ارشيف من :أخبار لبنانية
طاولة الحوار: المشكلة في الشكل أيـضاً
نقولا ناصيف، الأخبار
أبدى الرئيس ميشال سليمان رغبة في معاودة اجتماعات طاولة الحوار، ارتفعت نبرة الجدل بين مؤيد ورافض. لكن الحوار الجديد ـ إذا عُقد ـ لن يشبه الجولات العشر السابقة منذ الأولى في 2 آذار 2006، والثامنة بصيغتها المعدّلة في 9 آذار 2010
بالتأكيد، يمثّل جدول أعمال جلسة محتملة لطاولة الحوار الوطني مشكلة جوهرية بين طرفين، لكل منهما جدول أعمال منفّر للآخر: قوى 14 آذار تريد بنداً وحيداً هو سلاح حزب الله ووضع مهلة للاتفاق على بتّ مصيره كي يكون في عهدة الدولة ليس إلا، وقوى 8 آذار تريد جدول أعمال ببند وحيد أو ببنود شتى لعمود فقري واحد هو الاستراتيجيا الدفاعية لحماية لبنان من إسرائيل، لا تجريد المقاومة من سلاحها.
تلتقي الغالبية والمعارضة على التئام الطاولة بشروط. إلا أن كلاً منهما تودّ استخلاص نتائج معاكسة للأخرى: تتوخى قوى 8 آذار من هذا الانعقاد انتزاع اعتراف الفريق الآخر بالشرعية الجديدة، الممثلة بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، التي لا يزال ينكرها عليها، لكن بلا أدنى التزام بأمر سلاح غير قابل للمناقشة. أما الفريق الآخر، القاطع في رفضه المشاركة، فهو يصرّ على ما لن يحصل عليه، وهو انتزاع التزام مسبق من قوى 8 آذار يتصل بثنائية ما يعدّه سلاحاً غير شرعي في أيد غير شرعية، هي ثنائية سلاح حزب الله وسلاح المعسكرات الفلسطينية خارج المخيّمات.
في ظلّ بندين متناقضين أصبحا واحداً من أسلحة المواجهة بين الغالبية والأقلية، تمسي الآمال المعقودة على طاولة الحوار الوطني ضئيلة، إن لم تكن شبه معدومة. تصبح أيضاً حظوظ الرئيس ميشال سليمان لاستعادة موقعه التوافقي ضئيلة بعدما أخذت عليه المعارضة تخلّيه عن هذا الموقع بقبوله بتوقيع مرسوم تأليف حكومة ميقاتي ممثلة لفريق سياسي واحد من لون واحد، فيما أضحى الرئيس في صلب السلطة الإجرائية الجديدة.
لكن ثمّة مسألة تبدو في الظاهر شكلية، وربما عابرة غير ذات قيمة، إلا أنها تقع في لبّ التوازن السياسي الجديد المنبثق من تكوّن غالبية نيابية جديدة بعد انهيار الأكثرية التي مثلتها قوى 14 آذار منذ انتخابات 2009 حتى مطلع السنة الحالية، عندما أطيحت حكومة الرئيس سعد الحريري، هي أن الطاولة السابقة للحوار الوطني لم تعد في ذاتها صالحة للمضي في عملها، ولا تراعي توازن القوى الجديد. بل الأصحّ أن دافعاً رئيسياً من أسباب رفض تيّار المستقبل وحلفائه المشاركة في جولة جديدة من الحوار الوطني مرتبط مباشرة بفقدانهم ترجيح الكفة التمثيلية في طاولة الحوار، رغم أن هذه لا تحتكم إلى التصويت، ولا تحلّ محل المؤسسات الدستورية. بات شكلٌ جديدٌ لطاولة الحوار جزءاً أساسياً من نجاح مهمتها، في منأى عن جدول الأعمال، يقتضي إعادة النظر في تركيبتها الحالية، المستمرة منذ ما بعد انتخابات 2009.
بعد جهود مضنية كان قد بذلها، نجح رئيس الجمهورية في تأليف هيئة حوار من 20 عضواً منبثقة من انتخابات 2009، تراعي بين الغالبية التي أفضت إليها تلك الانتخابات وتمثيل الأقلية، فضلاً عن أخذه في الاعتبار التوازن التمثيلي للطوائف بين هذين الفريقين، فيكون لكل منهما عضوٌ من كل من قوى 8 و14 آذار. بالصيغة الجديدة تلك، التأمت طاولة الحوار الوطني في ثلاث جولات في 9 آذار و15 نيسان و17 حزيران 2010، وأخفقت في الاجتماع في الجولة الحادية عشرة في 4 تشرين الثاني بسبب مقاطعة أفرقاء أساسيين جلسات مجلس الوزراء من جرّاء إصرار رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري على عدم إدراج ملف شهود الزور في جدول الأعمال، فذهب مجلس الوزراء بطاولة الحوار الوطني، وانقطع كلياً التواصل بين الطرفين، وخلفه التشنّج المذهبي داخل طائفة رئيس الحكومة، وبين تيّار المستقبل وحزب الله لا يزال يجرجر أذياله إلى الآن.
إلا أن طاولة 2010 لم تعد نموذجاً ملائماً لبدء طاولة 2011، حيث انتهت سابقتها، في ظلّ توازن القوى الجديد، لأسباب منها:
ـــــ انتقال مقعد رئيس الحكومة من الحريري إلى ميقاتي، كي يصبح الحريري عندئذ ممثلاً لتيار المستقبل فحسب، ما يوجب إخراج الرئيس فؤاد السنيورة من طاولة الحوار لفقدانه كرسيه بعدما مثل التيّار طوال وجود الحريري رئيساً للحكومة.
ـــــ عندما يصبح الحريري ممثلاً لتيّار المستقبل في طاولة الحوار يجاور الوزير محمد الصفدي الذي يصبح بدوره ممثل كتلة الشمال التي يرأسها ميقاتي. وبعدما أصبح ميقاتي رئيساً للحكومة، بات على الحريري أن يتخذ مقعداً إلى يمينه أو إلى يساره، ولكن بالتأكيد ليس في مقعده. كان الأمر أقل ثقلاً في طاولة 2006 عندما جلس الحريري قرب السنيورة رئيس الحكومة وتصرّف على أنه هو الأصل، وفي طاولة 2010 عندما كان هو رئيساً للحكومة في أصل الأصل. مع ميقاتي، تؤول الشرعية التمثيلية للطائفة إلى مكان آخر.
ـــــ لم يعد للوزير السابق إلياس المرّ، وقد خرج من الحكومة، مقعد إلى طاولة الحوار عن الطائفة الأرثوذكسية، فيذهب إذ ذاك إلى خلفه في نيابة رئاسة الحكومة الوزير سمير مقبل بغية الدفاع عن بقاء نائب رئيس المجلس فريد مكاري إلى الطاولة نفسها. ويضفي منح والد المرّ الابن النائب ميشال المرّ حكومة ميقاتي الثقة سبباً على استبعاده، وخصوصاً بعدما فقد غطاء رئيس الجمهورية الذي كان قد ضمّه إلى طاولة الحوار.
ـــــ بانتقال الغالبية من فريق إلى آخر، فإن الحجم التمثيلي لكل من قوى 8 و14 آذار بات بدوره، على صورة طاولة 2010، مرتبطاً بالفريق الذي يمسك بالغالبية. في طاولة جديدة محتملة يقتصر تمثيل المعارضة على الحريري والرئيس أمين الجميّل والنواب مكاري وبطرس حرب وميشال فرعون إلى سمير جعجع (ستة أعضاء بدلاً من ثمانية)، بينما يحافظ أركان 8 آذار على مشاركتهم فيها، كالرئيسين نبيه برّي وميشال عون والنواب سليمان فرنجيه وأسعد حردان ومحمد رعد وطلال أرسلان وأغوب بقرادونيان. وينضم إليهم وزير أرثوذكسي هو مقبل، ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي صار في صلب فريق الغالبية الجديدة، كي يصبح ميقاتي والصفدي والدكتور فايز الحاج شاهين وحدهم المستقلين ـــــ إلى حدّ ـــــ بين فريقي طاولة الحوار برئاسة رئيس الجمهورية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018