ارشيف من :أخبار لبنانية
جريمة الحريري... والجواب
جان عزيز - صحيفة "الاخبار"
في المبدأ والمطلق، ما يطرحه الحريري الابن وفريقه سليم وضروري، وإن كان يجانب أحياناً مبدأ التناسب الذي يؤكّده القانون الدولي. فمن الناحية الإنسانية، اغتيال الحريري الإنسان مساوٍ بالكامل لاغتيال أي إنسان آخر، تماماً كأي ضحية من ضحايا مذبحة حلبا في أيار 2008. ومن الناحية السياسية، اغتيال الحريري كجريمة سياسية أقلّ وطأة من اغتيال رشيد كرامي. لأن الأوّل سقط وهو رئيس فعليّ لحكومة لبنان، فيما الحريري اغتيل وهو نائب ورئيس سابق للحكومة نفسها.
لكنّ الأهمّ أنّ الحريري الابن، منذ اللحظة الأولى للجريمة البشعة، أعطى الانطباع، أو ترك انطباعاً يتولّد، بأنّ مسار العدالة المطلوبة هو وسيلة من وسائل الصراع السياسي له ولفريقه في البلد، وأنّ هذه العدالة، وإن دولية، هي أداة من أدوات الوصول إلى السلطة الداخلية، أو في أبعد مدى، إلى السلطتين اللبنانية والسورية.
يكفي هذا التزامن في الأحداث منذ ما بعد 14 شباط 2005: لجنة تقصي الحقائق الدولية «صُرفت» أو «قُرِّشت» في تأليف حكومة ميقاتي الأولى، وضمان حقيبتي الداخلية والعدل. بعدها لجنة التحقيق الدولي استُهلكت في انتخابات عام 2005 وما تلاها من اعتقال معارضين سياسيين وإمساك بمفاصل السلطة. أوّل قرار لمجلس الأمن بإنشاء محكمة ذات طابع دولي في آذار 2006، وُظِّف في الهجوم على بعبدا، في محاولة لاستكمال الانتصار. تماماً كما جاء إقرار حكومة السنيورة من طرف واحد للمحكمة ونظامها، في حمأة استيعاب المواجهة مع حزب الله بشأن تداعيات ما بعد حرب تموز 2006 وما رافقها من اتهامات كبيرة. ليجيء إصدار مجلس الأمن لقراره 1757 بإنشاء المحكمة، وسط السباق الرئاسي اللبناني الذي حاول فريق الحريري حسمه لمصلحته، ولو بقرار دولي...
لكنّ الأهمّ، أنه وسط هذه المحطات والمراحل، كان ثمة استخدام آخر أكثر خطورة في الواقع اللبناني، لقضية الاغتيال ومسألة كشف المجرمين. استخدام يربط كل قضايا الوطن وثرواته وإنسانه، بمقولة «عرقلة العدالة» و«التواطؤ مع القتلة». هكذا باسم العدالة الدولية، بات ممنوعاً على أي لبناني أن يسأل عن مصير جريمة تغيير شعب لبنان، حين أضاف الحريري قبل 17 عاماً نحو 10 في المئة من مجموع السكان، صودف أن أكثر من نصفهم مصنّف في خانته مذهبياً وسياسياً، ومن دون استحقاق. حتى باتت بلدة مثل تعنايل على سبيل المثال، عاجزة عن انتخاب بلديتها، لأن أكثر من ثلاثة أضعاف المسجّلين على قيودها باتوا من غير أهلها.
وبات محظوراً السؤال عن بيع أكثر من 30 مليون متر مربع من أرض لبنان لمجهولين، فضلاً عن أرقام أخرى مستورة ومقنعة. وهي مساحات يؤكد الخبراء أنها تمثّل أكثر من ثلاثين في المئة من الأراضي القابلة للسكن في بعض الأقضية المستهدفة. وباسم العدالة الدولية، بات يتحصن السنيورة ليرفض علناً في مجلس الوزراء أن يطبق قانون تملك الأجانب، ولو لمنع خليجي واحد من تحقيق نصف مليار دولار أميركي ربحاً غير مشروع في مضاربة عقارية واحدة.
وباسم العدالة بات السؤال عن أكثر من 18 مليار دولار منهوبة في ردميات سوليدير، نوعاً من الاشتراك في جريمة 14 شباط. وباسم المحكمة الدولية تكرس واقع «سوكلين» التي حوّلت نفاياتنا ذهباً في جيوب خاصة. والواقع نفسه في المنطقة الحرة في مطار بيروت، وفي الخلوي المطلوب حشره بين النهب أو الضرب، وفي الغاز الممنوع كرمى لمشروع السلطنة العثمانية الجديدة.
لم يجب الحريري أو السنيورة مرة واحدة، عن العلاقة بين قرار بلمار، وبين أن يكون نقص في رصيد سلفات الخزينة نحو 5,2 آلاف مليار ليرة لبنانية، وأن تُفقَد 451 حوالة دفع بمئات المليارات الأخرى، وأن يؤكد تقرير رسمي أن مجلس الإنماء والإعمار «يسهو» عن 300 مليون دولار في واحد من حساباته، وأن يستبيح وزراء المال بالوثائق والأرقام موجودات صندوق أسود بـ32 مليار ليرة، وأن تعطى «مكرمة» حريرية خلافاً لأي قانون، لحاجب مكتب السنيورة قيمتها 135 مليون ليرة، و«مكرمة» مماثلة لسكرتيرة أزعور قيمتها 93 مليوناً.
لم يوضحا لنا قط، الترابط بين مصطفى بدر الدين وأن يطمس مصير إيرادات مسجّلة زوراً بأكثر من 500 مليار ليرة، وألا تسجل هبات بقيمة تصل إلى 6000 مليار ليرة، وأن تضيع سلفات خزينة بقيمة تتجاوز 8000 مليار ليرة، وأن يكون فروق في احتساب القروض بنحو 9000 مليار ليرة، وأن تختلس أكثر من 250 مليون دولار في مديرية القيمة المضافة في وزارة المال...
جريمة الحريري الابن، أنه ربط بين محاولته تبييض كلّ هذه وأكثر، وبين سعيه إلى «تسويد» خصم سياسي. جريمته أنه جعل اللبنانيين أمام معادلة وحيدة: إما أن تُقتلوا جميعاً، وإما أن تكونوا قتلة. فمن يُسمعه الجواب المطلوب: لم نقتل والدك، ولن تقتلنا؟
في المبدأ والمطلق، ما يطرحه الحريري الابن وفريقه سليم وضروري، وإن كان يجانب أحياناً مبدأ التناسب الذي يؤكّده القانون الدولي. فمن الناحية الإنسانية، اغتيال الحريري الإنسان مساوٍ بالكامل لاغتيال أي إنسان آخر، تماماً كأي ضحية من ضحايا مذبحة حلبا في أيار 2008. ومن الناحية السياسية، اغتيال الحريري كجريمة سياسية أقلّ وطأة من اغتيال رشيد كرامي. لأن الأوّل سقط وهو رئيس فعليّ لحكومة لبنان، فيما الحريري اغتيل وهو نائب ورئيس سابق للحكومة نفسها.
لكنّ الأهمّ أنّ الحريري الابن، منذ اللحظة الأولى للجريمة البشعة، أعطى الانطباع، أو ترك انطباعاً يتولّد، بأنّ مسار العدالة المطلوبة هو وسيلة من وسائل الصراع السياسي له ولفريقه في البلد، وأنّ هذه العدالة، وإن دولية، هي أداة من أدوات الوصول إلى السلطة الداخلية، أو في أبعد مدى، إلى السلطتين اللبنانية والسورية.
يكفي هذا التزامن في الأحداث منذ ما بعد 14 شباط 2005: لجنة تقصي الحقائق الدولية «صُرفت» أو «قُرِّشت» في تأليف حكومة ميقاتي الأولى، وضمان حقيبتي الداخلية والعدل. بعدها لجنة التحقيق الدولي استُهلكت في انتخابات عام 2005 وما تلاها من اعتقال معارضين سياسيين وإمساك بمفاصل السلطة. أوّل قرار لمجلس الأمن بإنشاء محكمة ذات طابع دولي في آذار 2006، وُظِّف في الهجوم على بعبدا، في محاولة لاستكمال الانتصار. تماماً كما جاء إقرار حكومة السنيورة من طرف واحد للمحكمة ونظامها، في حمأة استيعاب المواجهة مع حزب الله بشأن تداعيات ما بعد حرب تموز 2006 وما رافقها من اتهامات كبيرة. ليجيء إصدار مجلس الأمن لقراره 1757 بإنشاء المحكمة، وسط السباق الرئاسي اللبناني الذي حاول فريق الحريري حسمه لمصلحته، ولو بقرار دولي...
لكنّ الأهمّ، أنه وسط هذه المحطات والمراحل، كان ثمة استخدام آخر أكثر خطورة في الواقع اللبناني، لقضية الاغتيال ومسألة كشف المجرمين. استخدام يربط كل قضايا الوطن وثرواته وإنسانه، بمقولة «عرقلة العدالة» و«التواطؤ مع القتلة». هكذا باسم العدالة الدولية، بات ممنوعاً على أي لبناني أن يسأل عن مصير جريمة تغيير شعب لبنان، حين أضاف الحريري قبل 17 عاماً نحو 10 في المئة من مجموع السكان، صودف أن أكثر من نصفهم مصنّف في خانته مذهبياً وسياسياً، ومن دون استحقاق. حتى باتت بلدة مثل تعنايل على سبيل المثال، عاجزة عن انتخاب بلديتها، لأن أكثر من ثلاثة أضعاف المسجّلين على قيودها باتوا من غير أهلها.
وبات محظوراً السؤال عن بيع أكثر من 30 مليون متر مربع من أرض لبنان لمجهولين، فضلاً عن أرقام أخرى مستورة ومقنعة. وهي مساحات يؤكد الخبراء أنها تمثّل أكثر من ثلاثين في المئة من الأراضي القابلة للسكن في بعض الأقضية المستهدفة. وباسم العدالة الدولية، بات يتحصن السنيورة ليرفض علناً في مجلس الوزراء أن يطبق قانون تملك الأجانب، ولو لمنع خليجي واحد من تحقيق نصف مليار دولار أميركي ربحاً غير مشروع في مضاربة عقارية واحدة.
وباسم العدالة بات السؤال عن أكثر من 18 مليار دولار منهوبة في ردميات سوليدير، نوعاً من الاشتراك في جريمة 14 شباط. وباسم المحكمة الدولية تكرس واقع «سوكلين» التي حوّلت نفاياتنا ذهباً في جيوب خاصة. والواقع نفسه في المنطقة الحرة في مطار بيروت، وفي الخلوي المطلوب حشره بين النهب أو الضرب، وفي الغاز الممنوع كرمى لمشروع السلطنة العثمانية الجديدة.
لم يجب الحريري أو السنيورة مرة واحدة، عن العلاقة بين قرار بلمار، وبين أن يكون نقص في رصيد سلفات الخزينة نحو 5,2 آلاف مليار ليرة لبنانية، وأن تُفقَد 451 حوالة دفع بمئات المليارات الأخرى، وأن يؤكد تقرير رسمي أن مجلس الإنماء والإعمار «يسهو» عن 300 مليون دولار في واحد من حساباته، وأن يستبيح وزراء المال بالوثائق والأرقام موجودات صندوق أسود بـ32 مليار ليرة، وأن تعطى «مكرمة» حريرية خلافاً لأي قانون، لحاجب مكتب السنيورة قيمتها 135 مليون ليرة، و«مكرمة» مماثلة لسكرتيرة أزعور قيمتها 93 مليوناً.
لم يوضحا لنا قط، الترابط بين مصطفى بدر الدين وأن يطمس مصير إيرادات مسجّلة زوراً بأكثر من 500 مليار ليرة، وألا تسجل هبات بقيمة تصل إلى 6000 مليار ليرة، وأن تضيع سلفات خزينة بقيمة تتجاوز 8000 مليار ليرة، وأن يكون فروق في احتساب القروض بنحو 9000 مليار ليرة، وأن تختلس أكثر من 250 مليون دولار في مديرية القيمة المضافة في وزارة المال...
جريمة الحريري الابن، أنه ربط بين محاولته تبييض كلّ هذه وأكثر، وبين سعيه إلى «تسويد» خصم سياسي. جريمته أنه جعل اللبنانيين أمام معادلة وحيدة: إما أن تُقتلوا جميعاً، وإما أن تكونوا قتلة. فمن يُسمعه الجواب المطلوب: لم نقتل والدك، ولن تقتلنا؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018