد البحراني

منذ بدء الأزمة في البحرين كان ولي عهد البحرين سلمان بن حمد عراب الحوار الذي دعا له الملك أو بكلام آخر الحوار الذي دعا له المدعو جيفري فيلتمان!شقت دعوة الحوار طريقها بصعوبة إلى الجمعيات المعارضة وخصوصاً أنه لم يكن يتسم بالجدية مع بداية ثورة فبراير، ما استدعى من ولي العهد بذل جهود كبيرة لتسويق مواقفه التي تحمل في ظاهرها الحوار وفي باطنها التسويف والالتفاف على المطالب التي من أجلها قامت الثورة.

وبما أن النقاط المطروحة على طاولة الحوار المزعوم لم تكن تلبي مطالب المعارضة، استمر تدفق الالاف إلى دوار اللؤلؤة مؤكدين إصرارهم على التغيير وبشكل حازم، فتدخلت واشنطن وحضر فيلتمان لتزخيم الحوار واعطائه دفعاً معنوياً بنكهة إسرائيلية هذه المرة عبر طرح كل شيء على طاولة الحوار، وهو مبدأ لطالما اعتمده الاحتلال الاسرائيلي خلال مفاوضاته مع السلطة الفلسطينية منذ مفاوضات اوسلو حتى يومنا هذا، وفي نهاية المطاف يجد المفاوض الفلسطيني نفسه يراوح في مكانه من دون احراز اي تقدم، وأنه غارق في لعبة تضييع الوقت والمماطلة والتسويف. وقد نجح فيلتمان في اقناع المعارضة بالحوار بعدما أضفى عليه هذه اللمسة المشبوهة التي تتلخص بأن كل شيء مطروح على مائدة الحوار والحصيلة السراب.

وما إن وافقت الجمعيات على المشاركة في الحوار حتى استؤنفت الأوامر بسحق كل من نزل إلى الشارع للتعبير عن الرغبة في التغيير وغابت واشنطن وولي العهد عن السمع بانتظار الاجهاز على التحرك الشعبي الذي حظي بضوء أخضر جديد خلال زيارة وزير الحرب الاميركي روبرت غيتس إلى المنامة، ولكن ثمة سؤال يطرح نفسه بقوة لماذا التسويق الأميركي لولي العهد؟

لا يخفى على أحد ما لولي العهد من حظوة لدى البيت الابيض، فهو يتمسك به لأنه قدم على طريقة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك ومن قبله سلفه انور السادات وغيرهما فروض الولاء والطاعة من خلال الاعتراف بـ"اسرائيل"، وقد نقلت صحيفة الـ" واشنطن بوست" في تموز/ يوليو عام الفين وتسعة كلاماً لولي العهد قال فيه " إن أهم أخطاء العرب في ما يتعلق بالسلام هو افتراضهم أنه أمر سهل، رغم أن الواقع يثبت أنه يتطلب قدراً كبيراً من الدعاية المتأنية والاتصال المتكرر بجميع الأطراف المعنية". مضيفا أن هذا هو المجال الذي "لم نقم فيه نحن كعرب بما يكفي للاتصال المباشر مع شعب إسرائيل"! وتابع معرباً عن رغبته العارمة في تحقيق ذلك والسير نحو السلام مع "اسرائيل" والعمل على تقريب الفجوة بينها وبين شعوب المنطقة". وقال أيضاً "لكن ذلك لن يتحقق ما لم نتحرك باتجاه السلام الحقيقي فوراً عبر التشاور مع شعوبنا وتثقيفهم، وعبر التواصل مع الشعب الإسرائيلي لتسليط الضوء على مزايا وفوائد السلام الحقيقي"، مقترحا "ان يكون ذلك التواصل عبر وسائل الاعلام الاسرائيلية"!

لقد شكلت هذه المواقف وغيرها من الأفعال والهرولة نحو الاعتراف بـ"اسرائيل" احدى مراحل استيفاء صك الغفران الأميركي ـ الاسرائيلي لضمان بقاء سلمان بن حمد في السلطة في وسط مضطرب قائم على التهميش والإقصاء. وكان الأخير قد سبق اخوته وبني عمومته في التجرؤ على الخوض في هذا الموضوع وعلى نحو صريح وتجاوز أيضاً ما يقوم به بعض جيرانه من ممارسات مشابهة حتى وصل به الامر إلى لوم "العرب قاطبة لأنهم لم يطمئنوا الصهاينة ويثبتوا لهم سلامة نيتهم!!!

أليس هذا كافيا كي يفوز سلمان بن حمد بالحظوة المباركة الاميركية ـ الصهيونية؟ إن الاجابة عن هذا التساؤل تبدو سهلة وتفترض أن تُسخّر له واشنطن كل الامكانيات لدعمه وتوفير النجاح له كونه ممثلاً لها ولمصالحها، وهو بمثابة معتمد سامٍ أمريكي في البحرين يرعى مصالحها هناك، وهذا يؤدي إلى نتيجة أخرى تطرح أكثر من علامة استفهام حول رغبة الملك في إبقاء الحوار في عهدة رئيس مجلس النواب البحريني خليفة الظهراني الذي يُروّج له على أنه على خلاف مع ولي العهد، وفي هذا الطرح تسخيف للعقول التي تدرك طبيعة العلاقة التي تربط واشنطن بالبحرين القائمة على السمع والطاعة.

إذ إن إبعاد ولي العهد عن الحوار، لا يعدو كونه صوَرياً، وقد يكون أحد السبل لتشتيت الموقف الشعبي وإدخاله في متاهة المواقف المتناقضة، ومحاولة واضحة لصون ورقة ولي العهد والحيلولة دون احراقها في تفاصيل حوار يبدو أنه لن يكون جدياً أو منصفاً بعد احتراق اوراق كلّ من رئيس الوزراء والملك، وهذا يقتضي من الادارة الامريكية الإبقاء على سلمان بن حمد كورقة رابحة لاستخدامها في الوقت المناسب لتسويق ما يريده البيت الابيض من سياسات ومصالح له في الجزيرة الخليجية.

2011-06-22