ارشيف من :أخبار لبنانية

ملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن جرائم عدوان تموز وجرائم "الويكيليكس"

ملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن جرائم عدوان تموز وجرائم "الويكيليكس"

عدنان عضوم، السفير

في 20/9/2000 صدر عن مجلس الوزراء اللبناني قرار بتأليف لجنة لدراسة موضوع اقامة دعوى ضد العدو الاسرائيلي، بسبب الجرائم المتمادية التي ارتكبها ضد لبنان واللبنانيين، منذ العام 1982، وحتى العام 2006، لم تكن هذه اللجنة قد توصلت الى نتيجة عملية، ولم تحصل مقاضاة العدو الاسرائيلي، كما ان التقرير الذي وضعته اللجنة المذكورة أظهر تبايناً في وجهات النظر بين اعضائها، حول المواضيع القانونية المطروحة عليهم. ثم على أثر العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز 2006 عقد وزير العدل السابق الاستاذ شارل رزق اجتماعاً ضم اليه قضاة ونواباً ومحامين لدرس موضوع الملاحقة القضائية ضد اسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها في لبنان، والتي اعتبر المجتمعون انها جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، وجرائم ضد الانسانية، وأّعدّ بنتيجة الاجتماع ورقة عمل لمتابعة الموضوع. إلا انه لم يتم التوصل الى اتخاذ أي قرار جدّي من قبل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2006 وحتى اليوم بخصوص مقاضاة اسرائيل وحلفائها الذين عاونوها في اعتدائها، بتزويدها بالاسلحة الفتاكة والمدّمرة، وذلك لمعاقبتهم على الجرائم الوحشية والفظيعة التي ارتكبوها في لبنان اثناء عدوان تموز 2006، في حين استعجلت الحكومة اللبنانية طلب انــشاء محكمة ذات طابـــع دولي لمحاكمة المسؤولين عن اغتيال الرئيـس رفيق الحريري، لم يُراع في إنـــشائها الاصـــول الدســـتورية والقانونية، وارتُكـــبت مخالفات جمّة لتسريع قيامها بأعمالها.

الا ان هذا الموضوع عاد مؤخراً الى واجهة الاحداث المحلية في لبنان، على ضوء ما تضمنته وثائق ويكيليكس التي نشرتها جريدة «الاخبار» اللبنانية عن معلومات تشير الى تورط وزراء ونواب وشخصيات سياسية لبنانية وغيرهم في اعمال التحريض والاشتراك مع بعض المسؤولين الاسرائيليين والاجانب، في ارتكاب جرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية في بلدنا لبنان، بحيث طالب زعماء وسياسيون لبنانيون، ومواطنون متضررون، بملاحقة المسؤولين عن اقتراف هذه الجرائم الخطيرة. والسؤال القانوني المطروح هو عن المرجع القضائي المختص للنظر في هذه الجرائم، وما هي الاسباب القانونية التي تُبرّر هذا الاختصاص، والاسُس القانونية التي سترعى الملاحقة القضائية أمام هذا المرجع. والجواب على ذلك أن هناك خيارين أولهما القضاء الدولي وبالتحديد المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (نظام روما)، وثانيهما القضاء اللبناني الذي وقعت على ارضه هذه الجرئم وشملت مواطنيه والمقيمين على ارضه وأموالهم وممتلكاتهم وامــــوال وممتلكات الدولة اللبنانية التي دُمّر القسم الاكبر من بنيتها التحتية. وسنقوم بعرض الاسباب والاحكام والقواعد القانونية التي تطبق في كُلٍ من هذين الخيارين.

الخيار الأول: اختصاص لمحكمة الجنائية الدولية الدائمة (نظام روما).
أ ـ الجرائم المرتكبة في العدوان الاسرائيلي على لبنان في تمــــوز عام 2006 هي جرائــــم حرب وجرائم ضد الانســـانية تدخـــل في اختــصاص المحكمة الجـــنائية الدولية الدائمة.

عرّفت المادتان 7 و8 من نظام المحكمة الجنائية الدولية الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب التي تدخل في اختصاصها. وقد أجمعت تقارير منظمة العفو الدولية، ومنظمة "Human Right's Watch"، ومنظمات غير حكومية لحقوق الانسان لبنانية وأجنبية، وحتى رابطة حقوق الانسان في اسرائيل، التي نُشرت في وسائل الاعلام، ورُفعت الى الامم المتحدة، على أن الجيش الاسرائيلي ارتكب في عدوان تموز على لبنان جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية. وبالفعل فإن الاعمال الجرمية المذكورة في هذه التقارير تنطبق على المادتين السابعة والثامنة المشار اليهما اعلاه وهي:

أولاً القتل العمد والابعاد القسري للسكان.
وثانياً تعمّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين، ومواقع مدنية لا تشكّل اهدافاً عسكرية، وضد منشآت أو مركبات مستخدمة في مهمة المساعدة الانسانية او حفظ السلام.
وثالثاً تــــدمير الممتلكات والبنى التحتية المدنية من اجل تحقيق اهداف عسكرية وسياسية.
ورابعاً استعمال اساليب الترهيب والترويع بين السكان المدنيين.
وخامساً الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، والقــــوانين والاعــــراف الســـــارية على المنازعات الدولية المسلحّة، لا سيما لجـــهة نوع القنابل والاسلحة المستعـــملة من قبل الجيش الاســـرائيلي في العدوان على لبنان.

باء ـ الاجراء القانوني الواجب تنفيذه مسبقاً لممارسة المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها
لم تبرم الدولة اللبنانية المعاهدة الدولية لنظام روما وليست بالتالي طرفاً في نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية. الا أنه وتطبيقاً لاحكام المادة الثانية الفقرتين الثانية والثالثة من نظام هذه المحكمة يجوز للدولة اللبنانية قبول اختصاص هذه المحكمة في ما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي ارتُكبت على اراضيها خلال العدوان الاسرائيلي في تموز عام 2006. وذلك بموجب اعلان يودع لدى مسجل المحكمة بهذا الخصوص. وبعد اتمام هذه الاجراءات واستناداً الى المادة الثالثة عشرة فقرة جيم من نظام المحكمة يُصبح من حق المدعي العام لدى هذه المحكمة المباشرة في التحقيقات بخصوص هذه الجرائم، وذلك وفقاً للمادة الخامسة عشرة من هذا النظام التي تنص على اعطاء المدعي العام الحق بأن يباشر من تلقاء نفسه التحقيقات على اساس المعلومات المتعلقة بالجرائم المرتكبة والموثقة في التقارير التي وضعتها المنظمات الحقوقية الدولية الحكومية وغير الحكومية والمشار اليها اعلاه، على أثر عدوان تموز 2006 على لبنان، كون هذه الجرائم تدخل في اختصاص المحكمة. ويقوم المدعي العام الدولي بتحليل جدّية المعلومات المتلقاة. ويمكنه التماس معلومات اضافية من الدول او من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، او من أية مصادر اخرى موثوق بها. وإذا استنتج ان هناك اساساً معقولاً للشروع في اجراء تحقيق يقدّم المدعي العام الدولي طلباً الى الدائرة التمهيدية لدى المحكمة للإذن له بإجراء التحقيق ومن ثم تتّبع الاجــــراءات القـــضائية المنصوص عليها في نظام المحكمة للاتهام والمحاكمة.

بناءً على ما تقدم: يتوجب على الدولة اللبنانية إذا ارادت اعتماد خيار اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (نظام روما) أن تتخذ الاجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لقبول اختصاص القضاء الدولي المذكور، في ما يتعلق بالجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب المرتكبة في لبنان خلال العدوان الاسرائيلي في تموز عام 2006. ولما كان اختصاص المحكمة الجنائية الدولية المشار اليها بحسب نظامها الاساسي مكمّلاً للولاية القضائية الوطنية، فإن عدم قيام القضاء اللبناني لتاريخه بممارسة اختصاصه، أو مقاضاة المسؤولين عن الجرائم المذكورة اعلاه، يجيز للقـــــضاء الدولي المذكور، اعلان اختصاصه للنظر في هذه الجرائم وفــــقاً لنظام هـــذه المحكمة الجنائية الدولية والقواعــد الاجرائية وقواعد الاثبات المعتمدة لديها.

جيم ـ: قواعد المسؤولية الجنائية الفردية المطبقة على الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وفقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية الدائمة الاساسي.
سنداً لاحكام المادة 25 من نظام المحكمة الجنائية الدولية الاساسي المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الفردية يُسأل الشخص جنائياً، ويعاقب عن الجرائم التي تدخل في اختصاص هذه المحكمة في حال قيام هذا الشخص بما يلي:
- ارتكاب هذه الجريمة بصفته الفردية أو بالاشتراك مع آخر.
- الامر او الايعاز بارتكاب او الحث على ارتكاب جريمة.
- تقديم العون او التحريض او المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة الخ ...

سنداً لاحكام المادة 27 من النظام المذكور، ان الصفة الرسمية للشخص سواء كان رئيس دولة او حكومة، او عضواً في حكومة، او برلمان، او موظفاً حكومياً، لا تعفيه من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام، كما انه لا تحول الحصانات والقواعد الاجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص، سواء كانت في اطار القانون الوطــــني أو الدولي، من دون ممارســـة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص. وسنداً لاحكام المادة 28 من النظام المذكور فإن القائد العسكري يعتبر مسؤولاً جنائياً عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من القوات التي تخضع لامرته وسيطرته الفعليتين، نتيجة لعدم ممارسته سيطرته على هذه القوات ممارسة سليمة، وذلك ضمن شروط حدّدتها هذه المادة. كما ان الرئيس غير العسكري، يعتبر مسؤولاً جنائياً عن الجرائم المرتكبة من قبل مرؤوسين يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين، نتيجة عدم ممارسته سيطرته على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة، وهذا ما يعرف بمسؤولية الرئيس عن مرؤوسيه وهي بمثابة مسؤولية مفترضةresume.

بناءً على القواعد القانونية المشار اليها اعلاه فإن المحكمة الجنائية الدولية صاحبة الاختصاص لملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب المرتكبة اثناء العدوان الاسرائيلي في تموز 2006 اذا سلكت السلطة اللبنانية الخيار والشروط المطلوبة قانوناً ودستورياً المذكورة في مطلع الدراسة لتحقيق هذا الاختصاص، عندها يمكن ملاحقة جميع الآمرين والمحرضين والمرتكبين لهذه الجرائم، بدءاً من اسرائيل ودول اجنبية أخرى، عبر قادتها العسكريين وضباطها وجنودها، وكذلك العسكريين من دول أخرى، الذين تثبت مساهمتهم في ارتكاب هذه الجرائم، وكذلك القادة السياسيين في اسرائيل ودول أخرى الذين ساهموا او سهّلوا بأية وسيلة كانت بتحقيق هذه الجرائم، ولا يمكن لأحد منهم تثبت مسؤوليته أو مساهمته في هذه الافعال ان يتذرع بالحصانات او القواعد الاجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية لأي من هؤلاء الاشخاص، سواء كانت في اطار القانون الوطني او القانون الدولي.

دال ـ : القواعــــد الاجرائية وقواعــــد الاثبـــات المطبقة لدى لمحكمة الجنائية الدولية الدائمة
تطبق المحكمة الدولية الدائمة القواعد الاجرائية وقواعد الاثبات التي وضعتها جمعية الدول الاطراف في معاهدة روما وفقاً لأعلى معايير العدالة الجنائية الدولية، بحيث تراعى فيها حقوق الدفاع للمشتبه فيهم، والمتهمين، كما تراعى حقوق الضحايا والمتضررين وفقاً للاعلان العالمي لحقوق الانسان المدنية والسياسية. وفي حال لم تبادر السلطة اللبنانية الى طلب ربط صلاحية المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (نظام روما) للنظر في هذه الجرائم المرتكبة خلال عدوان تموز 2006 وفقاً للاصول الدستورية والقانونية وبعد ارسال ملف موّثق بهذا الخصوص الى المدعي العام الدولي فإنها تكون قد عبرت عن ارادتها بأن تتم الملاحقة عن هذه الجرائم بواسطة القضاء اللبناني صاحب الاختصاص الاصلي كون الجرائم المذكورة قد حصلت في الاراضي اللبنانية وعلى الدولة اللبنانية ومواطنيها.

الخيار الثاني: اختصاص القضاء اللبناني لملاحقة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة اثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز عام 2006
الف ـ الاساس القانوني الذي يبرر هذا الاختصاص
لا ينص قانون العقوبات اللبناني على معاقبة جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية الامر الذي يستوجب، تطبيقاً لقاعدة شرعية الجرائم والعقوبات، ايجاد الوصف القانوني المناسب الذي ينطبق على الافعال الجرمية المرتكبة في عدوان تموز 2006 وفقاً لقانون العقوبات اللبناني.

ويتبيّن بالتالي ان بعض هذه الافعال الجرمية تشكل الجرائم التي وصفها القانون اللبناني بالارهاب والقتل عمداً، والتي يعاقب المسؤولون عنها، من مرتكبين ومساهمين ومحرضين، سواء أكانوا لبنانيين أو اجانب والمنصوص عليها في المادة 315 عقوبات المعدّلة بموجب قانون 11/1/58 والمواد 547 و548 و549 من القانون المذكور، كما أن بعض الافعال الجرمية الاخرى المشتبه بارتكابها من قبل لبنانيين وغيرهم وفقاً للادلة الموثقة تشّكل جنايات واقعة على أمن الدولة الخارجي، كجرم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو والمنصوص عنها بالمواد 273 الى 288 من قانون العقوبات، وجنايات واقعة على الدستور والتحريض على الفتنة، وجرائم تنال من الوحدة الوطنية وتعكّر الصفاء بين عناصر الامة (المواد 301 الى 313 والمادة 317 عقوبات). أن هذه الجرائم المرتكبة بحق الدولة اللبنانية واللبنانيين والمعاقب عليها بموجب قانون العقوبات اللبناني كما هو مبيّن اعلاه، أُقترفت في الاراضي اللبنانية، وعليها فيكون القضاء اللبناني صاحب الاختصاص لمقاضاة المسؤولين عن ارتكابها من فاعلين ومحرّضين ومتدخلين ومساهمين بأي شكل آخر، وذلك عملاً بمبدأ الصلاحية الاقليمية المنصوص عليها في المادة الخامسة عشرة من قانون العقوبات اللبناني، وبصرف النظر عن جنسية هؤلاء المسؤولين.

باء ـ: اجراءات الملاحقة الجزائية بخصوص هذه الجرائم أمام القضاء اللبناني
ان الجرائم المرتكبة على الاراضي اللبنانية اثناء العدوان الاسرائيلي في تموز 2006، هي من الجرائم التي لا تستوجب اتخاذ صفة الادعاء الشخصي من المتضرر لتحريكها، وعلى النيابة العامة المختصة التحرك تلقائياً والتحقيق والادعاء على المشتبه بهم من فاعلين ومشتركين ومتدخلين ومحرضين، وذلك وفقاً لاحكام قانون العقوبات اللبناني، وقانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني، كما يحق لاهالي الضحايا والمتضررين من هذه الجرائم تحريك الدعوى العامة بادعاء مباشر أمام القضاء اللبناني المختص.

جيم ـ : قواعد المسؤولية الجنائية الفردية في القانون اللبناني
إن الملاحقة والمعاقبة أمام القضاء اللبناني المختصّ تخضع لأحكام المسؤولية الجنائية المنصوص عليها في قانون العقوبات اللبناني، والمتعلقة بالفاعل والمحرض والمشترك والمتدخل والمخبئ لا سيما المواد 210 الى 221 من قانون العقوبات، إلا انه يقتضي الملاحظة أن أحكام القانون المذكور لا تتضمن احكاماً تتعلق بمسؤولية القادة العسكريين والرؤساء المدنيين عن افعال مرؤوسيهم والتي اعتبرناها كما تقدم البحث بأنها بمثابة مسؤولية مفترضة، والموجودة فقط لدى نظام المحكمة الجنائية الدولية الدائمة (نظام روما) وفي بعض المحاكم الدولية التي أنشئت لجرائم معيّنة وأخصّها الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب، وانه في هذه المحاكم لا يُعتد بالحصانة القضائية لأي مسؤول عسكري أو مدني خلافاً للقواعد القانونية المطبقة لدى القضاء اللبناني والقوانين اللبنانية التي تتضمن احكاماً خاصة لبعض الاشخاص من ذوي الصفات الرسمية، توفر لهم حصانة قضائية، ولا يمكن ملاحقتهم الا وفقاً لهذه الاحكام، ولا يمكن محاكمتهم الا أمام محاكم خاصة، سواء أكانت قضائية ام بــرلمانية في حال ارتكـــابهــم جرائم محددة يعاقب عليها القانوني اللبناني. وبالفعل فإن النائب في المجلس النيابي اللبناني يتمتع وفقاً للمادة 40 من الدستور للبناني بحصانة قضائية، بحيث إنه لا يجوز أثناء دور الانعقاد اتخاذ اجراءات جزائية بحقه أو القاء القبض عليه اذا اقترف جرماً جزائياً إلا بإذن من المجلس النيابي، ووفقاً للاصول القانونية التي ترعى هذا الاجراء ما خلا حالة التلبس بالجريمة، إلا أن الفقه والاجتهاد الفرنسيين اعتبرا ان الحصانة البرلمانية تحول دون تحريك الملاحقة الجزائية والتوقيف، ولكن لا تمنع اجراءات التحقيق الاولية بحق المستفيدين من هذه الحصانة، ولا تمنع استدعاءهم لاستماعهم كشهود.

ومن جهة أخرى فإن المادة 70 (فقرة 2) من الدستور اللبناني نصّت على انه لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى وبإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم، ولا يجوز ان يصدر قرار الاتهام الا بغالبية الثلثين من مجموع اعضاء المجلس، ويحدّد قانون خاص شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء الحقوقية. أما المادة 71 من الدستور فقد نصّت على انه يحاكم رئيس مجلس الوزراء والوزير المتهم أمام المجلس الاعلى. لقد سبق للهيئة العامة لمحكمة التمييز اللبنانية ان عالجت موضوع المرجع المختص لملاحقة الوزير بخصوص جرائم ارتكبها اثناء توليه وظيفته بقرار اجتهاد.
 
ولقد ورد في القرار المذكور الصادر بتاريخ 27/10/2000 ما حرفيته «انه يفهم بالافعال المؤلفة للواجبات المترتبة على الوزير موضوع المادة 70 الدستور الواجبات الداخلة ضمن صلاحيته المتصلة بصورة مباشرة بممارسة مهامه القانونية الوزارية، فلا يدخل في هذه المفهوم الافعال الجرمية المرتكبة من الوزير في معرض ممارسته لمهامه، او تلك المرتكبة منه في حياته الخاصة باعتبارها جرائم عادية».... كما ان «الافعال المرتكبة منه ذات الصفة الجرمية الفاضحة والتي تؤلف تحويلاً للسلطة بسبب طابعها هذا فلا يمكن وصفها بالافعال المتعلقة بصورة مباشرة بعمل الوزير ومهامه، وتبقى بالتالي خاضعة لصلاحية القضاء الجزائي العادي». (مراجعة القرار الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز في دعوى الحق العام / الوزير فؤاد السنيورة).

لذلك وعلى ضوء ما تقدم، لا تعتبر الافعال الجرمية التي يُشتبه ان يكون قد ارتكبها اثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز العام 2006، واستناداً الى الادلة المتوفرة او التي ستتوفر مستقبلاً المقبولة قانوناً، والتي تشّكل مساهمة في اعمال القصف والتخريب للممتلكات العامة والخاصة، وعمليات القتل والتهجير، والجنايات التي تمس أمن الدولة الخارجي، وبالدستور الخ... افعالاً ارتكبها احد الاشخاص المشار اليهم اعلاه في معرض ممارستهم لمهامهم، ولا تعتبر من الواجبات الداخلة ضمن صلاحيته المتصلة بصورة مباشــــرة بمهــــامه القانونية الوزارية، فضلاً عن انها تعتبر من الافعال ذات الصفة الجرمية الفاضحة، وتبـــقى بالتالي من اختصاص القضاء الجزائي العادي.

دال ـ: القواعد الاجرائية وقواعد الاثبات المطبقة في القانون اللبناني
ان القضاء اللبناني المختصّ بملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن الجرائم المقترفة اثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان في تموز عام 2006 يطبق احكام القانون اللبناني على مرتكبي هذه الجرائم. وخلافاً لما هو مُتبع في القضايا المدنية فإن التشريع الجزائي اعتمد نظام الاثبات الحر المبني على الاقتناع لشخصي في ما عدا الحالات الخاصة التي اشترط فيها القانون أصولاً خاصة للاثبات. وهذا الامر مكرس بالفقه والاجتهاد لدى المحاكم اللبنانية. ان النظام المذكور لم يُقيد القاضي بأدلة معينة للاثبات، بل ترك له أمر التقدير فسمح له بأن يتوصل الى الحقيقة بكافة الطرق التي يراها مناسبة، وأن يبني اقتناعه الشخصي على أدلة مباشرة مُستَمدَة من اعمال يتثبت منها كالشهادة والكشوف الحسية وضبط الاشياء الجرمية، والوثائق الخطية. أو على أدلة غير مباشرة يستنتجها من وقائع الدعوى وملابساتها كالقرائن. ويعود للقاضي بالنظر لصفته أن يتهّم أو يحكم على ضوء هذه الادلة، فلا يأخذ منها إلا ما يعتقده صائباً، أو متوافقاً مع الحقيقة، وكان ما يرتاح اليه ضميره. وينبغي عند تطبيق هذا المبدأ الملاحظة انه يقتضي ان يكون الدليل الذي يستند اليه القاضي مقبولاً قانوناً وقائماً على اجراءات صحيحة.

وهنا يُطرح السؤال عن القيمة الثبوتية لوثائق «ويكيليكس» التي تم نشرها في بعض الصحف ووسائل الاعلام، والتي تشير الى تورط بعض الساسة اللبنانيين وغيرهم من سفراء دول اجنبية وعربية في التحريض والتشجيع على قيام العدو الاسرائيلي بالاعتداءات على لبنان وشعبه، وبالاستمرار بمتابعة العدوان للتوصل الى تحقيق غايات سياسية معينة، تصّب في مصلحتهم، وذلك على الرغم وبمعزل عن الدمار الشامل والاضرار الجسيمة المادية والمعنوية التي لحقت بالدولة اللبنانية وشعبها، والتي لا يزال يعاني منها حتى اليوم. لقد اعترف بعض الذين ذكرت اسماؤهم في وثائق ويكيلكيس بصحة هذه الوقائع أو ببعضها، وأنكر البعض صحتها أو بعضها، ونفى قسم ضئيل منهم ان يكون قد أدلى بهذه الوقائع أو بالمعلومات الواردة في هذه الوثائق. إن تقدير هذه الادلة كما سبق القول يعود الى قاضي التحقيق والاتهام في مرحلة التحقيق الابتدائي والى قاضي الحكم في مرحلة التحقيق النهائي قبل ان يصدر حكمه في الدعوى وبعد أن تكون سلطة الملاحقة قد قامت بالادعاء تلقائياً او بنتيجة الادعاء الشخصي من المتضرر على المساهمين في ارتكاب هذه الجرائم. وعلى كلٍ يستطيع القاضي الناظر في الدعوى اذا تثبت من صحة الوقائع الواردة في الوثيقة ونسبتها الى الشخص المنسوبة اليه ان يعتمدها كدليل كافٍ للحكم على اساسها بالجرم المُدعى به، والا يمكن في حــال عدم توفر قنـــاعته التامة ان يعتبرها بدء بينة خطـية يمكن اثبــاته بكـــافة وسائـــل الاثبات المتممة كالشهادة والقرائن وغيرها.

خلاصة
أن خيار أي من المرجعين القضائيين المشار اليهما اعلاه لملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة اثناء العدوان اسرائيلي على لبنان في تموز عام 2006 له محاسنه ومساوئه. ففي حال اختيار المرجع القضائي الدولي وهو المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما) للملاحقة وهو أفعّل لعدم امكانية تذرع رؤساء الدول وساستها بالحصانات أو بالقواعد الاجرائية الخاصة بصفتهم الرسمية، سواء أكانت في اطار القانون الدولي أو الوطني، ما يوفر عناء اجراءات رفع الحصانة عن هؤلاء، الا انه في المقابل ولتحقيق العدالة فإن الامر يستوجب دعماً من دول اطراف في معاهدة نظام روما، ومن منظمات دولية فاعلة وخاصة منظمة الامم المتحدة التي لم يثبت حيادها حتى اليوم عندما يكون الامر متعلقاً بالعدو الاسرائيلي، وقد لا يستطيع لبنان تحقيق هذا الدعم نظراً للضغوط التي مارستها وستمارسها اسرائيل وحلفاؤها من الدول الكبرى الذين يؤمنون لها الحماية وبخاصة لقادتها السياسيين والعــسكريين لمنع ملاحقتهم جزائياً، الا ان الامل يبقى معـــلقاً على حيادية واستقلالية اجهزة المحكمة الجنائية الدولية لا سيما المدعي العام الــدولي والمعــلن عنـــها في نظام المحكمة الاساسي التـــي يمكنها ان تضــمن تحقيق العدالة في هذه الملاحقة القضائية.

اما في حال اختيار اختصاص القضاء اللبناني فإن الصعوبات ستكون أكبر واكثر، لأن القضاء الوطني لن يتمكن من تحقيق العدالة بالنسبة لمقاضاة القادة والافراد الاسرائيليين وغيرهم من المسؤولين الاجانب، الذين ساهموا في ارتكاب هذه الجرائم الوحشية ضد لبنان واللبنانيين، لانه ستوضع عقبات جمّة قانونية وغير قانونية في وجه هذا القضاء تحول دون ملاحقتهم وإصدار الاحكام بحقهم وتنفيذها الا اذا توفرت إرادة صلبة لدى قضاة لبنان ومسؤوليه السياسيين لاحقاق الحق.

اما بالنسبة للمسؤولين اللبنانيين الذين يثبت تورطهم في تحقيق هذه الاعتداءات بأية طريقة يعاقب عليها القانون، فقد يتمتع بعضهم بحصانة سياسية او بحصانة خاصة يستوجب القانون رفعها لملاحقتهم. نحن نعلم ان سلوك هذا الدرب ليس باليسير وقد يضع البعض العراقيل في سبيل رفع هذه الحصانات لغايات سياسية وشخصية ولعرقلة تحقيق العدالة التي هي من حق كل لبناني فقد اعزائه في هذا الاعتداء ودُمرت امواله ومملكاته الا ان الامل يبقى كبيراً بوقفة وطنية كبرى تقفها كافة المؤسسات السياسية والقضائية وهيئات المجتمع المدني في لبنان لمنع هذه العرقلة مهما كلف الامر ليبقى لبنان وطناً منيعاً عزيزاً.

وبالمناسبة وضمن السياق نفسه قام العدو الاسرائيلي في ذكرى نكبة فلسطين بإطلاق النار عمداً وبدم بارد على متظاهرين فلسطينين ولبنانيين وصلوا الى الشريط الشائك الموضوع على حدود فلسطين المغتصبة من قبل العدو الاسرائيلي ما أدى المصرع عشرة شهداء في ربيع العمر، وقد حصلت هذه الواقعة تحت انظار وسائل الاعلام المحلية والدولية ما شكل جرماً مشهوداً يحمل معه وسائله الثبوتية. ان هذا الفعل يعتبر حسب القانون الدولي جرم ابادة جماعية، وجريمة ضد الانسانية وحتى من جرائم الحرب لان اسرائيل تعتبر في حالة حرب دائمة ضد لبنان وإن قتل مدنيين في حالة كهذه يعتبر من جرائم الحرب ويـــــبقى السؤال نفسه المطروح في عنـــوان هــذه الدراســة مـــن هـــو المرجع القضائي الصالح لملاحقة هذه الجريمة.

أهو القضاء الدولي اي المحكمة الجنائية الدولية نظام روما بعد ان تقوم الدولة اللبنانية بالاجراءات التي سبق ذكرها لتمكين المدعي العام من اجراء التحقيق وتزويده بكافة المعطيات ووسائل الاثبات وفقاً لما ينص عليه نظامها لملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن ارتكاب هذا الفعل الجرمي الفاضح والثابت بصورة لا تقبل المنازعة، ام هو القضاء اللبناني الذي يعود له حكماً الاختصاص لملاحقة هذه الجريمة الواقعة على الاراضي اللبنانية في حال تقاعس السلطة السياسية اللبنانية عن القيام بما هو مطلوب لتحقيق الاختصاص الدولي للمحكمة الجنائية الدولية، والقضاء اللبناني يســتطيع ان يتــحرك عفواً لاجراء الملاحقة بحق مرتكبي هذه الجرائم وقياداتهم العسكرية التي اعطت هذا الامر بإطلاق النار على العزّل من الناس، والسلطة السياسية التي سمحت بارتكابها وكل من يثبت بصورة مباشرة او غير مباشرة اشتراكه او تحريضه على ارتكـاب هذه الافعال.

وزير عدل سابق - لبنان

2011-07-12