ارشيف من :أخبار لبنانية
لام النيابي.. والصمم البنّاء
نصري الصايغ، السفير
جرعة تفاؤل إضافية، أسبغتها الجلسات الماراتونية في مناقشة البيان الوزاري، حيث كان النواب، يناقشون وينتقدون ويختلفون ويتهمون ويتشنجون ويناورون، بلغة خشبية أحياناً، استفزازية أحياناً أخرى، ودائما، من فوق منصة، وداخل مجلس النواب.
جرعة تفاؤل ضرورية، لأن العودة إلى المؤسسات، أفضل من الاقامة في الشارع، والكلمات في البرلمان، خيرٌ من اللكمات في الساحات. فبعض الديموقراطية يقضي بأن يكون المجلس، حضناً للاختلافات ووسيلة للعبور من النوايا والأقوال، إلى الأفعال والحلول.
جرعة تفاؤل أخرى، حضرت من داخل المجلس. فالقضايا التي أثبرت، هي في ذروة الصعوبة، وفي غاية الحساسية، وتشارف على أن تكون في موقع الخيانات المتبادلة. ومع ذلك، فقد وقع الكلام في مكانه، وتم تسجيله في متحف المحاضر.
ليس سهلاً العبور بسلام، عندما يتناول الخطاب السلاح المقاوم، ويهوي به إلى مطارح الاتهام، بالفتنة. مع محمول مضمر وخطير: السلاح شيعي والمعارض له سني.
لا، ليس سهلاً العبور بطمأنينة، عندما يعلو الكلام، ويصير مضبطة اتهام، تشير إلى مرتكبين مفترضين بجريمة اغتيال الحريري ورفاقه.
ليس سهلاً الانتقال، من الانفعال إلى الممرات العقلانية الضيقة، فتناقش المحكمة وتوضع بين قطبين: الأول يتهمها بتدبير اغتيال المقاومة، والثاني يتهم «الهاربين» منها، بأن مسلّة تنعرهم، لأن بعضا منهم، مدعوّ للمثول، للإدلاء بشهادته، عن فعلته.
ومع ذلك، فقد عبرنا بيسر، لأن «حكمة العجز» أفضل من «جرأة الامكان»، وما أقدم عليه النواب، كراً وفراً، ظل مقيداً بالأصول الديموقراطية البدائية: أنت تتكلم وأنا أسمع.
ولا نطمح إلى أكثر من ذلك. ولا نطمح إلا لتكريس قاعدة ضرورية: عودوا إلى المؤسسات ولا تخرجوا منها إلى الشارع. حاوروا بيزنطياً إن شئتم (والحوار الجاري عمره أكثر من 6 سنوات) ابحثوا في جنس السلاح، وفي جنس المحكمة، ولا تخرجوا من هذا المخدع، لأن الوليد، سيكون فتنة بشعة وقذرة وداعرة.
لا نطمح لأن يترجم هذا الكلام الذي قيل في المجلس. لأن لبنان الفينيقي، يحتاج إلى أبجدية سياسية غير طائفية، لم تتوفر لهجتها في النصوص اللبنانية. ولأن الرأي العام في لبنان، يمت بصلة وثيقة إلى القطعانية السائرة على غير هدى خلف رؤوسها الكبيرة. وأي كلام يقع في آذانها، منتقى سلفاً. فلا تأثير لخطاب سياسي، إلا حيث للخطاب آذان متلقية، معتادة على «حقائق» و«مبادئ» و«قيادات»، تشنف إصغاءها على هواها. ولذلك، فإن قيمة الكلام، انه ألقي في مكانه المحدد، ولا قيمة له خارجه. المجلس في وادٍ، والشعب في واديَيْه. والشذوذ قليل.
لا نطمح أن تحصل معجزة تجديد الخطاب السياسي اللبناني، المنطلق من رواسي طوائفية. ولا يمكن أن يصل لبنان إلى تكوين معنى جديد للبنان، لا يقوم على القسمة الأبدية، بين طوائفيات مفترسة. ولا قدرة للطبقة السياسية أن تبلغ مرتبة فهم الواقع اللبناني الراهن، الذي هو أساس وجوده الحالي وأساس مأساته المقيمة. فلبنان، دولة ومقاومة. وهذا لا وجود له في علم السياسات الكلاسيكية.. فإما دولة وإما مقاومة. وكان ممكنا ابتداع صيغة تعايش بين الدولة والمقاومة، على قاعدة الولاء للوطن، لولا صيغة «التكاذب المتبادل»، بين ذئاب الطوائف المفترسة، بأنيابها أو بأنياب حلفائها من الخارج.
لو أن لبنان وطناً، لسهل على مواطنيه تحديد العدو، وتبني وسيلة المقاومة. ولما كان لبنان «وطفا»، فمن الطبيعي ان يكون مصابا بالحوَل والعور. وعليه، حتى العدو الواحد للبنان، لم يوحد اللبنانيين مرة في تاريخه الحديث.
إلى أن نصل إلى لبنان الوطن، يبقى لنا أن نتمنى إبقاء النواب قيد الأسر في المجلس النيابي، مع ممارسة فضيلة الصمم البنّاء من قبل من يمارس عقيدة الانتظار.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018