ارشيف من :أخبار لبنانية

عبدو سعد يطرح خيار النسبية على أساس الدائرة الواحدة

عبدو سعد يطرح خيار النسبية على أساس الدائرة الواحدة
كلير شكر، السفير

يدفع اللبنانبون أثمان قوانين انتخابية ما تزال على مدى خمسة عقود تدور في فلك قانون العام 1960. عمليا يعرضون بلدهم على خشبة مزاد علني: من يدفع أكثر في الداخل من أمواله أو بأموال الخارج ولحسابات خاصة أو خارجية، وفي النتيجة لا يصبح غريبا أن يكون بلدا مثل لبنان معدل استقراره النسبي بين ثلاث أو خمس سنوات منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، تبعا لدراسة قام بها فريق أوروبي في بيروت، بعد العام 2005.


لا حاجة للكثير من التمحيص بحثاً عن الجاني على استقرار لبنان وسلمه الأهلي وعيشه المشترك. فالجريمة ترتكب بشكل متمادي بحق الوطن وبإرادة أهله، على يد قانون انتخابي يُبعث من بين الأموات ليتحول حكماً بين متخاصمين، تحت عنوان جلبه للاستقرار بينما هو الولادة الفعلية لمنظومات مصالح داخلية وخارجية تهدد الاستقرار.


ليس خفيا على أحد أن الصيغة الانتخابية المستنسخة منذ العام 1960، تكّرس الطائفية وترسّخ جذورها، لا بل تشرّع براثنها وأسلحتها المذهبية، التي تصبح حاجة وضرورة لتحقيق النجاح، بدل أن تُنبذ وتُرمى في سلّة مهملات التاريخ، بعدما ذاق اللبنانيون مرّها ولوعتها دماً ودمارا وتهجيرا وهجرة ونزوحا وتصدعا اجتماعيا.


ولأن الحجّة كانت دوماً، في التوقيت، كان القانون الانتخابي يُحشر في اللحظات الأخيرة لـ"سلقه" وإعادة بعثه بصيغته الستينية، مع وضع مساحيق تجميلية لا تغير شيئا في مضمونه السيء أصلا، بحيث صار قانون الأمر الواقع، وذلك من باب تفصيله على قياس منتجيه من أهل الطبقة السياسية الذين ولدوا في كنف الطائفية والمذهبية والحروب الأهلية، الحارة منها أو الباردة، كما هو حال احترابنا الداخلي اليوم. 


زعامات طائفية وأمراء حروب ولاهثون للمناصب وأصحاب أغراض ومصالح ووكالات يريدون الارتماء في كنف السلطة، ولهذا كانوا يجدون في النظام الأكثري"ناظما" لتلك المصالح، علما أن هكذا قانون لم يعد معتمداً سوى في ست دول في العالم بينها لبنان.


ومهما تلاعب الطبّاخون بحجم الدوائر الانتخابية، من باب الضمان المسبق لنتائج الفرز، قبل فتح صناديق الاقتراع، فإنهم لم يحاولوا يوماً إحداث نقلة نوعية في تلك الصيغ، تساهم في تحقيق المساواة بين المواطنين، من خلال الحرص على صحّة التمثيل وعدالته وشموليته.


ومهما تضمن البيان الوزاري للحكومة الجديدة من عناوين، بما في ذلك حول المحكمة الدولية والمقاومة، فان العنوان ـ المحك، أن تحدث خرقا في البنية الطائفية ـ السياسية الولادة للأزمات، ولا مدخل الى ذلك بقانون انتخابي يحدث صدمة ايجابية لدى الشعب اللبناني وتحديدا الفئة الشبابية.


واعتبارا من اليوم، تضع "السفير" منبرها بتصرف الباحثين التواقين الى فتح كوة في جدار النظام الطائفي من خلال تقديم افكار أو اقتراحات انتخابية، وحسنا أن تكون البداية مع "ابو النسبية" مدير مركز بيروت للأبحاث والمعلومات الباحث عبدو سعد، الذي لطالما كان مناديا بتطبيق النظام النسبي، بوصفه الممر الإلزامي، للوصول إلى التمثيل الصحيح والعادل. 


ويسوق سعد جملة أسباب موجبة لاعتماد النظام النسبي على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة أبرزها: تحقيق الإندماج الوطني والإنماء المتوازن حيث يجد جميع الكتل والمرشحين انهم مضطرون لانتقاء خطاب سياسي يطالب بمعالجة قضايا انمائية تطال كل أرجاء الوطن، صحة التمثيل من باب تقليص تمثيل أصحاب المصالح الضيِّقة والولاءات الموروثة والعائلية والعصبية، عدالة التمثيل وتحقيق الارادة الشعبية للخروج من حالة الإقصاء الناجمة عن القوة التجييرية المعروفة في النظام الأكثري، التطبيق الحقيقي لمفهوم نائب الأمة، تغيير سلوك الناخب والمرشَّح لتحاشي الخطاب الطائفي والمناطقي، المساهمة في ولادة الأحزاب الوطنية العابرة للطوائف والمناطق، الإسهام في خلق مجتمع مدني، القضاء على التمايز في القوة الاقتراعية لأصوات الناخبين، تنوّع المرشحين في جميع اللوائح، الحُّد من هيمنة الإقطاع السياسي، تسهيل وصول الأقلية إلى التمثيل في البرلمان، معرفة الناخب بالمرشح، الالتزام بالدستور لإرساء الديمقراطية والعدالة والمساواة...


كما يساهم النظام النسبي في التخفيف من آفة شراء الأصوات، والحدّ من آثار التزوير، لا سيما وأن التوجس من الدائرة الواحدة هو غير مبرر علمياً بالنسبة الى الأقليات المذهبية والسياسية، وفق سعد، خصوصاً في ظل وجود أحلاف سياسية راسخة وغير مسبوقة عابرة للطوائف، بحيث يُفترض وفي أي انتخابات على مستوى الوطن، أن تقوم القوى المسيحية الحليفة للقوى المسلمة بتسمية مرشحيها المسيحيين في كل لبنان، والعكس صحيح...


وبالتالي، لا شيء يمنع عملياً من إحداث قفزة تقدّمية في قوانين الانتخابات، لا سيما وأنّ الكلام عن "تعقيدات" تسود هذا النظام وتحول دون تطبيقه، لم تعد تنطلي على أحد، على اعتبار أنه لا يطلب من الناخب سوى اختيار اللائحة المفضّلة لديه، وانتقاء اسم ترجيحيّ منها، على أن تكون البقية من مهام اللجان المتخصصة بالفرز.


وفي ما يلي النص الحرفي للاقتراح المقدم من الباحث عبدو سعد:

 

نحـــو قانون انتخاب عادل


تخضع عملية الانتخابات النيابية في الدول الديموقراطية في العالم، لأحد نظامين انتخابيين للاقتراع: الأكثري أو النسبي.


في لبنان، يطبق نظام الاقتراع الأكثري (مع الصوت الجمعي) في دائرة متعددة المقاعد (أي إعطاء الحق للناخب بأن يقترع لعدد من المرشحين موازٍ لعدد المقاعد في الدائرة)، وهو نظامٌ مستهجنٌ، ولا تعتمده حاليا سوى ست دول في العالم (بينها لبنان وسوريا) من أصل211 دولة.


وفي لبنان ومنذ العام 1943 وحتى اليوم تمت تجربة أحجام وأشكال مختلفة وكثيرة من الدوائر، من الدائرةٍ الكبرى في العام 1943 والعودة اليها مجدداً في العام 1992، إلى الدوائر الفردية والثنائية العام1957، والدائرة/ القضاء العام 1960. كذلك العودة الى اعتماد القضاء كدائرة انتخابية في انتخابات العام 2009 .


وتجدر الإشارة إلى أنّ انتخابات العام 2009 كانت الأكثر تزويراَ في تاريخ الانتخابات في لبنان، إن لناحية دفع الرشى لمغتربين لحملهم الى المجيء الى لبنان وإن عبر دفع رشى لناخبين مقيمين في لبنان من أجل دفعهم للتصويت لصالح هذه اللائحة أو تلك، بالاضافة الى الحملات الانتخابية غير المشروعة (تحريك النزعات الطائفية والمذهبية الخ..).


لعلّ السؤال المحوري الذي يتعيّن علينا المباشرة به عند البحث عن النظام الانتخابي الأفضل، هو ماذا نريد من قانون الانتخابات النيابية؟
لقد بات واضحاً ومسلّماً به أن نظام الاقتراع الأكثري غير ملائم للبنانيين، ذلك أنه كلما صغُرت الدائرة تعاظمت أهمية العوامل غير السياسية، مثل العشائرية والطائفية والمذهبية والزبائنية، لإيصال المرشحين الى البرلمان، وكلما كبُرت الدائرة ضاعت حقوق الأقليات السياسية والإجتماعية في التمثّل في البرلمان.


آن الآوان للطبقة السياسية أن تبدأ بنقاش جدي لاقرار نظام الاقتراع النسبي مع اعتماد الدائرة الواحدة وخصوصاَ أنّ معظم القوى السياسية في لبنان وصلت إلى قناعة تقدّر أهمية النسبية، مع الأخذ في الاعتبار أن التوجس من الدائرة الواحدة هو غير مبرر علمياَ بالنسبة الى الطائفة المسيحية، خصوصاَ في ظل وجود أحلاف سياسية راسخة وغير مسبوقة بين مسلمين ومسيحيين، بحيث يُفترض وفي أي انتخابات على مستوى الوطن، أن تقوم القوى المسيحية الحليفة للقوى المسلمة بتسمية مرشحيها المسيحيين في كل لبنان، ما سيؤمن فوز نواب مسيحيين ممثلين للأمة مع تأييد مسيحي كبير، علماً بأن الأمر ذاته ينطبق على الطائفة الدرزية .


إما بالنسبة الى الأقليات السياسية(أحزاب وتيارات مثل القومي والبعث والشيوعي الخ..)، فإن الدائرة الأكبر تحفظ تمثيلهم وخصوصاَ أن الحاصل الانتخابي في الدائرة الواحدة (معدل الأصوات المطلوب للمقعد الواحد يُستخرج بقسمة إجمالي عدد المقترعين على عدد المقاعد) لا يختلف كثيراً عن الحاصل الانتخابي للمحافظات (الحاصل الانتخابي في لبنان في انتخابات 2009 كان حوالي 12800 في البقاع 12345، في الجبل 12585، وفي الشمال 13400).


الأسباب الموجبة:
إن اعتماد نظام الاقتراع النسبي مع الدائرة الموسّعة الواحدة، يجد مبرّراته وأسبابه الموجبة في جملة الإصلاحات السياسية المطلوبة في لبنان ولاسيما منها:


1- تحقيق الإندماج الوطني والإنماء المتوازن: إن اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النظام النسبي، يساعد على تحقيق الاندماج الوطني، حيث يتلاقى ناخب كل طائفة ومنطقة مع ناخبي المناطق والطوائف الأخرى حول اللائحة المرشّحة، كذلك يتلاقى جميع المرشحين لأي طائفة أو منطقة انتموا، مع جميع مرشحي المناطق والطوائف الأخرى حول البرنامج الواحد الخاص بلائحتهم. 


لا يمكن الشروع في تنفيذ الإنماء المتوازن الذي أصبح مكرّساَ في الدستور، ما لم يتم إنجاز آليات تنحو نحو إنماء كل منطقة من حاصل إنماء مجموع المناطق، لا إنماء كل منطقة بمفردها، وعلى حساب البقية بالضرورة، بحيث يجد جميع الكتل والمرشحين انهم مضطرون لانتقاء خطاب سياسي يطالب بمعالجة قضايا انمائية تطال كل أرجاء الوطن، ما يساهم في تعزيز مطالبة كل نائب لأي محافظةٍ انتمى، بالإنماء على صعيد جميع المحافظات والمناطق من دون استثناء.


2- صحة التمثيل: إن المفهوم الحقيقي لصحة التمثيل، يرمي إلى تقليص تمثيل أصحاب المصالح الضيِّقة والولاءات الموروثة والعائلية والعصبية. ولطالما كانت صحة التمثيل منقوصةً، وذلك منذ ما قبل الاستقلال، لأن التمثيل كان محصوراً في الشريحة المذكورة أعلاه وليس في غيرها، ما سبَّب النزاعات الأهلية وكرَّس التخلُّف الذي نعيشه، فضلاً عن الويلات الاقتصادية وغياب الولاء للدولة، إضافةً إلى عزوف القِسم الأكبر من اللبنانيين عن المشاركة في العمليات الانتخابية. والتمثيل الصحيح المعوّل عليه من التمثيل النسبي، هو ذلك الذي يُمثِّل طموحات وتطلعات الناس وآمالهم، فهو تصويت للمستقبل وعن المستقبل، وهو خطوة للخروج من الخطأ التاريخي وإصلاح ما فسد وعملية متكررة هدفها تنقية الشوائب وتطوير الواقع السياسي القائم. فإذا ارتضينا استمرار العملية الانتخابية وفق النهج القديم السائد، فإننا بذلك نصادر إرادة الناس وندمِّر طموحاتهم، ونوقف أزمنتهم عند لحظة سابقة يتطلعون للخروج منها فلا يستطيعون. 


3- عدالة التمثيل وتحقيق الارادة الشعبية:
تتحقّق عدالة التمثيل في النظام النسبي من خلال تمثيل جميع التيارات السياسية، والقوى الاجتماعية والنقابية في البرلمان، كلٌّ بحسب حجمها الشعبي، ونخرج من حالة الإقصاء الناجمة عن القوة التجييرية المعروفة في النظام الأكثري، والتي تمنح بعض الناخبين قوة زائفة من شأنها إقصاء بعض المرشحين الممثلين لقوى شعبية فاعلة. كذلك يضمن النظام النسبي التمثيل العادل والفعَّال للناخبين من خلال منع إضعاف القوة الاقتراعية لمجموعة سياسية من المواطنين أو حرمانها من المشاركة السياسية على قدم المساواة مع غيرها من الجماعات. وعليه، يؤمّن النظام النسبي أن تكون الأكثرية البرلمانية منسجمة مع الأكثرية الشعبية وتتحقق الإرادة الشعبية . 


4- التطبيق الحقيقي لمفهوم نائب الأمة:
ينص الدستور اللبناني على أن النائب يمثِّل الأمة جمعاء، وهو أمرٌ لا يمكن أن يتحقق إلّا إذا تمَّ انتخاب النائب على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة، ونال رضى الناخبين بصرف النظر عن طائفتهم أو منطقتهم. وتصدق عندها مقولة أنه "نائب من المنطقة وليس عن المنطقة".


5- تغيير سلوك الناخب والمرشَّح: عندما يصبح لبنان دائرة انتخابية واحدة، سيكون المُرشَّح مضطراً لتحاشي الخطاب الطائفي والمناطقي، واعتماد الخطاب الوطني، وهذا ما ينعكس إيجاباً على الناخب ويساهم في الخروج من ظلمة الطائفية والمناطقية، والدخول في رحاب المواطنة والوطنية.


6- المساهمة في ولادة الأحزاب الوطنية: يساهم النظام النسبي على أساس الدائرة الواحدة في ولادة الأحزاب الوطنية العابرة للطوائف والمناطق، لأنه بعد الخروج من الخطاب الطائفي، وتكوين خطاب وطني، فإن الخطاب الجديد لن يكون قوياً ومؤثراً ما لم تتم صياغته في إطار مشروع حزبي يجري السعي الحقيقي لتحويله واقعاً ملموساً. 


وهنا نجد المناسبة للرّد على الوجهة القائلة بأن النسبية تحتاج إلى أحزاب كشرطٍ لإعتمادها، إذ أنّ نظام الاقتراع النسبي في الدائرة الوطنية الواحدة هو في الواقع القابلة التي تولِّد الأحزاب كون الأخيرة لا تنشأ بقرار فوقي، بل بمسار. ومن المعوقات الأساسية لنشوء الأحزاب السياسية هو وجود حزب السلطة، إنه ليس حزباً بالمعنى التقليدي للكلمة، إنما هو عبارة عن خليط غير مسّيس غالباً، ويتسم سلوكه الانتخابي بالولاء للسلطة من أجل تحقيق مصالحه الضيقة. ومن شأن النسبية أن تخرجنا من قبضته.


7- الإسهام في خلق مجتمع مدني:
إن المجتمع المدني في الدول الديموقراطية، هو اللبنة الأساسية للنظام السياسي، إذ يكون هذا النظام إمتداداً وانعكاساً طبيعياً لهذا المجتمع، والمعبِّر الأول عن طموحات وتطلعات جميع أبنائه. ويساعد النظام النسبي في ارتقاء المجتمع المدني الذي انبثق منه النظام السياسي، إذ يصبح المواطن واعياً ومعنياً بكل ما يحيط به. وإذا كان المجتمع المدني في لبنان محكوماً باعتبارات طائفية ومناطقية وسلطوية، فإن نظام الاقتراع النسبي يرتقي به إلى حيث يجب أن يكون . 


8- القضاء على التمايز في القوة الاقتراعية لأصوات الناخبين:
يساعد النظام النسبي على أساس الدائرة الانتخابية الواحدة في توفير الالتزام بقاعدة المساواة الحسابية أو العددية، حيث يكون الحاصل الانتخابي للمقعد الواحد متساوبين كل اللوائح. 


9- تنوّع المرشحين في جميع اللوائح: يحفِّز النظام النسبي على أساس وطني، الأطراف المتنافسة على أن تتقدَّم بلوائح وطنية تحظى بدعم وتأييد مختلف فئات الشعب، وذلك من أجل أن تكسب مزيداً من دعم الناخبين، الذي كلَّما تصاعدت نسبته، ارتفع عدد المقاعد الذي تستحقه اللائحة. وهكذا تتشكّل اللائحة متضمنة أعضاءً من القوى الكبرى والأقليات على السواء. 


10- الحُّد من هيمنة الإقطاع السياسي: إن النظام النسبي بسبب منحه الأقلية حق التمثُّل في البرلمان، يقيِّد قوة الأطراف الكبرى ويمنعها من حيازة كل المقاعد في البرلمان، وبذلك يحدُّ من هيمنتها على القرار سواءً على المستوى المحلي أو على المستوى الوطني.


11- تسهيل وصول الأقلية إلى التمثيل في البرلمان: يسمح النظام النسبي لأيّ حزب سياسي أو طرف معين، أَن يكسبَ تمثيلاً في المجلس النيابي، متناسباً مع حجم كتلته الانتخابية. وهذا ما يكوِّن عنصراً مساهماً في تحقيق الاستقرارِ في المجتمعاتِ.


12- معرفة الناخب بالمرشح:
إذا كانت الشكوى في ظل النظام الأكثري على أساس الدائرة المتوسطة او الكبرى، أن الناخب لا يعرف المرشَّح، فإنّ هذا النقص لا يعود مطروحاً في ظلِّ النظام النسبي، حيث لا يكون دافع الناخب التصويت لشخص معيّن، بل التصويت للخط السياسي حيث يقترع للائحة ذات برنامج معلن معروف من الناخب.


13- الالتزام بالدستور: إنّ جميع قوانين الانتخابات النيابية التي اعتمدت في لبنان تشوبها عيوب البطلان كونها أتت مخالفة للدستور ولو سنحت الظروف بالطعن بها أمام المجلس الدستوري لكان يُفترض أن يبطلها. والواقع ان مقدمة الدستور تضمّنت جملة من المبادىء التي لا يمكن تطبيقها في ظلّ نظام الاقتراع الاكثري. فالفقرة "د" من الدستور نصت على أن "لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل".


ونستخلص من هذه الفقرة الدستورية الهامة ان الدستور قد أرسى المبادىء التالية:الديموقراطية، العدالة، المساواة.


الديموقراطية: تقوم على حكم الشعب للشعب، الأمر الذي يقتضي عدم إقصاء أي شريحة شعبية فاعلة وإعطاءها دورها التمثيلي في البرلمان المتناسب مع حجمها من دون الخضوع المطلق للأكثرية وهذا لايتحقّق إلّا بنظام الاقتراع النسبي، ولا وجود له في النظام الاكثري.


العدالة: ينصرف مفهوم العدالة ليشمل عدالة التمثيل لدى مختلف فئات الشعب داخل الندوة البرلمانية، وقد سبق وبيّنا آنفاً كيف أنّ النظام النسبي يحقّق العدالة في التمثيل من خلال حفظ القوة الاقتراعية لبعض فئات المقترعين وعدم إقصائها بفعل القوة التجييرية لفئات أخرى وفقاً لما هو سائد في النظام الأكثري.


المساواة: تتحقّق المساواة بين المرشحين من خلال مساواة قوة الصوت الانتخابي حيث معدل الأصوات المطلوب للمقعد الواحد (في الدائرة الانتخابية الواحدة). 


ومن ناحية ثانية، تنص المادة 27 من الدستور على أن عضو مجلس النواب "يمثّل الأمّة جمعاء ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أوشرط من قبل منتخبيه. ولقد بيّنا آنفاً كيف أن مفهوم تمثيل النائب للأمة جمعاء"، يتحقّق فقط من خلال الاقتراع النسبي على أساس الدائرة الواحدة، حيث أن النائب يترشح من منطقة معينة ولكن عن كل لبنان فلا يكون مديناً بوصوله لمنطقته ولاينتخب إلاّ على اساس برنامجه الشامل للأمة جمعاء.


ويساهم النظام النسبي في التخفيف إلى حدٍ بعيد من الحالة المرضية التي نعاني منها في كل الانتخابات، المتمثلة بآفة شراء الأصوات. هذه الآفة التي تؤثِّر بشكلٍ أساسي على نتائج الانتخابات، حيث أن شراء بضعة آلاف من الأصوات، في القانون المعتمد، ستقلب النتائج بصورة كلية، ولاسيما في دائرة متعددة المقاعد. بينما في ظلِّ النظام النسبي فإن أثر شراء الأصوات، مهما كان حجمه، لن يتجاوز حصول الطرف الراشي على بضعة مقاعد نيابية فقط.


كما يحد النظام النسبي من آثار التزوير على صعيد نتائج الانتخابات للأسباب ذاتها المتعلقة بشراء الأصوات. وفوق ذلك كله إن اعتماد النسبية سيضعف حكماً الهيمنة السياسية التي يمارسها زعماء الطوائف على أبناء الطوائف والذين انتجهم قانون الانتخاب الذي طبق في لبنان منذ العام 1922 والذي يعتمد على نظام الاقتراع الأكثري في دوائر متعددة المقاعد مع الصوت الجمعي.


وفي الختام، إذا حاولنا تصوّر نتائج ذهنية في مثل هذه الإنتخابات الإفتراضية لا يحدونا شك بأن النائب الفائز سيكون الأكثر تمثيلاً لهواجس طائفته لكنه الأكثر انفتاحاً على هواجس الطوائف والعصبيات الأخرى، ويكون الأكثر تمثيلاً لمنطقته لكنه الأكثر حرصاً على إغنائها بقيمة مضافة من حاصل التفاعل بين كل المناطق، ويكون الأكثر تعبيراً عن كتلته السياسية بين الناخبين لكنه الأكثر تمثيلاً لهم في هموم كل ناخبي الأمة.

 

النظام النسبي: الآلية والتطبيق
تلحظ الآلية التي نقترحها لنظام الإقتراع النسبي خصوصية الواقع الانتخابي اللبناني لجهة تعدديته المذهبية والمناطقية، وتؤسس لمجتمع مدني تتولّد عنه تكتلات سياسية وطنية تتنافس ديمقراطياً فيما بينها، من دون ان يؤدي تنافسها للتنافر.


فبموجب نظام التمثيل النسبي، تنال كل لائحة من اللوائح المتنافسة نسبة مئوية من المقاعد، مساوية للنسبة المئوية من مجمل الأصوات التي نالتها على مستوى الدائرة الانتخابية، مع تدوير الكسور العليا.


1- الترشح:
يجري الترشح على أساس الدائرة الكبرى، لائحة تعطى تسمية معينة ومغلقة لحزب أو لائتلاف قوى سياسية، مكتملة أو غير مكتملة، ويتمّ إدراج اللائحة في ورقة اقتراع من لون معين لتسهيل تمييزها من الناخبين الأميين ولتسهيل عملية الفرز.


2- الاقتراع:
يقترع الناخب للائحة مقفلة يختارها من بين اللوائح المتنافسة، ويعطي صوتاً ترجيحياً لأحد مرشحي اللائحة التي اختارها لأي طائفة انتمى (عبر وضع اشارة(X) إلى جانب اسمه)، وذلك من أجل تقديمه الى مرتبة متقدمة في الترتيب العام للمرشحين بعد انتهاء عملية الاقتراع. ولا يحق له إضافة اسم غير مذكور في اللائحة ويُحتسب حكماً صوت ترجيحي لرئيس اللائحة وذلك لتحقيق غايتين، الأولى ضمان فوزه والثانية تحاشي صبّ الأغلبية الساحقة من الأصوات الترجيحية إليه . 


3- عملية فرز الأصوات:
تعني عملية الفرز احتساب الأصوات التي نالتها كل لائحة من اللوائح المتنافسة، وكذلك احتساب الأصوات الترجيحية التي نالها كل مرشح ضمن هذه اللائحة. تساهم الأصوات الترجيحية في ترتيب أسماء المرشحين في اللائحة الواحدة، من الأعلى إلى الأدنى وفقاً لما ناله كل مرشحٍ من أصوات. تستبعد كل لائحة لا تنال عدداً معيناً من الأصوات يساوي مجموع حاصلين انتخابيين أو أكثر في الدائرة الانتخابية، (وهو ما يسمى نصاب الإبعاد)، حيث لا تعتبر مؤهلة للتمثل بأي مقعدٍ، كل لائحة لا تنال عدداً من الأصوات يساوي أو يفوق نصاب الإبعاد. 


4- تحديد حصّة اللوائح:
يحدد عدد المقاعد التي فازت بها كل لائحة من خلال قسمة عدد الأصوات التي حصلت عليها اللائحة على معدل الأصوات للمقعد الواحد( الحاصل الانتخابي)، مع تدوير الكسور العليا. يستخرج الحاصل الانتخابي، كما سبق وذكرنا، من خلال قسمة إجمالي عدد المقترعين على عدد المقاعد. لنفترض أنّ عدد المقترعين في بيروت 141900 وعدد المقاعد 19 مقعداً. فيكون الحاصل الانتخابي: 141900÷19 = 7468.
ثمَّ لنفترض، أن اللوائح الثلاث المتنافسة، نالت من مجموع عدد المقترعين ألأصوات الآتية:
عدد أصوات اللائحة (أ): 58050
عدد أصوات اللائحة (ب): 49800
عدد أصوات اللائحة (ج): 34050
فتكون حصّة كلّ لائحة من اللوائح الثلاثة كما يلي:
حصة اللائحة (أ): 58050÷7468 = 7.8 أي 8 مقاعد (بعد تدوير الكسور العليا)
حصة اللائحة (ب): 49800÷7468 = 6.7 أي 7 مقاعد (بعد تدوير الكسور العليا)
حصة اللائحة (ج): 34050÷7468 = 4.5 أي 4 مقاعد

5- توزيع المقاعد على اللوائح الفائزة:
ترتَّب أسماء المرشحين من جميع اللوائح في قائمة واحدة من الأعلى إلى الأدنى بحسب ما ناله كل مرشَّح من أصواتٍ ترجيحية. تبدأ عملية توزيع المقاعد بدءاً من رأس القائمة الواحدة التي تضمُّ كافة المرشحين في اللوائح المتأهلة، حيث يُعطى أول مقعد للمرشح الحاصل على أعلى نسبة من الأصوات الترجيحية. ثمَّ يمنح المقعد الثاني للمرشَّح الثاني المدوَّن في المرتبة الثانية في القائمة، لأي لائحة انتمى، وهكذا بالنسبة الى المقعد الثالث، فالرابع حتى توزَّع كامل مقاعد الدائرة على المرشحين المنتمين إلى اللوائح الفائزة، وذلك مع مراعاة الشروط التالية:


1- أن يكون المقعد لا يزال شاغراً وفقاً للتوزع الطائفي والمناطقي للمقاعد، فبعد اكتمال حصة طائفة أو منطقة ضمن الدائرة، يخرج من السباق حكماً جميع المرشحين المنتمين إلى هذه الطائفة أو المنطقة التي استوفت حصتها من المقاعد.


2- ألا تكون اللائحة قد استوفت نصيبها المحدد من المقاعد، فإذا وصلنا في التوزيع إلى مرشحٍ منتم إلى لائحة استوفت حصتها من المقاعد، نتجاوز هذا المرشح لعدم استحقاق لائحته لمقعدٍ إضافي. وننتقل في التوزيع إلى مرشحٍ آخر يليه مرتبةً في عدد الأصوات في القائمة التي تضمُّ مرشحي اللوائح المتنافسة كافة.

2011-06-23