ارشيف من :أخبار لبنانية

الراعي «مَشَحَ» المحكمة!

الراعي «مَشَحَ» المحكمة!

ادمون صعب - صحيفة السفير

«من لم يصبر على كلمة أُسمع كلمات.
وربَّ غيظ قد تجرّعته مخافة ما هو أشد منه».
الأحنف بن قيس


لم يشعر اللبنانيون يوماً بحاجتهم إلى الحوار والمصالحة، مقدار حاجتهم إليهما في هذه الفترة.

وقد نطق الرئيس ميشال سليمان باسمهم الأحد الماضي في العشاء الذي أقامه في منزله في عمشيت تكريماً للبطريرك بشارة بطرس الراعي.
فهو لاحظ، كما لاحظوا هم، مقدار التباعد بين المجموعات السياسية الرئيسية خلال جلسات مناقشة البيان الوزاري للحكومة والتي انتهت بخروج المعارضة قبيل التصويت على الثقة، في سابقة لا مثيل لها في الحياة الديموقراطية اللبنانية، لا علاقة لها بالديموقراطية البتة لأنها تعكس حالة مَرَضية في نظام يقوم على المشاركة والحوار، والقبول الطوعي بتداول السلطة، على أساس ان النظام الذي أنتج الأكثرية قادر، في ظل آليات وتقاليد ديموقراطية راسخة، على تحويل الأقلية أكثرية تأخذ مكانها الطبيعي داخل النظام وبهدوء كلي.

وإذ رأى الرئيس ان مناقشات جلسات الثقة «أظهرت انقسامات سياسية حادة من شأنها إضعاف الروح الميثاقية في حال تفاقمها، وتعرض النسيج الوطني للاهتزاز»، سارع للدعوة إلى معاودة الحوار الوطني من أجل تحقيق «مصالحة حقيقية» بين اللبنانيين المختلفين، في اطار «حوار صريح وشامل».

وفي اعتقاد الرئيس ان الوضع لا يحتمل الانتظار ويجب القيام «بعمل سريع» هادف لإعادة بناء عناصر الثقة بين «القادة السياسيين ومختلف مكونات شعبه».
وبأسرع ما تصوّر سليمان، بادر الفريق الحريري إلى التشكيك في جدوى الحوار، مشترطاً للمشاركة فيه ان يضع هو جدول أعماله، وإلا فلن يشارك فيه مؤكداً ضرورة حصر جدول الأعمال في مادة وحيدة هي سلاح «حزب الله»، ووضع برنامج زمني لنزع هذا السلاح!

وكان رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، الذي زار الجنوب أواخر الأسبوع الماضي، أكد في الذكرى الخامسة لحرب تموز «ان ثلاث إرادات واجهت إسرائيل في تلك الحرب وانتصرت عليها، هي إرادة شعب قرر الصمود، وإرادة جيش قرر المواجهة برغم إمكاناته الضعيفة، وإرادة مقاومين قرروا الدفاع عن أرضهم وعائلاتهم وبيوتهم فوجّهوا سلاحهم ضد العدو وغلبوه». وأضاف: «هذه الإرادات الثلاث هي إرادة واحدة تعمل برعاية الدولة، وقد حققت مجتمعة النصر الذي سنحتفل بذكراه في منتصف آب المقبل».

وسأل الحريريين المطالبين بالفصل بين هذه الإرادات، مما يضعف قدرة لبنان على مواجهة إسرائيل وأخطارها جواً وبراً وبحراً عبر اعتدائها أخيراً على حقوق لبنان في الغاز والنفط في نطاق مياهه الإقليمية: «لماذا لم يقوموا بنزع هذا السلاح عندما كانوا ممسكين بزمام السلطة؟».
ولا يبدو الخطر في الفصل بين الإرادات الثلاث التي عُرفت بـ»القاعدة الذهبية» في الأدبيات الحريرية «الجيش والشعب والمقاومة»، بل هو في تحويل هيئة الحوار الوطني ذراعاً للمحكمة.

وكان بدا من الحوار التلفزيوني الذي أجري الثلاثاء 13 تموز الجاري مع الحريري واتهم فيه الرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله بإسقاطه من رئاسة الحكومة، ان الرئيس السابق للحكومة قد قطع الجسور مع الجميع في انتظار المحكمة، وما ستسفر عنه الأحداث في سوريا، التي يتعاطف وتياره معها «بشكل كبير»، لذلك نقول إن نغمة السلاح قد استُهلكت وما بقي منها في البازار قد انتهت صلاحيته، وهو سيلحق بموضوع المحكمة التي صدر قرارها الاتهامي الأول، وثمة من يهدد المقاومة وسوريا وإيران بقرارات لاحقة ستصيبها، وهي لن تغيّر شيئاً في البحث عن الحقيقة وتحقيق العدالة والاستقرار، خصوصاً بعدما «مَشَحَ» البطريرك بشارة بطرس الراعي المحكمة الاثنين الماضي بقوله: «اننا مع العدالة، والوصول إلى الحقيقة من خلال المحكمة الدولية، شرط ألا تكون مبنية على التسييس والتضليل». وسدّد في المناسبة ضربة موجعة إلى الفريق الحريري في موضوع الحوار بقوله: «لا أحد يستطيع ان يذهب إلى الحوار والنهوض بالدولة إذا اعتقد أن الحقيقة المطلقة معه».

علماً أن «المَشْحَ» في الليتورجيا المسيحية تعني انه عندما يشارف المريض على الموت يُستدعى له الكاهن فيمسح جبينه بالزيت المقدس ويغفر له خطاياه حتى لا يذهب إلى الجحيم.

وفي اعتقاد كثيرين ان الداعي إلى الحوار هو الذي يحدد جدول أعماله، خصوصاً إذا كان رئيساً للجمهورية. وهو الأدرى بما تحتاج إليه البلاد. وقد وضع جانباً هذه المرة موضوع الاستراتيجية الدفاعية، التي يجب ان تبقى بنداً دائماً حتى يحصل إجماع وطني على حلّ لها ولسلاح المقاومة، مقترحاً جدول أعمال إصلاحياً يصعب رفضه أو الاعتراض عليه، وهو كالآتي: «ان تجربة السنوات الماضية أظهرت جدية الإشكالات والثغر الدستورية التي ساهمت في تعطيل آلية عمل الدولة والمؤسسات، وحالت بصورة خاصة دون تمكين رئيس الدولة من دفع الأمور باتجاه التحكيم والحسم عند الاقتضاء، ما دفع البعض إلى حد التشكيك في طبيعة النظام، وإبراز الحاجة إلى حوار وطني صريح وشامل يتمخّض عن رؤى وآليات حول كيفية تطوير هذا النظام والسماح له بالخروج من أزماته».

إنها دعوة، بل واجب وطني، من أجل الإنقاذ. يتوازى مع ما يجري في سوريا من حوارات متلائمة مع أجواء «الربيع العربي» الذي يجب ان يفيد منه لبنان وإن بالحد الأدنى الذي يسمح به نظامه القبلي ـ الطائفي.

2011-07-21