ارشيف من :أخبار لبنانية
كلمة النائب الدكتور حسن فضل الله خلال مناقشة البيان الوزاري
لربما هي واحدة من
ميّزات نظامنا السياسي في لبنان على ترهله ومشكلاته، أن نرى على مقاعد النّواب من
كان بالأمس وزيراً، ومن بين المعترضين من كان للحكومة رئيساُ. صحيح أنّ وقعها ثقيل
وثقيل على من توهّم أنّها آلت إليه ولن تؤول إلى سواه وأنّ البعض يتجرّع مبدأ تداول
السلطة غصصاً وكأنه السم الزعاف.
غضبٌ أسود على التكليف، وحنق على التشكيل، وتحريض لحكومات العرب والغرب وكأنه استدعاء لأساطيل الأرض لحصار بيروت وحكومتها على ثقة محسومة.
ألأجل السلطة ما عاد الخلاف محليّاً، والمنازلة بعيدة عن أصول اللعبة الديموقراطية، ليتم استحضار التدخل الأجنبي، عودٌ إلى سيرة أولى، وكأن الذاكرة مثقوبة، فالأساطيل كانت هنا على شواطئ بيروت وهُزمت، والدبابات الإسرائيلية عبرت إلى شوارع عاصمتنا لكنها فرّت مذعورة ولن تعود وإن عادوا عدنا.
ألأجل السلطة كلُ هذا الصراخ بالويل والثّبور على ملك ضائع ومفقود. حال لا تسرُّ ربما النّاظر إليها، أو الموهول، لكن مابين ذين وذين نصيحة لوجه الله، لا عادة ترويضها علها تسلك مسلك الروح الرياضية في تقبل إرادة الشعب وممثليه، بدل تسلية النفس أو تعزيتها بحديث عن الضغوط والترهيب وما شابه، وأنتم تعلمون أن الجهات والشخصيات الوطنيةأخذت قرارها بملء إرادتها في تصويب المسار الوطني وإعادة رسمه بما يحمي الوحدة والتنوع.
فالموقف المعلن ضد الحكومة سابق لبيانها الوزاري أو لمقاربتها لملفات الخلافية بل سابق للتأليف، وما يوم غضبهم ببعيد. هو موقف مبدئي ضد أن يكون أي أحد على رأس حكومة إلاّ الحاكم الأوحد. فالنقاش هو خارج البيان الوزاري حتى لو أُقر كل ما يطلبون، إنّه نقاش في الجوهر كيف يتجرأ أحد على منازعة احد على كرسي وكأنها كرسي الإمارة والسلطنة، الإمارة ما عادت تصلح في غير لبنان، فكيف في بلد التنوّع وتداول السلطة والنظام البرلماني الديموقراطي.
لربما من المرّات النادرة التي تتشكّل في لبنان حكومة وطنيّة بإرادة لبنانية بعيداً عن أيّ يدٍ خارجية طالما اعتادت أن تمتدّ إلى التأليف وعناوين الحقائب والحصص وأسماء الوزراء، فكان من الطبيعي أن تأخذ وقتها لتبصر النور ومجالها لإعداد بيانها الوزاري، ولأنّها كذلك كانت الخيبة الأولى أميركية، خيبة مشفوعة بالآهات والأسف، ربما لأن السفارة الأميركية في بيروت لن تجد على موائدها في أزمنة المحن والابتلاءات ضيوفاً يتهامسون على بني جلدتهم،وسينبت الشوك على الوجنات الأمريكية، والطائرات الأميركية تفتُك بوجوه أطفالنا، أو ستجد السفارة صعوبة بالغة في العثور على من يزوّدها بالتقارير اليومية عن أدق تفاصيلنا الداخلية، أو من يتبرّع لها بما جمعه من معلومات عن المقاومة أو يقدّم خرائط وإحداثيات عن أسلحة المقاومة السلكية واللاسلكية، أو من يحرّضها على حرب إسرائيلية ضروس تجتاح القرى والبلدات وتدمّر البُنى التحتية لتقضي على المقاومة، بل ربما لأنها لن تجد شركاء من داخل السلطة يوفّرون لها أي تغطية لتمرير اتفاقات أمنية مع قوانا الأمنية، اتفاقات معيارها استهداف عقيدة هذه القوى والتحريض على المقاومة. واللائحة تطول وقد ضجت بها وثائق ويكيليكس من دون أن يرف للمتوّرطين فيها أي جفن.
نعم لأنها حكومة لبنانية مئة بالمئة كانت الخيبة في واشنطن مدوية، وعلا صراخ السفيرة هنا.
ولأنها حكومة لبنانية خالصة أمامها مسؤوليات كبيرة، وعليها آمال اللبنانيين معلّقة لينعموا بسنوات سمان. بعد ستِّ سنواتٍ عجاف، مددنا فيها اليدَ طويلا وفتحنا القلب واسعاً، وقلنا تعالوا رغم كل الجراح، نبني بلدنا سوياً، تجاوزنا آلام الحرب وما دار في الغرف المغلقة، المفضوحة لاحقاً في ويكيليكس. لكن فريقاً فضّل أن يرهن نفسه وبلده لمصالح الدّول على مصلحته الوطنية، لم نترك فرصةً إلاّ وحاولنا أن نستفيد منها، كشعبٍ واحدٍ لبلدٍ واحدٍ لمصلحةٍ وطنيةٍ واحدةٍ، من حكومة العام 2005 التي انقلبت على الطائف والميثاق وأسس سلوك القيّمين عليها لشقاق وطني، إلى حكومات الوحدة الوطنية ولم نلقَ إلاّ صدوداً وتعنّتاً وطعناً في الظهر، وكلّ ذلك لحسابات خارجية، ولحساب الهيمنة والاستئثار والتسلّط .
وظلت اليد ممدودة نعض على الجراح ونقول تعالوا إلى العمل معا، على قاعدة حفظ لبنان، وتنوّعه ونظامه الحر، وظلّت في المقابل الحسابات الخارجية وحساب السلطة، هو المعيار.
ثمن السلطة بالنسبة للبعض يرخص دونه كل شيء، أليس هذا منطوق الالتزامات والاشتراطات فيما عرف بالورقة القطرية التركية، فعلام الضجيج والصراخ.
نعم الإرث ثقيل، فما خلفته السنوات العجاف تنوء بحمله الجبال.
اللائحة تطول. المال العام حدّث ولا حرج والأرقام المهدورة والمسلوبة تناطح السحاب، وملف التعويضات عن جرائم إسرائيل في تموز فيه كلام وكلام، يعرفه من سوّلت له نفسه أن يمد يده إلى مالٍ أصحابه أشلاؤهم ممزقة وبيوتهم مهدمة، ولكنهم لم يزحفوا إلى القصور والسرايات طلبا للمعونة، فهؤلاء أهل النخوة والعنفوان.
مال يصدق عليه قول كأنه صيح فيه نهبا، أما في إدارات الدولة فقد استبيحت القوانين والتوازنات، والنظم والتراتبية الوظيفية، ولو حكي أن الموظّف صار أميراً والوزير سجين بيته أو من وزارته مطرودا، لقيل أنها من حكايات الأزمنة الغابرة تحكيها الجدات على عتبات البيوت العتيقة، لكنها في لبنان كانت من سلوكيات الحكومات الغابرة.
نعم هو ارث ثقيل تحمله هذه الحكومة عن السنوات الست العجاف، في السلاح والمحكمة لنا كلام وكلام.
نحن نعتز ونفاخر بانتمائنا إلى السلاح المقاوم وبأننا حزب السلاح المقاوم.
نحن أبناء الحدود لنا حكاية تمتد مع الزمن ، نرشفها مع أول قطرة ماء،منذ كان آباؤنا والأجداد ييمّمون وجوههم نحو فلسطين، موطن هجرتهم من غزوات الاستعمار في العشرينيات، ومحل عملهم قبل أن تسقط في يد الغزاة، ومذ ذاك انقلبت صورة الحياة على ضفة الحدود، رائحة الموت في كل مكان حرق الحقول والبيوت واحتلال القرى مواجع تتكرر في كل مناسبة، بيوتنا ونحن بعد أطفال كانت على رؤوسنا نتيه بها في الحقول والوديان، أمّا الحاكمون هنا في بيروت وحيث لا يصل صوت الطائرة والمدفع فمشغولون. بما هو أولى لهم.
كما قال الشاعر آنذاك :
يا للجنوب يموت في ماساته
ويد الغزاة تصب نار جحيمها يوما فيوما والبيوت لحود
من فوقه والحاكمون هجود
غابت الدولة الراعية والحامية، فاحتمى أبناء الحدود بأرضهم التي صارت هي القضية ومهوى سلاح. يقاتل الرجال وينخرطون في مقاومة تلو مقاومة، وأيدي النّساء تبتل في الأرض تزرع حبيبات العطاءوتنزع الأوجاع، وترتفع من بين قاماتهم أسماء لقادة وشهداء تزيّن القرى من تلال عيناثا وهي بلدتي إلى بنت جبيل وعيثرون ومارون والطيبة، ومن الناقورة إلى شبعا. هي بالنسبة إلينا ليست مجرّد أسماء أو تواريخ، صارت جزء من هويتنا، بل دخلت في صلب ثقافتنا حتى تخاوت مع آلامنا وجراحاتنا والسلاح، مقاومة أمكن لها أن تحرّر وتحمي وترعى لتنقلب صورة الحياة مرة أخرى على ضفة الحدود، في كل لبنان،لولاها لكان شارون لا يزال يرقد في قصر بعبدا، والموازنة بالشّيكل، والسياحة إلى نهاريّا، وكثيرون منّا في مخيمات اللاجئين. لأجل هذا صارت البندقية التي هي اليوم صاروخ ومدفع وعبوة وأسلحة أخرى لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم صارت فرض الصلاة وشتلة التبغ وسنبلة القمح.
هذا هو سلاحنا يحمي مع الجيش الشعب المختلف معه والمؤتلف، لأن إسرائيل عدو لكل الشعب، هذا السلاح شرف لبنان وعزّ العرب، هكذا نفهمه ونتعاطى مع من يستهدفه .
لكن ألا من يخبرنا عن السلاح الآخر، قيل لنا يوماً أنهم لا يملكون إلاّ سلاح القلم، كنّا نظن أن قلم الرصاص لا يطلق ناراً، فإذا به صار يشعل اشتباكات، ألم يستقبل رئيس الحكومة والوزراء في طرابلس بالسلاح، ألم يسقط ضحايا أبرياء في تلك المدينة؟ ألم تمتلئ الشاشات بصور القناصة يوما في بيروت؟ ألم تنبّئنا ويكيليكس عن التدريبات وشراء السلاح، الم تنتشر المجموعات المسلحة باسم الشركات الأمنية، ولن أتحدث عن السلاح الرسمي الذي وظف لحساب قوى سياسية واللائحة تطول. نعم هذا سلاح يجب أن يزول وكل السلاح يجب أن تكون وجهته الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل.
أما في المحكمة.
نعم الحقيقة كانت محل إجماع ولا تزال، والموافقة المبدئية على تشكيل المحكمة التزمها مؤتمر الحوار الوطني، وهو ما قالته الحكومة الحالية في بيانها الوزاري. لم تستغرق المناقشة في مؤتمر الحوار للموافقة على المحكمة سبع دقائق فلماذا لم توافقوا لمن قبل معكم بمبدأ المحكمة على إعطائه مهلة يومين لمناقشة نظام المحكمة وفرطُّتم بالإجماع الوطني وضربتم به عرض الحائط ، ألا يفترض بالحريص على الحقيقة أن يكون أشدّ حرصاً على الإجماع حولها؟ واستبدلتم القرار الوطني بإنشاء المحكمة وفق الأصول الوطنية والدستورية بقرار أميركي يتبنّاه مجلس الأمن. ألم تفضح الكتب الموثّقة في باريس عن الرؤساء وويكيليكس المرامي والأهداف ومن كان وراء لجنة التحقيق الدولي والمحكمة، إسألوا أنفسكم وأنتم تعرفون الجواب لأي أمرٍ مريب بيّت الانقلاب على الإجماع وهربت المحكمة لتصبح أداة طيعة في يد المتربّصين بلبنان.
أما في القرار الاتهامي ومذكرات التوقيف: فإن التسريب هو جزء من كينونة المحكمة، ومادّة للتوظيف الأمني والبيع والشّراء، ورأيناه بالصوت والصورة، ومع ذلك لم تحرّك المحكمة ساكنا، وأيضاً فإنه من الطبيعي أن يسبق الإعلام الإسرائيلي صدور القرار فيبثّ الخبر مع الأسماء المستهدفة، فجهازهم الأمني شريك في الإعداد لهذا القرار الاتهامي، أمّا في لبنان فمن سرّب المعلومات وحدد الأسماء ونشرها في وسائل الإعلام محليّا وعربيّا، هل كان ذلك عمل إعلامي أم أمني.
الصور البيانات التفصيلية عن المستهدفين، والتوقيت الموحّد والعبارات المنتقاة، بثّت نهاراً جهاراً، ومع ذلك المحكمة سريّة والتحقيق لا أحد يعرف فيه والقرار سريّ وما شابه.
نحن نعرف أنّ جهازاً امنياً لبنانياً وزّع هذه التفاصيل على أشخاص محددين عشية صدور القرار، لأن القرار صنيعة الدّول والأجهزة، وليس وليد عملية قضائية، والذي لديه ما لديه من وثائق عن المحكمة وتسيُّسها وفضائحها. لديه ما لديه عن التسريب المتعمّد لقرار اتهامي هادف ومسيّس.
أمرٌ آخر في القرار الاتهامي: قالوا أن لهم عقولا ستدقق وتتفحص أي قرار اتهامي وستنظر إلى الأدلة والبراهين، وعندما ترى أي شائبة، سيكون لها موقف. ممّا قيل على ألسنة كبار القوم، عندما يصدر القرار الظنّي ينبغي أن يستند إلى معطيات ثابتة يتقبّلها العقل والقانون، أو سنرفض أي قرار ظنّي في حال لم يقترن بالأدلة والإثباتات والوقائع المقنعة، إذا تبين أن القرار غير مبني على أدلة ثابتة فلن تتم الموافقة عليه، وهذه مواقف مقتبسة فأين ذهبت هذه العقول والقرار كما تدّعي لم تطّلع عليه، ومع ذلك تبنّته بالكامل، فهل تاهت بها سكرة القرار المفبرك ما بين بيروت وواشنطن ولاهاي؟ فمتى تأتي الفكرة. وقيل لنا أن المكان الطبيعي لكل الاعتراضات يكون في المحكمة، دعوة تشبه ادعاء سلطات الاحتلال أن المعتقلين الفلسطينيين يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أمام المحاكم الإسرائيلية لإنصافهم، متى أنصف الجلاّد ضحيته؟. أمّا للمدعي العام السيد بلمار، نحن نوافقه الرأي، أن لديه فريقاً محترفاً متخصصاً، ومدرّباً، وخبرته الأمنية عالية في مجال تعقّب المقاومين وملاحقتهم، لكن تجربته مع المقاومة كانت دائما فاشلة، فهو يلاحق مقاومين مطلوبين لإسرائيل منذ زمن طويل كما قلتَ يا دولة الرئيس، لكنّها منذ عام 1982 فشلت في طلبها، ولئن عجزت إسرائيل باستخباراتها وعملائها أن تصل إليهم فلن تصل أي أداة أخرى ولو سمّيت محكمة.
غضبٌ أسود على التكليف، وحنق على التشكيل، وتحريض لحكومات العرب والغرب وكأنه استدعاء لأساطيل الأرض لحصار بيروت وحكومتها على ثقة محسومة.
ألأجل السلطة ما عاد الخلاف محليّاً، والمنازلة بعيدة عن أصول اللعبة الديموقراطية، ليتم استحضار التدخل الأجنبي، عودٌ إلى سيرة أولى، وكأن الذاكرة مثقوبة، فالأساطيل كانت هنا على شواطئ بيروت وهُزمت، والدبابات الإسرائيلية عبرت إلى شوارع عاصمتنا لكنها فرّت مذعورة ولن تعود وإن عادوا عدنا.
ألأجل السلطة كلُ هذا الصراخ بالويل والثّبور على ملك ضائع ومفقود. حال لا تسرُّ ربما النّاظر إليها، أو الموهول، لكن مابين ذين وذين نصيحة لوجه الله، لا عادة ترويضها علها تسلك مسلك الروح الرياضية في تقبل إرادة الشعب وممثليه، بدل تسلية النفس أو تعزيتها بحديث عن الضغوط والترهيب وما شابه، وأنتم تعلمون أن الجهات والشخصيات الوطنيةأخذت قرارها بملء إرادتها في تصويب المسار الوطني وإعادة رسمه بما يحمي الوحدة والتنوع.
فالموقف المعلن ضد الحكومة سابق لبيانها الوزاري أو لمقاربتها لملفات الخلافية بل سابق للتأليف، وما يوم غضبهم ببعيد. هو موقف مبدئي ضد أن يكون أي أحد على رأس حكومة إلاّ الحاكم الأوحد. فالنقاش هو خارج البيان الوزاري حتى لو أُقر كل ما يطلبون، إنّه نقاش في الجوهر كيف يتجرأ أحد على منازعة احد على كرسي وكأنها كرسي الإمارة والسلطنة، الإمارة ما عادت تصلح في غير لبنان، فكيف في بلد التنوّع وتداول السلطة والنظام البرلماني الديموقراطي.
لربما من المرّات النادرة التي تتشكّل في لبنان حكومة وطنيّة بإرادة لبنانية بعيداً عن أيّ يدٍ خارجية طالما اعتادت أن تمتدّ إلى التأليف وعناوين الحقائب والحصص وأسماء الوزراء، فكان من الطبيعي أن تأخذ وقتها لتبصر النور ومجالها لإعداد بيانها الوزاري، ولأنّها كذلك كانت الخيبة الأولى أميركية، خيبة مشفوعة بالآهات والأسف، ربما لأن السفارة الأميركية في بيروت لن تجد على موائدها في أزمنة المحن والابتلاءات ضيوفاً يتهامسون على بني جلدتهم،وسينبت الشوك على الوجنات الأمريكية، والطائرات الأميركية تفتُك بوجوه أطفالنا، أو ستجد السفارة صعوبة بالغة في العثور على من يزوّدها بالتقارير اليومية عن أدق تفاصيلنا الداخلية، أو من يتبرّع لها بما جمعه من معلومات عن المقاومة أو يقدّم خرائط وإحداثيات عن أسلحة المقاومة السلكية واللاسلكية، أو من يحرّضها على حرب إسرائيلية ضروس تجتاح القرى والبلدات وتدمّر البُنى التحتية لتقضي على المقاومة، بل ربما لأنها لن تجد شركاء من داخل السلطة يوفّرون لها أي تغطية لتمرير اتفاقات أمنية مع قوانا الأمنية، اتفاقات معيارها استهداف عقيدة هذه القوى والتحريض على المقاومة. واللائحة تطول وقد ضجت بها وثائق ويكيليكس من دون أن يرف للمتوّرطين فيها أي جفن.
نعم لأنها حكومة لبنانية مئة بالمئة كانت الخيبة في واشنطن مدوية، وعلا صراخ السفيرة هنا.
ولأنها حكومة لبنانية خالصة أمامها مسؤوليات كبيرة، وعليها آمال اللبنانيين معلّقة لينعموا بسنوات سمان. بعد ستِّ سنواتٍ عجاف، مددنا فيها اليدَ طويلا وفتحنا القلب واسعاً، وقلنا تعالوا رغم كل الجراح، نبني بلدنا سوياً، تجاوزنا آلام الحرب وما دار في الغرف المغلقة، المفضوحة لاحقاً في ويكيليكس. لكن فريقاً فضّل أن يرهن نفسه وبلده لمصالح الدّول على مصلحته الوطنية، لم نترك فرصةً إلاّ وحاولنا أن نستفيد منها، كشعبٍ واحدٍ لبلدٍ واحدٍ لمصلحةٍ وطنيةٍ واحدةٍ، من حكومة العام 2005 التي انقلبت على الطائف والميثاق وأسس سلوك القيّمين عليها لشقاق وطني، إلى حكومات الوحدة الوطنية ولم نلقَ إلاّ صدوداً وتعنّتاً وطعناً في الظهر، وكلّ ذلك لحسابات خارجية، ولحساب الهيمنة والاستئثار والتسلّط .
وظلت اليد ممدودة نعض على الجراح ونقول تعالوا إلى العمل معا، على قاعدة حفظ لبنان، وتنوّعه ونظامه الحر، وظلّت في المقابل الحسابات الخارجية وحساب السلطة، هو المعيار.
ثمن السلطة بالنسبة للبعض يرخص دونه كل شيء، أليس هذا منطوق الالتزامات والاشتراطات فيما عرف بالورقة القطرية التركية، فعلام الضجيج والصراخ.
نعم الإرث ثقيل، فما خلفته السنوات العجاف تنوء بحمله الجبال.
اللائحة تطول. المال العام حدّث ولا حرج والأرقام المهدورة والمسلوبة تناطح السحاب، وملف التعويضات عن جرائم إسرائيل في تموز فيه كلام وكلام، يعرفه من سوّلت له نفسه أن يمد يده إلى مالٍ أصحابه أشلاؤهم ممزقة وبيوتهم مهدمة، ولكنهم لم يزحفوا إلى القصور والسرايات طلبا للمعونة، فهؤلاء أهل النخوة والعنفوان.
مال يصدق عليه قول كأنه صيح فيه نهبا، أما في إدارات الدولة فقد استبيحت القوانين والتوازنات، والنظم والتراتبية الوظيفية، ولو حكي أن الموظّف صار أميراً والوزير سجين بيته أو من وزارته مطرودا، لقيل أنها من حكايات الأزمنة الغابرة تحكيها الجدات على عتبات البيوت العتيقة، لكنها في لبنان كانت من سلوكيات الحكومات الغابرة.
نعم هو ارث ثقيل تحمله هذه الحكومة عن السنوات الست العجاف، في السلاح والمحكمة لنا كلام وكلام.
نحن نعتز ونفاخر بانتمائنا إلى السلاح المقاوم وبأننا حزب السلاح المقاوم.
نحن أبناء الحدود لنا حكاية تمتد مع الزمن ، نرشفها مع أول قطرة ماء،منذ كان آباؤنا والأجداد ييمّمون وجوههم نحو فلسطين، موطن هجرتهم من غزوات الاستعمار في العشرينيات، ومحل عملهم قبل أن تسقط في يد الغزاة، ومذ ذاك انقلبت صورة الحياة على ضفة الحدود، رائحة الموت في كل مكان حرق الحقول والبيوت واحتلال القرى مواجع تتكرر في كل مناسبة، بيوتنا ونحن بعد أطفال كانت على رؤوسنا نتيه بها في الحقول والوديان، أمّا الحاكمون هنا في بيروت وحيث لا يصل صوت الطائرة والمدفع فمشغولون. بما هو أولى لهم.
كما قال الشاعر آنذاك :
يا للجنوب يموت في ماساته
ويد الغزاة تصب نار جحيمها يوما فيوما والبيوت لحود
من فوقه والحاكمون هجود
غابت الدولة الراعية والحامية، فاحتمى أبناء الحدود بأرضهم التي صارت هي القضية ومهوى سلاح. يقاتل الرجال وينخرطون في مقاومة تلو مقاومة، وأيدي النّساء تبتل في الأرض تزرع حبيبات العطاءوتنزع الأوجاع، وترتفع من بين قاماتهم أسماء لقادة وشهداء تزيّن القرى من تلال عيناثا وهي بلدتي إلى بنت جبيل وعيثرون ومارون والطيبة، ومن الناقورة إلى شبعا. هي بالنسبة إلينا ليست مجرّد أسماء أو تواريخ، صارت جزء من هويتنا، بل دخلت في صلب ثقافتنا حتى تخاوت مع آلامنا وجراحاتنا والسلاح، مقاومة أمكن لها أن تحرّر وتحمي وترعى لتنقلب صورة الحياة مرة أخرى على ضفة الحدود، في كل لبنان،لولاها لكان شارون لا يزال يرقد في قصر بعبدا، والموازنة بالشّيكل، والسياحة إلى نهاريّا، وكثيرون منّا في مخيمات اللاجئين. لأجل هذا صارت البندقية التي هي اليوم صاروخ ومدفع وعبوة وأسلحة أخرى لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم صارت فرض الصلاة وشتلة التبغ وسنبلة القمح.
هذا هو سلاحنا يحمي مع الجيش الشعب المختلف معه والمؤتلف، لأن إسرائيل عدو لكل الشعب، هذا السلاح شرف لبنان وعزّ العرب، هكذا نفهمه ونتعاطى مع من يستهدفه .
لكن ألا من يخبرنا عن السلاح الآخر، قيل لنا يوماً أنهم لا يملكون إلاّ سلاح القلم، كنّا نظن أن قلم الرصاص لا يطلق ناراً، فإذا به صار يشعل اشتباكات، ألم يستقبل رئيس الحكومة والوزراء في طرابلس بالسلاح، ألم يسقط ضحايا أبرياء في تلك المدينة؟ ألم تمتلئ الشاشات بصور القناصة يوما في بيروت؟ ألم تنبّئنا ويكيليكس عن التدريبات وشراء السلاح، الم تنتشر المجموعات المسلحة باسم الشركات الأمنية، ولن أتحدث عن السلاح الرسمي الذي وظف لحساب قوى سياسية واللائحة تطول. نعم هذا سلاح يجب أن يزول وكل السلاح يجب أن تكون وجهته الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل.
أما في المحكمة.
نعم الحقيقة كانت محل إجماع ولا تزال، والموافقة المبدئية على تشكيل المحكمة التزمها مؤتمر الحوار الوطني، وهو ما قالته الحكومة الحالية في بيانها الوزاري. لم تستغرق المناقشة في مؤتمر الحوار للموافقة على المحكمة سبع دقائق فلماذا لم توافقوا لمن قبل معكم بمبدأ المحكمة على إعطائه مهلة يومين لمناقشة نظام المحكمة وفرطُّتم بالإجماع الوطني وضربتم به عرض الحائط ، ألا يفترض بالحريص على الحقيقة أن يكون أشدّ حرصاً على الإجماع حولها؟ واستبدلتم القرار الوطني بإنشاء المحكمة وفق الأصول الوطنية والدستورية بقرار أميركي يتبنّاه مجلس الأمن. ألم تفضح الكتب الموثّقة في باريس عن الرؤساء وويكيليكس المرامي والأهداف ومن كان وراء لجنة التحقيق الدولي والمحكمة، إسألوا أنفسكم وأنتم تعرفون الجواب لأي أمرٍ مريب بيّت الانقلاب على الإجماع وهربت المحكمة لتصبح أداة طيعة في يد المتربّصين بلبنان.
أما في القرار الاتهامي ومذكرات التوقيف: فإن التسريب هو جزء من كينونة المحكمة، ومادّة للتوظيف الأمني والبيع والشّراء، ورأيناه بالصوت والصورة، ومع ذلك لم تحرّك المحكمة ساكنا، وأيضاً فإنه من الطبيعي أن يسبق الإعلام الإسرائيلي صدور القرار فيبثّ الخبر مع الأسماء المستهدفة، فجهازهم الأمني شريك في الإعداد لهذا القرار الاتهامي، أمّا في لبنان فمن سرّب المعلومات وحدد الأسماء ونشرها في وسائل الإعلام محليّا وعربيّا، هل كان ذلك عمل إعلامي أم أمني.
الصور البيانات التفصيلية عن المستهدفين، والتوقيت الموحّد والعبارات المنتقاة، بثّت نهاراً جهاراً، ومع ذلك المحكمة سريّة والتحقيق لا أحد يعرف فيه والقرار سريّ وما شابه.
نحن نعرف أنّ جهازاً امنياً لبنانياً وزّع هذه التفاصيل على أشخاص محددين عشية صدور القرار، لأن القرار صنيعة الدّول والأجهزة، وليس وليد عملية قضائية، والذي لديه ما لديه من وثائق عن المحكمة وتسيُّسها وفضائحها. لديه ما لديه عن التسريب المتعمّد لقرار اتهامي هادف ومسيّس.
أمرٌ آخر في القرار الاتهامي: قالوا أن لهم عقولا ستدقق وتتفحص أي قرار اتهامي وستنظر إلى الأدلة والبراهين، وعندما ترى أي شائبة، سيكون لها موقف. ممّا قيل على ألسنة كبار القوم، عندما يصدر القرار الظنّي ينبغي أن يستند إلى معطيات ثابتة يتقبّلها العقل والقانون، أو سنرفض أي قرار ظنّي في حال لم يقترن بالأدلة والإثباتات والوقائع المقنعة، إذا تبين أن القرار غير مبني على أدلة ثابتة فلن تتم الموافقة عليه، وهذه مواقف مقتبسة فأين ذهبت هذه العقول والقرار كما تدّعي لم تطّلع عليه، ومع ذلك تبنّته بالكامل، فهل تاهت بها سكرة القرار المفبرك ما بين بيروت وواشنطن ولاهاي؟ فمتى تأتي الفكرة. وقيل لنا أن المكان الطبيعي لكل الاعتراضات يكون في المحكمة، دعوة تشبه ادعاء سلطات الاحتلال أن المعتقلين الفلسطينيين يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أمام المحاكم الإسرائيلية لإنصافهم، متى أنصف الجلاّد ضحيته؟. أمّا للمدعي العام السيد بلمار، نحن نوافقه الرأي، أن لديه فريقاً محترفاً متخصصاً، ومدرّباً، وخبرته الأمنية عالية في مجال تعقّب المقاومين وملاحقتهم، لكن تجربته مع المقاومة كانت دائما فاشلة، فهو يلاحق مقاومين مطلوبين لإسرائيل منذ زمن طويل كما قلتَ يا دولة الرئيس، لكنّها منذ عام 1982 فشلت في طلبها، ولئن عجزت إسرائيل باستخباراتها وعملائها أن تصل إليهم فلن تصل أي أداة أخرى ولو سمّيت محكمة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018