ارشيف من :أخبار لبنانية

المقاومة والطائفية في لبنان: إطار للنقاش

المقاومة والطائفية في لبنان: إطار للنقاش
عبد الحليم فضل الله - صحيفة "السفير"

العلاقة بين المقاومة والمسألة الطائفية هي إشكالية حديثة نسبياً، فتاريخ المنطقة لم يكن مشوباً بالانقسام المذهبي والديني إلى هذا الحد، وأقيمت التناقضات إلى ما قبل عقد من الآن على أسس سياسية، كالموقف من المشروع القومي مثلاً، وكالعلاقة مع أحد قطبي الصراع أثناء الحرب الباردة. وأول مرة تعرضت فيها إحدى فصائل المقاومة في تاريخ الصراع مع العدو لممانعة طائفية، كان في لبنان على إثر اتفاق القاهرة، لكن في سياق انقسام لبناني بشأن قضايا مختلفة وفي ظل نزاعات عربية متشابكة.

وهناك أكثر من رأي عن العلاقة بين النضال التحرري والبيئة الاجتماعية التي ينبثق منها.. بين من يرى أن المقاومة كما الثورة، فعل اجتماعي يقوم على التضامن ويتطلب إجماعاً نضالياً، وإلا فقد زخمه وزادت العوائق والعقبات المزروعة في سبيله، وبين من يعتقد أن غياب التنوع يحبط القوى الحيوية ويمنع انتقالها من مرحلة الكمون إلى مرحلة الفعل، وهي التي تنبثق في المجتمعات التعددية مستفيدة من فراغات القوة بين الجماعات. فضلاً عن أن التجانس الاجتماعي أو طغيان مجموعة على ما عداها، يولد نسقاً مهيمناً ثقيل الوطأة، سمح في بلدان عربية عدة، بإقامة نصاب السلطة على قدر مبالغ فيه من الشمولية والاستبداد. فكان ذلك سبباً في عرقلة نمو التجارب السياسية، وحال دون تطور القوى الاجتماعية نفسها.

ولدينا أكثر من فرضية بشأن إشكالية المقاومة والتنوع الطائفي، آخذين بعين الاعتبار أنها مرت بمحطات متعددة، لكن أمرها آل إلى حزب الله، فطُبعت بطابعه وتحققت على يديه انجازاتها الرئيسية. أولى الفرضيات أن انتماء المقاومة الإسلامية إلى بيئة ثقافية ودينية واضحة المعالم، لا يعني أنها جزء من النظام الطائفي ووسيلة من وسائله، فالزمن السياسي للمسألة الطائفية هو غيره زمن المقاومة.

والفرضية الثانية هي أن الطابع الديني لحزب الله لم يكن سبباًً في تطييف المقاومة، بل إن أولويتها عنده سرعت اندماجه في النسيج اللبناني، وأعادت تركيب نظام القيم في بيئته الخاصة على صورتها وبما يتناسب مع التحديات التي تواجهها.

وما شهده لبنان من أحداث وتطورات في الأعوام الستة الأخيرة يؤكد الفرضيتين الآنفتين ولا ينفيهما، على الرغم من الالتباسات المذهبية والانقسامات السياسية التي حاصرت المقاومة. هذه الأحداث لم تكن نقلة مألوفة على طريق المسألة الطائفية في لبنان، بل طفرة دفعت بها من موقع إلى أخر، في سياق صراع إقليمي قاسٍ. فقد واجهت المقاومة منذ انطلاقتها عام 1982 الوجه التقليدي للطائفية ذات الجذور المحلية، ونجحت في التكيف معها، وكان التفاهم مع التيار الوطني الحر بمثابة الذروة في المصالحة التدريجية بين المقاومة والتنوع اللبناني. لكن منذ غزو العراق وما بعده نواجه مسألة طائفية وافدة، إقليمية المنحى وترتبط بمواقف وآراء منظومة دول وجدت أنّ من مصلحتها اعتماد الفروقات المذهبيّة تكتيكاً في الصراع، ما يعوضها كذلك عن شرعية وطنية وقومية ناقصة. أي أننا انتقلنا من مسألة طائفية ذات وجه سياسي إلى مسألة سياسية ذات لون طائفي ومذهبي.

ليست الطائفية في لبنان انتماء أو هوية فحسب، بل مؤسسة ذات هرمية تتوزع الوظائف والأدوار داخلها على نحو مرسوم ومقدر، وإذا كان إدراك التباينات، لا التباينات بحد ذاتها، هو الذي يولد النزاعات كما يقال، فإن الصراعات الأهلية في لبنان لها علاقة برضى الطوائف عن المكاسب التي يمنحها لها النظام. وبما أنّ الوظيفة الأساسية للمؤسسة الطائفية هي إدارة التنوع وحراسة الصيغة، التي وضعت في أوقات سابقة ضمن توازنات انقضى زمانها، فهذا يجعل النظام الطائفي منتجاً للازمات أكثر مما يولده من حلول. هو يفلح في بت النزاعات التي ترتبط مباشرة بقضايا السلطة على المدى القصير وضمن تسويات باهظة، لكنه يعجز في المقابل عن حل المشكلات الأكثر عمقاً المرتبطة بقضايا الدولة، كقضية الاحتلال، التي كان لا بد من إيجاد حل لها خارج النسق السياسي الداخلي، الذي لو ترك الأمر له لتعايش طويلاً مع الاحتلال تعايشه الدائم مع نقص السيادة.

لقد كانت المقاومة هي ذلك الحل الذي يدور في مجال مختلف عن مجال عمل المؤسسة الطائفية. فهذه تنظر إلى المعضلات والقضايا الوطنية من زاوية المصالح الآنية، وتُحصي مكاسبها وخسائرها من خلال قياس أحوال الحاضر على الماضي الذي يحتضن بنظرها نقطة الارتكاز والاستقرار. ولأنها نزعة ماضوية لم تستطع إدراك ما يجري حولها من تحولات كبيرة. لقد أخفقت المؤسسة الطائفية في التفاعل مع الموجات الجماهيرية التي مرت على المنطقة في القرن الماضي، وغضت الطرف عن قضايا التحرر الوطني التي كانت الشغل الشاغل لمعظم البلدان العربية ومجتمعاتها، ولم تدل بدلوها في جدال التحديث والتنمية والوحدة الذي ثارت ثائرته في مرحلة ما بعد الاستقلال، ولم تدرك إلا متأخرة أن سعيها الدؤوب لإضعاف البعد العربي في هوية لبنان عبر زجه في حياد مزعوم، أفضى إلى جعله ورقة مساومة في النزاعات العربية الشائكة. المقاومة، بالمقابل، اتجاه يبحث عن نقطة ارتكاز جديدة في المستقبل، وهي قامت أصلاً على أساس أن هناك صلة لا يمكن تجاهلها بين المسألة الوطنية والمسالة العربية، وبين البيئتين الداخلية والخارجية، ولأنها كذلك هي أكثر تفاعلاً وإدراكاً لما يدور حولها، وأعلى مرونة في تلقف فرصها وتحاشي مخاطرها.

من ناحية ثانية، اهتمت الطوائف منذ الاستقلال وإلى الآن بقضايا السلطة لا بقضايا الدولة، فالسلطة بالنسبة إليها آلية توزيع للنفوذ والمكاسب، بينما الدولة بطبيعتها المكان المناسب لتوليد الخيارات الوطنية وصيانة الهوية الجماعية الواحدة. وفي حين تفصل الممارسة السلطوية بين العمل السياسي من ناحية، وقضايا السيادة والهوية والانتماء من ناحية ثانية، فتبدي تشدداً في الأولى وتساهلاً منقطع النظير في الثانية، فإن الأداء «الدولتي» يربط بينهما ربطاً محكماً. لقد التزمت المقاومة بمسائل الانتماء والسيادة أكثر من المسائل الأخرى، فكانت ممارسة دولة لا ممارسة سلطة، ونزعة مضادة للمزاج الطائفي الشغوف بالنفوذ، والحريص على أن لا تبلغ الدولة مبلغاً من القوة يقلل قدرة الطوائف على استتباع جماعاتها، ولا مبلغاً من الضعف تفشل معه هياكلها في تشغيل آلة المحاصصة.

لقد استمدت المؤسسة الطائفية قوتها أيضاً من تطابق الانقسامات السياسية والاجتماعية مع الانقسام الطائفي، فتمكنت من الاستحواذ على النظام، لكن القضايا الوطنية المشتركة نجحت في خرق هذا التطابق عندما أوجدت التزاماً سياسياً يتقاطع مع انتماءات فرعية متباينة. ومن شأن ائتلاف الالتزامات المتقاطعة كقضية المقاومة والإصلاح أن يجعل المساحات المشتركة بين الطوائف أوسع من المساحات الخاصة بكل طائفة على حدة.

على ان المؤسسة الطائفية ليست انتماءً أولياً مجرداً، بل هي ديناميكية تعيق تداول السلطة وتبطئ نمو المجال السياسي، وهو ما يزيد قوة الطوائف، التي يتضخم وزنها مع تقلص مسرح السياسة. وعلى العكس من ذلك ساهمت المقاومة في توسيع نطاق هذا المسرح من خلال القضايا الجديدة التي فرضت الاهتمام بها، ومنها على نحو خاص قضايا الأمن القومي والتوازن الاستراتيجي التي لم تكن تشغل بال أحد من صانعي السياسة. وكان من نتائج خوض اللبنانيين اتفاقاً واختلافاً في هذه المسائل الجديدة أن صارت العوامل السياسية متفوقة على العوامل الطائفية في تلوين الخارطة السياسية.

لكن لحظة التغيير السياسي لن تأتي إلاّ مع توفر شرطين: عجز الصيغة الراهنة من ناحية عن إيجاد حلول للمشكلات المتتالية (على غرار الانقباض الدستوري والسياسي الذي يواجهه النظام اليوم)، واتساع نطاق الثقافات السياسية داخل الطوائف من ناحية ثانية والتي لا تدور حول مبدأ الصراع أو التنافس مع الطوائف الأخرى. إنّ بوسع هذه الثقافات الفرعية زج الجمهور الأهلي في مسائل الإصلاح الوطني كما نجحت في تجنيده في النضال التحرري، وهي التي ستتيح للجماعات اللبنانية التأكد من أن مصلحتها على المدى البعيد تتطابق ولا تتعارض مع المصلحة الوطنية العامة.
2011-07-02