ارشيف من :أخبار لبنانية

المحكمة أمام إمتحان غير مألوف: حكومة مناوئة لها

المحكمة أمام إمتحان غير مألوف: حكومة مناوئة لها
صحيفة "الأخبار" - نقولا ناصيف

تقدّم احتمال صدور القرار الاتهامي في الأيام المقبلة ما عداه، بما في ذلك إنجاز البيان الوزاري لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي. أعطى ذلك أيضاً سبباً إضافياً للانقسام الداخلي في الملف الأكثر تعبيراً عنه، وهو المحكمة الدولية، وأوحى للحكومة بأنها أمام أكثر من امتحان

حملت التكهّنات المتلاحقة عن ترقّب صدور القرار الاتهامي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في غضون أيام، جهات حكومية واسعة الاطلاع على النظر بريبة إلى توقيت طرح هذا الموضوع، وبريبة مماثلة حيال ردود الفعل عليه من الفريقين الأكثر تشدّداً في التعامل معه: قوى 14 آذار تأمل اتهام حزب الله في اغتيال الحريري، وقوى 8 آذار ترى فيه استهدافاً للمقاومة في نزاع مذهبي داخلي.
بيد أن الجهات الحكومية لاحظت أيضاً أن التلويح بإصدار القرار الاتهامي لا يقف عقبة في طريق إنجاز البيان الوزاري، ولا يبدو رئيس الحكومة نجيب ميقاتي هو الآخر متأثراً بالربط بين انطلاق حكومته والقرار الاتهامي، مع معرفته بأن كلاً من الفريقين المتناحرين يريد توجيه صدور القرار في المنحى الذي يعزّز حجّته خارج الحكومة وداخلها. مع ذلك، يضع القرار الاتهامي الجميع، حكومة ميقاتي والغالبية النيابية الجديدة كما المعارضة الجديدة، أمام استحقاق اشتباك جديد على مرحلة ما بعد هذا الصدور.
بل يفسح القرار الاتهامي في المجال أمام ملاحظات:
أولاها، الامتحان الذي تواجهه حكومة ميقاتي لتأكيد تعاونها مع المحكمة الدولية عملاً بالبروتوكول المبرم بين لبنان والأمم المتحدة. رغم انبثاق غالبية نيابية جديدة مناوئة تماماً للمحكمة وتعدّها مسيّسة وتطعن في صدقيتها، إلا أن رئيس الحكومة لم يتخذ حتى الآن أي موقف يُستشم منه التراجع عن التزام لبنان بنود بروتوكول التعاون. وأكد ميقاتي في أكثر من مناسبة احترام لبنان القرارات الدولية، بما فيها القرار 1757 المتعلق بإنشاء المحكمة الدولية، رغم تمسّكه بمعادلة مساواة العدالة بالاستقرار، وكلاهما يراه ضرورياً للبنان بلا مفاضلة ولا ترجيح. وتبعاً لأحكام البروتوكول المبرم مع الأمم المتحدة، فإن إحجام لبنان عن التعاون مع المحكمة يفسح في المجال أمام رئيسها لإجراء مفاوضات مع السلطات اللبنانية حيال هذه المسألة، قبل أن يرفع الأمر إلى مجلس الأمن للنظر فيه إذا تثبّت من إصرار لبنان على عدم التعاون.
في ظلّ حكومتي الوحدة الوطنية عامي 2008 و2009، التزم الحكم اللبناني دعماً غير مشروط للمحكمة، كان في صلب الائتلاف الحكومي بين قوى 8 و14 آذار، مشابهاً لذاك الذي قدمته حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بين عامي 2005 و2008 للجنة التحقيق الدولية. إلا أن الامتحان الجديد، المثير للهواجس أيضاً، يكمن في أن غالبية القوى الموجّهة للغالبية الحكومية الجديدة، بما فيها رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط، تنظر بشكوك إلى عمل المحكمة وتطعن في صدقيتها، من غير أن تتحمّس للدفاع عنها وتبريرها. وهي تقارب العلاقة معها على أنها تستهدف، باسم العدالة الدولية، موضوعاً يتجاوز اغتيال الحريري إلى ضرب سلاح حزب الله والتسبّب بفتنة مذهبية سنّية ـــــ شيعية. تختبر المحكمة أيضاً نمطاً لم تألفه في السنوات المنصرمة في تعامل السلطة اللبنانية معها، وقد باتت في يد فريق رفض منذ عام 2005 التحقيق الدولي.
ثانيتها، يكمن الامتحان الآخر للحكومة اللبنانية في الطريقة التي ستقارب بها تنفيذ القرار الاتهامي، وهي تبليغ الأفراد الذين سيتهمهم القرار بالتخطيط لاغتيال الحريري أو المشاركة في التنفيذ أو التحريض عليه، وذلك استناداً إلى عناوين إقامتهم التي يفترض أن يتضمنها القرار الاتهامي.
ومع أنه لا موقف مطلوباً من الحكومة اللبنانية حيال هذا التبليغ، سواء قبل إنجازها البيان الوزاري أو بعده، وليست مدعوّة إلى الاجتماع أو اتخاذ قرار من التبليغ المنوط بالمدّعي العام التمييزي اللبناني الذي يكلف الأجهزة الأمنية إجراءه، إلا أن تعذّر التبليغ لأسباب تتصل بمقار إقامة الأفراد المعنيين، لا يحمّل الحكومة اللبنانية، كذلك، تبعة عدم التعاون. بل إن المحكمة أوجدت بنفسها، في ضوء تعديلات أجرتها على نظامها قبل أكثر من سنة، آلية المضي في مرحلة ما بعد التبليغ في حال تعذّر حصوله.
فحوى ذلك أن رئيسها يأمر بعد 30 يوماً، هي مهلة التبليغ المنوطة بالأجهزة اللبنانية المعنية، بإجراء تبليغ مواز عبر وسائل الإعلام، بما فيها الموقع الإلكتروني للمحكمة في حق الأفراد المتهمين، في ضوئه يصار إلى مباشرة محاكمة غيابية لهم. ولا يعكس تعذّر التبليغ عدم تجاوب السلطات اللبنانية مع المحكمة، ولا تقف بدورها عائقاً في طريق المحاكمة.
ثالثتها، أعطى طلب المحكمة من القضاة اللبنانيين المنتدبين إليها، وهم أربعة، السفر، حججاً إضافية لتوقع صدور القرار الاتهامي تحت ذرائع تجنيبهم أي أخطار تترتب على ردود فعل من هذا الصدور. وكان هؤلاء تبلّغوا الأسبوع الماضي استدعاءً بالتوجّه سريعاً إلى هولندا كي لا يصادف وجودهم في لبنان مع موعد صدور القرار الاتهامي الذي يُسلّم إلى المدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا قبل ساعات من إعلان إصداره رسمياً.
وباستثناء نائب رئيس المحكمة القاضي رالف رياشي الذي يقيم هناك بصورة دائمة، غادر القضاة الثلاثة الباقون بيروت، وهم معاونة المدعي العام القاضية جوسلين ثابت، والقضاة عفيف شمس الدين وميشلين بريدي ووليد عاكوم.
رابعتها، انسجاماً مع ما كانت أعلنته مراراً منذ انطلاق عملها في آذار 2009، لن تتهم المحكمة أحزاباً أو دولاً، وليست معنية إلا بتوجيه الاتهام إلى أفراد يُنسب إليهم اغتيال الحريري، والطلب من الأجهزة الأمنية اللبنانية تبليغهم المثول أمام المحكمة أو تنفيذ مذكرة توقيف في حقهم. وهو احتمال يبدو مستبعداً راهناً. وسواء أعيد تأكيد الاتهام إلى الأفراد الذين سبق أن كُشف في وسائل إعلامية غربية أنهم المعنيون به أو سُمّي آخرون، لن تطاول التهمة حزب الله مباشرة إلا بمقدار اقتراب الفرد المتهم من قيادة حزبه أو من النظام في سوريا عملاً بما يشاع عن أن هاتين الجهتين هما الأوفر حظاً لتلقّف الاتهام باغتيال الحريري.
الواقع أن أطرافاً رئيسيين في حكومة ميقاتي يقللون، في الظاهر على الأقل، من أهمية ما قد يصدر عن القرار الاتهامي عندما يرون أن ثمّة أكثر من سبب وحجّة يحملهم على توقع عدم تنفيذ التبليغات المنتظرة، من دون الجهر بامتناع لبنان عن التعاون مع المحكمة.
2011-06-28