ارشيف من :أخبار لبنانية
حقوقيو 14 آذار.. أين دالوز؟
نصري الصايغ – "السفير"
عندما يطلق الطبيب عيادته، والمهندس خرائطه، والحقوقي مشلحه القانوني، والمصرفي حقيبته (موقتا)، فإنهم لا يضيفون شيئاً الى السياسة. يتحوّلون إلى ناسخين لأقوال، ومقلّدين لمواقف، ومرددين لشعارات، أنتجتها زعامات طائفية مشكوك بذكائها ولا تتمتع ببعد نظر.
حقوقيو 14 آذار، وضعوا دالوز خارج القاعة، وتباروا في خدمة الشعار السياسي الذي أنهك المحكمة الخاصة بلبنان دعماً لفظياً وتأييداً فضفاضاً وتبرئة لكل ما يعتور المحكمة من أسئلة تنال من سمعتها وصدقيتها ودستوريتها و...
طبيعي جداً أن يكون حقوقيو 14 آذار مع المحكمة، وليس مطلوباً منهم التنكر لها، ولا ينتظر أبداً أن يطعنوا بها، بهدف إقصائها عن مطلب الحقيقة، لإنزال القصاص والعقوبة، بمن ارتكب جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كائنا من كان.
كان متوقعا، من مؤتمر عقده حقوقيون، أن يجيب عن أسئلة طرحها حقوقيون، يمثلون الوجه الآخر للبنان: الوجه الذي أشاح بنظره عن محكمة، هي برأيه، غير دستورية وغير قانونية وغير مهنية ولا تتبع أعلى المعايير المهنية، لإحقاق الحق وتعميم العدالة.
سمعنا كلاما سياسياً حفظه اللبنانيون عن ظهر قلب. لا جديد أبداً. من الألف إلى الياء، النص مضبوط. 14 آذار تؤيد وتدعم المحكمة بكل ما أوتيت من «أسباب وحجج»، و8 آذار، ترفضها وتتهمها بكل ما أوتيت من «بيّنات وقرائن». لا جديد بالمرة.
سبق لحقوقيين موالين لفريق 8 آذار، أن قدموا مطالعات قانونية بحتة، وطرحوا إشكاليات تطعن في دستورية المحكمة، بالاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية، حيث تم تهريبه من خلال عريضة نيابية، لأكثرية موصوفة، لم يتح لها ان تعقد جلسة في البرلمان لفقدان النصاب الطائفي في الحكومة، بعد استقالة الوزراء الشيعة. ولا سألت هذه الأكثرية عن المادة 52 دستور، التي تؤكد صلاحية رئيس الجمهورية وضرورة توقيعه على المواثيق والمعاهدات الدولية.
لم نسمع في المؤتمر كلاماً يناقش آراء دستورية ذات وزن، تطعن بالمحكمة الخاصة بلبنان... لم يجب أحد، حتى اللحظة، عن أسباب وضع لبنان تحت الفصل السابع، المخصص أصلاً للأعمال التي تهدد السلم العالمي والإخلال به ووقوع العدوان.
خاضت قوى 8 آذار، معركة لتعرية المحكمة، بلجوئها إلى نصوص قانونية، ووقائع وأحداث لبنانية، ثم لجأت إلى تعرية صدقيتها، مدعمة حملتها، «بوثائق» و«قرائن» و«براهين» و«وقائع»، قد تكون ذات صدقية، وقد تكون متهافتة برمتها. وكان متوقعاً من حقوقيي 14 آذار، أن يجيبوا عن كل ما أثير، بالحجة والبينة والنص والواقعة. لكنهم لم يفعلوا. فضلوا أن يكونوا سياسيين، في اصطفاف سياسي، يؤكد على المؤكد لديهم، وينفي نفياً قاطعاً، ما ليس على مذهبهم السياسي، ولو كان مستنداً إلى دالوز.
مسكين لبنان. لا لغة تجمعه. لا نص يلمه. لا موقف يؤطره. لا محكمة تعدل معه. إنه ذاهب إلى قسمته، بإرادة وعلم وكفاءة جميع أبنائه المنخرطين في مطحنته السياسية المزمنة.
حقوقيو 14 آذار، كانوا سياسيين من درجة هابطة، فيما كان بإمكانهم أن يكونوا حقوقيين بدرجة ممتازة. وأسماؤهم لها مواقعها في عالم المحاماة والمرافعات والمراجعات.
لقد فوّتوا فرصة لبنانية ذهبية، كان يمكن ان تدشن في عز الجفاء وذروة الطرش المتبادل، حواراً ثرياً، بين حقوقيين من 14 و8 آذار، تحت سقف لبنان الواحد.
أليس العدل أساس الملك؟
لقد تأكد اليوم، بالوجه الحقوقي، لماذا لا ملك ولا دولة ولا وطن لدينا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018