ارشيف من :أخبار لبنانية

المستقبل: حان وقت الإحباط

المستقبل: حان وقت الإحباط
نوّاب المستقبل يولولون: البعـريني دائماً في المرآة

غسان سعود
لا شيء أصعب من هذا: أن تكون خالد زهرمان (أو أحمد فتفت أو محمد الحجار أو سمير الجسر أو زياد القادري) واقفاً بكامل أناقتك أمام المرآة، وعوض أن ترى صورتك ترى صورة النائب السابق وجيه البعريني. قدراتك الخدماتية كقدراته المعدومة في السنوات السبع الماضية، تعلك خطابك كما يعلك خطابه، قائدك تركك وحدك فجأةً كما تركه قائده. والأنكى، جيبك فارغ وجيبه دائمأً مليء

المستقبل: حان وقت الإحباط


بمجرد أن يُذكر اسم وجيه البعريني، ترتسم ضحكة. تحضر مع الاسم إطلالة بعرينيّة وخطاب يتلعثم بالمفردات. كاريزما بالمقلوب وخطاب سياسي للتنويم. وبحكم الحصار المفروض عليه، لا خدمات منذ نحو سبع سنوات. ولا يكتفي البعريني بما ابتلاه الله به من نكسات، بل يصر على أن ينكب نفسه بمصائب إضافية عبر التمسك بخطاب يبزّ خطاب النائب علي عمار في الدفاع عن حزب الله، لكن مع هذا كله يحافظ وجيه البعريني على شعبيته وثقته بنفسه.
في المقابل، يتمتع خصوم البعريني بالإطلالة الجذابة (باستثناء واحد فقط من النواب العكاريين السبعة) والخطاب السلس الذي يراعي المشاعر والغرائز والأحقاد الدفينة، وبعض الكاريزما و«القفشات» السياسية، وقد استفاد هؤلاء من كل أنواع الخدمات في السنوات السبع الماضية.

لكن رغم هذا كله، لا ثقة بالنفس هنا ولا بالشعبية.
مشهدهم في حضرة الوزراء في «حكومة القَتَلة» يدل على ذلك، مدحهم وزير الأشغال العامة والنقل هنا وهناك يدل على ذلك، إلحاحهم في طلب المواعيد من هذا الوزير أو ذاك في «حكومة القتلة» يدل على ذلك.
كان يمكن مشاهدة خمسة من نواب عكار السبعة مرتبكين الأسبوع الماضي أمام مواطن يطالبهم بأخذ موعد لهم وله عند وزير الداخلية والبلديات ليظفروا منه بـ«كلمة» بشأن عدم المس بالوجود العكاري النوعي والكمي في مؤسسات الوزارة. وكان يمكن سماع ستة من السبعة أنفسهم يحتفلون بزيارة الوزير وائل أبو فاعور إلى منطقتهم، كما كان يمكن سماع ثلاثة منهم ينتقدون إصرار واحد منهم على المعارك «الدونكيشوتية» التي ستخسرهم ثقة الناخبين بقدرتهم على اللجوء إليهم حين تدعو الحاجة. مع العلم أن نائباً وحيداً من النواب العكاريين السبعة في كتلة المستقبل يعتقد أن الوسيلة الوحيدة لشد عصب المواطنين هي إشعارهم بأن هناك من يسرق «مكتسباتهم» ويحرمهم «حقوقهم». وبحسب هذا النائب فإن «العكاري سيثور عندما يرى نائبه منهزماً عاجزاً عن خدمته، وسيؤازر نائبه عندما ينتفض لكرامته ويرفض استقبال أحد الشركاء في إسقاط الرئيس سعد الحريري».

لا خدمات ولا أموال

يعرف المستقبليون أنهم دخلوا مرحلة الـ «لا خدمات»: لن يستطيع النائب أحمد فتفت أو مساعده نقل عشرات الأساتذة وأصواتهم الانتخابية من مكان إلى آخر بمجرد الاتصال بمعالي وزير التربية، فهو لا يعرف رقم هاتف وزير التربية الجديد. لن تستطيع الموظفة الشابة في مكتب أحد النواب العكاريين تعيين دركي وإراحة آخر ومعاقبة ثالث لأن مظلة اللواء أشرف ريفي فوق رأسها؛ ثمة شمس تسطع في السماء الزرقاء هذه الأيام. الموظف «التنفيعة» للنائب الفلاني مضطر إلى أن يذهب إلى وظيفته في الوكالة الوطنية للإعلام أو أن يلاحق بعض الأخبار في منطقته لأن وزير الإعلام الجديد لم يسمع باسم الوزير الذي وظفه، تماماً كما لم يكن النائب نفسه قد سمع باسم هذا الوزير حتى تعيينه وزيراً. من يعرف النائب محمد كبارة جيداً يعرف أنه ينجز نحو ثلاثين خدمة قبل أن يغادر سريره في الصباح. ومن يعرف في كتلة المستقبل وزير الصحة الجديد علي حسن خليل يعلم أن الاتصال به طلباً لخدمة أمر يختلف تماماً عن الاتصال بسلفه محمد جواد خليفة طلباً لخدمة.
لا خدمات، هذا أولاً. ثانياً لا أموال. ولّى زمن المساعدات الطبية الكبيرة بعد انتهاء زمن المنح التعليمية. حتى المستوصفات التي تتبع لتيار المستقبل استغنت عن غالبية موظفيها وباتت تنصح المواطنين الذين يفدون إليها بالتوجه إلى المستشفيات الحكومية. وتكاد تخلو بعض المراكز الحزبية الأساسية، ولا سيما في بيروت والشمال، من المتفرغين. يفترض بالنواب التعايش مع هذا الأمر أيضاً: لا يمكنهم تحويل الراسبين في امتحان الخدمة المدنية إلى إحدى مؤسسات المستقبل أو توفير راتب ثلاثة أشهر لهم ريثما يجدون وظيفة. حتى شركات الأمن الخاص بدأت تضيق بمَن فيها، وأبلغت إحداها نحو مئة من موظفيها (الشماليين بغالبيتهم) استغناءها عن خدماتهم.
كان يمكن النائب السابق وجيه البعريني التعايش مع الفقر، فهو لا يضيّف أصلاً زواره سيغاراً، بل «دخان لف»، ويستعيض عن المياه المعبّأة بأكواب مياه من حنفية الدولة. وربطة عنق البعريني هي نفسها كبذلته منذ انتخب نائباً لأول مرة قبل عشرين عاماً. وحين يضطر إلى أن يدفع، يستطيع. فعلى عكس غالبية نواب المستقبل الحاليين، يد البعريني في جيبه وجيبه مليء، مع الأصدقاء ومن دونهم. لا خدمات إذاً عند المستقبليين ولا أموال، في مقابل عند البعريني خدمات وأموال. يحق لزملاء عمار الحوري أن يحملوا همّاً. سيرتدون الثياب التي ارتداها وجيه البعريني ست سنوات فيما يرتدي هو ثيابهم. يمكن تخيل البعريني مرتدياً ربطة عنق خالد زهرمان البنفسجية، سعيداً كخضر حبيب بزمور سيارته.

قُد ولو عبر «سكايب»

لا يخرج البعريني من المرآة. حين ينظر بعض نواب المستقبل إلى أنفسهم اليوم يتخيلون كيف كانت حال أبو وليد حين لا يرد العميد X على اتصالاته أو حين يزوره في مكتبه في سوريا ولا يجده. ها هم، تقودهم اليوم «إسم إم إس» من أحمد الحريري، «إمايل» من أيمن جزيني، «مانشيت» في صحيفة «المستقبل». يحلم بعضهم لو يُشغل الحريري قليلاً عن قيادة دراجة «الهارلي» بتعلم الـ «سكايب» ليدردش معهم ويرفع معنوياتهم. يتمنون لو يترك المطبخ لطباخه كي يعد لهم طبخة سياسية.
لا يعلم هؤلاء إن كان العيد (عيد الفطر) سيأتي لهم بالحريري أو لا، أو إذا كانت إفطارات قريطم الطيبة ستجذب «الشيخ» أو لا. يروي البعض ـــــ كأنه يهذي ـــــ أن طائرة الحريري لن تهبط في غير مطار دمشق الدولي، كاشفين بذلك عن ربطهم مستقبل تيارهم السياسي بالتطورات في سوريا. ورغم اعترافهم بعدم امتلاكهم معلومات أكيدة عما يحصل خلف الحدود، يجزمون بتوجه النظام السوري وبسرعة إلى السقوط. «لا حرب أهلية ولا تقسيم»؛ وتيار المستقبل متأكد من أن الثوار السوريين يقدّرون دور قوى 14 آذار في نفخ «الريح التحررية في العالم العربي»، ولن يتردّدوا في تسمية مطار دمشق «مطار الرئيس رفيق الحريري الدولي ـــــ 2»، في ظل تململ بعض النواب من تصرف بعض زملائهم ومسؤولين آخرين في تيار المستقبل باعتبارهم هم القادة وعلى الجميع أن يتبعوهم. والبعض ممن جمعهم بالرئيس رفيق الحريري تاريخ «نضالي» مشترك يرفض تلقي الأوامر (حتى تلك التي تأتي بصيغة استشارة) من رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة «الذي كان بالنسبة إلى الحريري الأب موظفاً لا شريكاً». من يقود المستقبل في طرابلس؟ المقربون من السنيورة أم سمير الجسر أم مصطفى علوش أم داعي الإسلام الشهال أم كنعان ناجي أم أشرف ريفي؟ نائب المنية ـــــ الضنية أحمد فتفت يريد قيادة المستقبل في المدينة، ونائب عكار خالد ضاهر يريد ذلك أيضاً. حتى النائب السابق مصباح الأحدب، الذي ليس له علاقة بتيار المستقبل، يرى أنه الأحق بالقيادة بعدما دفع ثمن التحالف بين المستقبل والرئيس نجيب ميقاتي.
مع العلم أن المقربين من الرئيس ميقاتي بدأوا عملاً جدياً في طرابلس لاستقطاب المجموعات الإسلامية، التي يحاول تيار المستقبل عادة أن يقاتل غيره بواسطتها. ويحاول المقربون من ميقاتي فتح خطوط اتصال حتى مع المقربين جداً من تيار المستقبل مثل ناجي والشهال. وقد نجح ميقاتي أخيراً من خلال البدء بمعالجة ملف الإسلاميين، في التأكيد لكثيرين من أهالي مدينته أن حكومته أعدل معهم من التي سبقتها.

غضب ساطع لا يأتي

من القيادة إلى الفعل السياسي رابعاً. تقال حكومة الحريري، فيقال إن «الغضب الساطع آتٍ»، ولا يأتي. يكلف نجيب ميقاتي ويُبْعَد الحريري، ولا يصل «الغضب الساطع». يؤلّف ميقاتي «حكومة حزب الله» و«الغضب الساطع» في الطريق. تنال حكومة ميقاتي الثقة ويتأكد الجميع أن «الغضب الساطع» لن يأتي. حتى الحريريون يتأكدون أن القرار الاتهامي الذي انتظروه خمس سنوات ليس بـ«الغضب الساطع». في ظل تأكيد المطلعين أن المحكمة الدولية لن تحمل جديداً يؤثر في حياة اللبنانيين قبل نحو عام. والجديد الوحيد سيكون موقف الحكومة اللبنانية في تشرين الأول المقبل من تمويل المحكمة. وبالتالي ليس في يد تيار المستقبل وحلفائه ملف سياسي. يمكنهم من الآن وحتى إشعار الآخر الترداد خطابة وكتابة، مباشرة وعبر الإعلام: الشعب يريد إسقاط السلاح. ويمكن النائب نبيل نقولا أن يتكفل بالرد عليهم: الشعب يريد السلاح. خطاب المستقبل السياسي يبدو في هذا السياق بارداً كخطاب وجيه البعريني.
وبعيداً عن السلاح، لا يبدو أن تيار المستقبل يفكر (حتى الآن على الأقل) في إنشاء معارضة جدية للحكومة في الملفات الوزارية. فمن جهة، يفتقر المستقبل إلى النواب المتخصصين، ولم يبدأ أحد من هؤلاء إنشاء فريق عمل بهدف المعارضة، ومن جهة أخرى، يود معظم نواب المستقبل، ولا سيما في الشمال والبقاع وإقليم الخروب، الاحتفاظ بالحد الأدنى الذي يجمعهم مع بعض الوزراء صيانةً لمصالحهم. ويعلم هؤلاء أن غالبية الخدمات التي يطلبونها في هذه الوزارة أو تلك هي أساساً غير قانونية، ولا يمكنهم اتهام الحكومة بالكيدية إذا لم توفرها لهم. والأكيد في هذا السياق أن مراقبة المستقبليين لوزارات العونيين وحزب الله وحركة أمل ستكون أكبر بكثير من مراقبتهم للوزارات الأخرى.
يقود كل ذلك إلى القول إن أمام الرئيس ميقاتي فرصة تاريخية ليقفز من الموقع الثاني في الطائفة السنية إلى الأول، فلا يعود النائب وليد جنبلاط مصراً على استحضار النائب سعد الحريري كلما أراد الكلام عن حوار وطني واجتماع للصف الطائفي الأول. فخصم ميقاتي اليوم يبدو، وبعيداً عن المرآة، أقرب في الإمكانات والقدرات (وربما العلاقات الدولية) إلى النائب السابق وجيه البعريني حين كان يواجه وحده تيار المستقبل كله.




طرابلس عائدة إلى المنية ــ الضنية لإقصاء الحريري
عبد الكافي الصمد

ليست مصادفة أن تكون الضنية وجهة التحرك الأولى خارج طرابلس لكل من الرئيس نجيب ميقاتي ووزير الشباب والرياضة فيصل كرامي، منذ تأليف الحكومة، وخاصة أن الاثنين زاراها قبل نحو أسبوع، كل على حدة. فهذه المنطقة التي يطغى عليها الطابع السّني (نحو 90 في المئة من سكانها) يُنظر إليها تاريخياً على أنها الخزان الاستراتيجي لطرابلس. فإلى جانب قربها جغرافياً من عاصمة الشمال، مثّلت الضنية على الدوام، المكان الآمن الذي يلجأ إليه الطرابلسيون عادة إبان الأزمات. وكان لزعماء طرابلس تأثيرهم الدائم في أي انتخابات نيابية أو حتى بلدية تجري في الضنية التي يجمعها ومنطقة المنية الساحلية قضاء إداري واحد ودائرة انتخابية واحدة. الرئيس رشيد كرامي كان أحد أبرز المؤثرين انتخابياً في هذا القضاء، إلى جانب الرئيس سليمان فرنجية الذي كان «يمون» على الأقلية المسيحية الموجودة فيه، فكان النجاح، في معظم الأحيان، حليف من يدعمانه (مع بعض الاستثناءات).

وبقي هذا التأثير قائماً مع الرئيس عمر كرامي والنائب سليمان فرنجية خلال الانتخابات التي تلت انتهاء الحرب. لكن سنوات «السلم الأهلي» شهدت تعديلات جوهرية على هذا التأثير، كان أبرزها دخول الرئيس رفيق الحريري على الخط منذ انتخابات عام 1996، وبدء سحبه البساط من تحت أرجل جميع الزعماء السّنة في طرابلس ولبنان.المستقبل: حان وقت الإحباط
تأثير الحريري في قضاء المنية ـــــ الضنية كان يسير تصاعدياً، قبل أن يصبح مع ابنه ووريثه السياسي الرئيس سعد الحريري طاغياً على كل ما عداه في دورتي انتخابات 2005 و2009، بنجاح النواب أحمد فتفت وقاسم عبد العزيز وهاشم علم الدين.
ولأن دوام الحال من المحال، جاءت الانتخابات النيابية الفرعية بعد وفاة النائب هاشم علم الدين، وإثرها الانتخابات البلدية (التي شهدت خسارة اللائحة التي دعمها فتفت في بلدته سير بكاملها)، لتكشف أن تيار المستقبل لم يعد جارفاً في المنطقة، وأن هزيمته ليست أمراً مستحيلاً.
بعد سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري ومجيء حكومة ميقاتي، بدأت الأنظار تتجه إلى ما يمكن أن تثيره عودة طرابلس إلى ممارسة دورها السياسي التاريخي في إبعاد نفوذ الحريري عنها أولاً، وفي محاصرته وتحجيم تأثيره في المنية والضنية ثانياً، وفي عكار ثالثاً.
من هنا، أدرك الفريق الحكومي الطرابلسي، ميقاتي والوزراء محمد الصفدي وأحمد وفيصل كرامي، أن معركته مع المستقبل لا تقتصر على طرابلس، وأن المنية ـــــ الضنية ستكون ساحتها الرديفة.
فميقاتي كان يرد سابقاً على بعض أنصاره الذين كانوا يلحّون عليه في منافسة المستقبل وعدم التحالف معه، بأن «المعركة ليس أوانها الآن، فلا تستعجلوا». لكنه اليوم يرى أن الفرصة سانحة أمامه. وهو لن يكون مضطراً إلى سحب مرشحه فيها محمد الفاضل مثلما فعل عام 2009.
أما الصفدي، فينظر إلى انتخابات المنية ـــــ الضنية من زاويتين: أولاً، تصفية حسابه مع المستقبل الذي لم يترك مناسبة لاستهداف الصفدي، رفضاً لتمايزه عنه إلا فعل. وثانياً، لتصفية حساب آخر مع النائب عبد العزيز الذي تخلى عن الصفدي، مفضلاً أن يلتحق بالمستقبل، رغم أن الصفدي هو من أتى به نائباً لدورتين.
بدوره، لا ينظر كرامي إلى المنية ـــــ الضنية على أنها المكان الطبيعي لتمدد عائلته سياسياً (منذ جده وعمه ووالده) وحسب، بل يريد أيضاً ردّ التحية إلى النائب السابق جهاد الصمد الذي سمّاه لتمثيل «سنّة المعارضة» في حكومة ميقاتي، على عكس آخرين تمسكوا بتوزير أنفسهم.
بناءً على ذلك، ليس سراً أن الفريق الحكومي الطربلسي يعرف أن الصمد هو العمود الفقري لأي لائحة انتخابية يمكن أن تواجه التيار الأزرق، بعدما حاز منفرداً في انتخابات 2009 في مواجهة لائحة المستقبل المدججة بالمال والإعلام والمندوبين 30% من أصوات ناخبي القضاء. وإلى جانب الصمد، ثمة مروحة واسعة تضم المرشحين محمد الفاضل وأسعد هرموش (الجماعة الإسلامية) وكمال الخير والنائب السابق محمود طبو وأحد مرشحي عائلة علم الدين (كبرى عائلات المنية) التي تريد تصفية حساب مع الحريري لتسميته النائب كاظم الخير بعد وفاة النائب هاشم علم الدين. وهؤلاء وغيرهم يمكنهم أن يكوّنوا حلقة تطويق «المستقبل» وتحجيمه نيابياً بعد إقصائه عن السلطة.
لكن كيف يمكن ذلك، وما هي خريطة الطريق للوصول إلى هذا الهدف؟ ليس هناك خطة عمل معلنة من الفريق المعني بعد. وهذا الفريق يدرك أن الاهتمام خدماتياً بالمنطقة التي أهملها المستقبل لسنوات، يجعل أي مشروع إنمائي، وإن كان تزفيت طريق، يلقى صدى إيجابياً، وأن وضع أفكار جدّية تمهيداً لتطبيقها متعلق بمقاربة العمل السياسي فيها في هذه المرحلة، وتفعيلها وصولاً إلى استحقاق 2013، أمران من شأنهما قلب المعطيات فيها رأساً على عقب. وهم يعرفون أن أبناء الشمال عموماً اعتادوا الوقوف إلى جانب السلطة، فكيف إذا كانت على مرمى حجر منهم.



المستقبل مُحبَط... وميقاتي يعد بالعمل
ثائر غندور

أمس، كتب أحد إعلاميّي 14 آذار على صفحته الخاصة على موقع الفايسبوك التعليق الآتي: «استراتيجية إسقاط حكومة ميقاتي: لقاء بين نواب طرابلس ورئيس حكومة الانقلاب للتباحث في أحوال المدينة. اجتماع بين النائب فريد مكاري والوزير في حكومة الانقلاب سمير مقبل لبحث حقوق الطائفة الأرثوذكسيّة. دعوة وزير الإعلام في حكومة الانقلاب إلى مهرجان قطاع الاغتراب في تيار المستقبل وتخصيصه بمقعد أمامي. تنظيم نواب عكار استقبالاً للوزير في حكومة الانقلاب وائل أبوفاعور خلال زيارته للمنطقة. أبشر بطول سلامة يا ميقاتي».
تجاوز عدد التعليقات على ما كتبه الزميل الآذاري الخمسين. قال أحدها: «يمكن (النائب) محمد قباني صار 8 آذار، الغاز أولاً». أضاف آخر: «هيدي استراتيجيّة إسقاط حكومة ميقاتي... مبدئياً». لكن التعليق الأكثر تعبيراً كتبه ناشط آذاري في الولايات المتحدة الأميركية، جاء فيه: «أخبرتُ النائب (فؤاد) السنيورة، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن بأن هذا هو الوقت المناسب للهجوم على «السلاح غير الشرعي»، لكننا لا نرى هذا الهجوم». يردف الشاب ذاته: «أجابني السنيورة: نحن نهاجم هذا السلاح، ولن نتراجع، لكن لا يُمكننا الحديث عن هذا الموضوع عند الفطور والغداء والعشاء». وختم الشاب معلّقاً: «أعتقد أن عليهم أن يقوموا بهذا الأمر، أو فإن هذه جولة خاسرة جديدة».
في مشهد آخر، يُجيب أحد الوزراء عند سؤاله عمّا ينوي القيام به، مستعرضاً عدداً من المشاريع، ثم يقول: «سألتقي الرئيس ميقاتي، وأعرض ما عندي عليه، وأسمع منه، فهو دائماً يملك أفكاراً ومشاريع جاهزة يسحبها من كمّ قميصه». تتشابه أجوبة عدد من الوزراء، لجهة انتظارهم ما يحمله دولة الرئيس الذي يُمارس مهماته رئيس حكومة على نحو شبه كامل (يُشوّهه وجود سهيل بوجي غير القانوني إلى جانبه كلّ صباح كملاكه الحريري الحارس). وهذا ما يشعر به أيضاً عدد من الذين يتعاملون مع ميقاتي في عدد من الملفّات المشتركة.
إذاً، في وقت يسعى فيه ميقاتي إلى إظهار نفسه رجل دولة يستطيع التفاهم مع جميع القوى، إلا أنّه لا يتراجع عن صلاحيّاته قيد أُنملةٍ، فإن تيّار المستقبل يدخل تدريجاً في إحباط سياسي هو جديد عليه. وتأتي ممارسات ميقاتي لتُكمل على الحريريين في هذا المجال.
وبحسب مصادر حكوميّة، فإن نجيب ميقاتي يعمل جدياً لتأمين حلول سريعة لملفّات مهمة مثل الكهرباء وارتفاع كلفة المعيشة؛ وإن بين يديه خططاً لـ«تحسين حياة المواطنين». تُضيف هذه المصادر إن ميقاتي يسعى إلى تقديم إنجازات في السياسة والاقتصاد، وإن كان يُدرك أن الاقتصاد هو ملعبه الأساسي. ففي السياسة، تتحدّث المصادر الحكوميّة عن أن رئيس الحكومة سيسعى إلى تأمين توافق سياسي على بند تمويل المحكمة الدوليّة، وهو ما يسحب فتيل أزمةٍ سياسيّة يسعى إليها فريق 14 آذار. ومن جهة ثانية، فإنه يعمل بجهدٍ كبير على تظهير عدد من الإنجازات على المستوى الاقتصادي.
في الجهة الأخرى، فإن الضياع يتحوّل إلى إحباط عند الحريريين. فبعد ترداد عدد من الفاعلين في تيّار المستقبل كلاماً قاسياً بحقّ مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، ها هي النائبة بهيّة الحريري تكسر القطيعة المستقبليّة مع سماحته، وتزور دار الفتوى رغم انقطاع التواصل بين الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة من جهة، والمفتي من جهةٍ أخرى.
والمفارقة الأبرز في هذا الجانب حصلت الأسبوع الماضي، يوم وصلت إلى دار الفتوى ثلاثة طلبات لتحديد مواعيد لثلاثة وفود، منها ديني ومنها ما هو غير ديني، المشترك بينها هو الانتماء إلى تيّار المستقبل. وصل أوّل وفد. التقى المفتي. طال وقت الاجتماع. وبدل الضغط على المفتي لإعادته إلى الخطّ الحريري، خرج الوفد مقتنعاً بما قاله مفتي الجمهوريّة، لناحية «الابتعاد عن كل ما يمكن أن يؤدي إلى الفتنة». أما الوفدان الآخران، فلم يظهر لهما أثر في دار الفتوى.
وبحسب عدد من الناشطين في تيّار المستقبل، فإن جمهور سعد الحريري يُراقب ويسمع ويُحلّل ويخرج بالآتي: سعد الحريري غائب عن البلاد، ومقابلته زادت الغموض والأسئلة بدل أن تُهدئ النفوس وتُقدم الأجوبة. رجال الحريري في الإدارة يُهادنون. سهيل بوجي وأشرف ريفي ووسام الحسن يسعون لأن يكونوا موظفين نجباء، لا يُخطئون، ليبقوا في مواقعهم. يتردّد أن عبد المنعم يوسف يُقدّم أوراق اعتماده لميقاتي عبر أحد أنسبائه المقربين من دولة الرئيس. نواب تيّار المستقبل يدخلون في علاقات طبيعيّة مع وزراء حكومة ميقاتي للمحافظة على قدرتهم على تقديم الخدمات. بعض رؤساء البلديّات ممن أوصلهم «المستقبل» إلى مواقعهم، يُرسلون «كشّافتهم» إلى هنا وهناك، لسبر إمكان بناء علاقة مع الحكم الجديد. وبحسب هؤلاء الناشطين، فإن جمهور الحريري ضائع ومحبط، فبات منه من يسعى إلى تقليد من ذُكروا أعلاه والتقرب من الحاكمين، ومنهم من لا يزال مثابراً على رهانه بأن انهيار النظام السوري سيُعيد زعيمه إلى السلطة.
يعرف أحد وزراء حكومة ميقاتي ما تقدّم ويُردّده غالباً، لكنّه يُضيف إليه حكماً: «... لكنهم في أوقات الانتخابات أو في لحظات التعبئة السياسيّة، يستخدمون اللغة المذهبيّة، فيعود كل واحد إلى طائفته ليتمترس فيها». هو الكلام عينه تقوله سيّدة رصينة تسكن في إحدى قرى إقليم الخروب، بعد أن تنقل ما تقوله جاراتها من شتائم «للآخر»، وتُضيف عليه: «لا يعرف هؤلاء أن هذه التعبئة ستوصلنا إلى الحرب. لقد فهمت اليوم حرب عام 1975».
2011-07-25