ارشيف من :أخبار لبنانية

هكذا ألغى الحريري نفسه بتفاهم السطور الستة

هكذا ألغى الحريري نفسه بتفاهم السطور الستة
عماد مرمل - صحيفة السفير

بدا سعد الحريري من خلال مقابلته التلفزيونية كأنه قرر ان يطلق من اليوم حملته الانتخابية لاستحقاق 2013، متطلعا الى استعادة تجربة والده الذي خرج أو أخرج من السلطة في العام 1998، وعاد إليها على صهوة حصان الانتخابات النيابية في العام 2000 محققا فيها فوزا كاسحا، باستثماره على أخطاء خصومه وتحويل إبعاده عن رئاسة الحكومة الى «مظلومية سياسية».

وإذا كان الحريري قد اعتبر ان نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي شكلا الحلقة الأضعف في فريق 14 آذار، التي أمكن اختراقها للانقضاض عليه، فمن الواضح انه يفترض أنهما يمثلان الآن الخاصرة الرخوة على مستوى التمثيل السني في الأكثرية الجديدة، لذلك قرر أن يعود إلى السلطة على «جثتيهما»، بالمعنى السياسي للكلمة.

بهذا المعنى، يبدو الحريري كمن يريد ليس فقط إسقاط ميقاتي والصفدي في الانتخابات المقبلة، بل هو أصدر بحقهما حكما بـ«الإعدام السياسي» الذي ينزع منهما الحق بأي طموح مستقبلي، سواء على مستوى النيابة أو الوزارة.

ومن هنا، اندفع الحريري الى اللعب على الأوتار العاطفية الحساسة للجمهور السني، واصفا ميقاتي بأنه وكيل «حزب الله» وموظف لديه برتبة رئيس حكومة، ومتهما إياه والصفدي بالغدر والخيانة، ليخلص الى أن كليهما ارتضى أن يكون مجرد أداة عند الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصر الله للإطاحة به وإسقاط حكومته.

إنها بالنسبة إلى الحريري الطريق الأقصر لاختصار المسافات السياسية والزمنية وتحقيق إصابات مباشرة في «الدشمة الطرابلسية» التي تشكل خط الدفاع الأول عن الحكومة الجديدة. إنها الوصفة الأسهل لتهشيم صورة حليفيه السابقين في شارعهما ولتوفير عناء «المعارضة البرامجية» التي تتطلب نفسا طويلا واعترافا بالآخر، حتى لو من موقع الاختلاف. وهذا ما لا يريد ان يفعله الرئيس السابق للحكومة الذي أوحى من خلال كلامه انه لا يعترف «سياسيا» بميقاتي رئيسا للحكومة، كأن الأخير وصل السرايا بعد اقتحامها من إحدى مجموعات المقاومة، تنفيذا لانقلاب قادته دمشق وطهران وحارة حريك.

وإزاء إصرار الحريري على القول ان ميقاتي يترأس حكومة «حزب الله»، يلفت قيادي أكثري بارز الانتباه الى أن الصحيح هو أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى هي حكومة «حزب الله»، ذلك أن ناخبي الحزب في دائرة بعبدا ـ عاليه هم الذين أتاحوا عبر أصواتهم أن يفوز فريق 14 آذار في انتخابات 2005 بـ11نائبا، على أساس اتفاق رباعي لحظ بالدرجة الأولى حماية المقاومة، ما منح هذا الفريق أكثرية برلمانية سمحت له بان يختار السنيورة لرئاسة الحكومة.

كما أن حكومة سعد الحريري لم تكن لتولد لولا بشار الأسد. والكل يذكر دور سليمان فرنجية، وكيف ارتضى سعد الحريري أن يعلن ميشال عون أسماء وزرائه من الرابية وقبل صدور المراسيم من القصر الجمهوري، لا بل أكثر من ذلك كيف ارتضى الحريري أن يوقع تفاهم السطور الستة الشهير الذي لم ينشر بعد، فيلغي دوره كرئيس للحكومة ويقبل بشرط التفاهم المسبق على كل الأمور التي تحتاج إلى الثلثين في مجلس الوزراء (البنود الـ14)، بينه وبين السيد حسن نصر الله، على أن يتم تظهير لاحقا في مجلس الوزراء؟

أما حكومة نجيب ميقاتي التي تُصوّر بأنها ترتدي «التشادور»، فان التمثيل الشيعي فيها تراجع من ستة وزراء الى خمسة في سابقة غير مألوفة، أقله منذ الطائف، بعد التنازل عن أحد المقاعد لصالح فيصل كرامي، كما ان مشاركة تحالف أمل ـ حزب الله اقتصرت عمليا على أربعة وزراء، من حيث التمثيل السياسي، بعدما جُير مقعد آخر للحزب القومي.

لكن، كيف يمكن ان يتصرف ميقاتي والصفدي في مواجهة الحرب المفروضة عليهما؟ يعكس مناصرو الشخصيتين وجود وجهتي نظر حيال سبل التعامل مع الحملة الحريرية الآخذة في التصاعد:

الاولى، تفترض ان الافضل في هذه المرحلة هو تجنب الانزلاق الى معركة يختار الحريري توقيتها وساحتها وموادها وأهدافها، على قاعدة ان المبادرة يجب ان تبقى بيد رئيس الحكومة الذي عليه ان يحدد بنفسه متى يهاجم ويدافع وبأي أسلوب وتكتيك، بعيدا عن منطق ردود الفعل. وبالتالي، فان أفعال الحكومة يجب ان تكون الرد الابلغ على أقوال الحريري، مع ما يتطلبه ذلك من أداء وزاري مقنع وانتاجية في العمل، من دون الغرق في سجالات عبثية، يتمناها الحريري، ويلفت أصحاب هذا الرأي الانتباه الى ان المواجهة لا تكون عبر كثرة الصراخ، ذلك ان الشخص هو الاسلوب، وميقاتي يمكنه ان يواجه على طريقته التي أثبتت حتى الآن انها تؤلم الخصم من دون ضجيج.

الثانية، تقول ان الخطاب الرمادي لا يصنع قاعدة شعبية ولا يشد عصبا، وبالتالي فان اللغة الهجومية التخوينية التي يستخدمها الحريري في مخاطبة ميقاتي والصفدي تستوجب ردا قاسيا، لا تنفع معه أدبيات الوسطية وآدابها، لان الربح في السياسة يتطلب أحيانا «الكسر» مع الخصم، خلافا لما تجري عليه الامور في عالم الأعمال.

وينبه هؤلاء الى ان الحريري يخوض حرب إلغاء ضد ميقاتي ـ الصفدي، ليس فقط على صعيد الساحة السنية وإنما أيضا على مستوى الشارع الطرابلسي، وخطابه هو من النوع الذي يدغدغ المشاعر ويستقطب الجمهور، معتبرين ان المبارزة بين الحريري وميقاتي اتخذت شكل «مان تو مان»، أي أصبحت وجها لوجه، وينبغي عدم الهروب منها، بل خوضها بالأدوات الملائمة استنادا الى الاستراتيجية المناسبة التي قد تفرض على ميقاتي ان يتصدى من جهة للحريري، وان يعرف متى يقول «لا» لحلفائه الجدد من جهة أخرى.

ويعتبر المتحمسون لهذا الرأي ان لدى الحريري الكثير من نقاط الضعف التي يمكن التصويب عليها، وهو خلّف وراءه تركة ثقيلة تجعله غير مؤهل لإعطاء غيره الدروس، وعلى ميقاتي والصفدي ان يملكا جرأة خوض المواجهة حتى النهاية، لأن الحريري يراهن على أنهما سيتهربان منها، وينبغي ان يُثبتا العكس.
2011-07-14