ارشيف من :خاص

الأصولية المسيحية في أوروبا ... صراعات النفوذ والاتجار بـ"الخطر الاسلامي"

الأصولية المسيحية في أوروبا ... صراعات النفوذ والاتجار بـ"الخطر الاسلامي"
باريس ـ نضال حمادة

لم يكن التفجير الدموي الذي هز العاصمة النروجية اوسلو مفاجأة للمتابعين للأوضاع السياسية الداخلية الأوروبية. فهذه الدول الصناعية الرافعة ألوية حقوق الإنسان تعيش منذ سنوات صراعاً على السلطة بين الأجنحة السياسية الحاكمة مدعمة بلوبي المال والإعلام المتعدد الانتماء والولاءات.
وقد تكون المفاجأة الوحيدة هي حصول الهجوم في بلد مثل النروج، بينما كانت كل الظروف تشير إلى إمكانية وقوعه في فرنسا او بريطانيا، خصوصا بعد الحملات السياسية والإعلامية التي استهدفت المهاجرين والمسلمين بالتحديد في لعبة الصراع على السلطة والنفوذ بين الأحزاب الوطنية في هذه الدول ومجموعات النفوذ المالي والإعلامي والعسكري، وتحديدا فيما يتعلق بالصراع الخفي بين اللوبي الكاثوليكي الفرنسي واللوبي اليهودي على ما يعتبره الكاثوليك آخر معاقل المسيحية في فرنسا، وهي الجيش وأجهزة المخابرات بعد نجاح اليهود في السيطرة على الإعلام ودخول مؤسسة الخارجية والجامعات والقضاء.
في هذا السياق جاء هذا الهجوم في النروج ليظهر حقيقة الأوضاع على الأرض، لجهة تجذر الفكر العنصري المتطرف دينياً تارة، وعنصرياً قومياً تارة أخرى، فضلا عن ان هذا الهجوم يشير الى حقيقة لطالما سعت السلطات الأوروبية الى إخفائها عن المجتمعات الأوروبية وعن الخارج والمتمثلة بالتنظيمات الأصولية المسيحية المسلحة والتي تحمل في عقيدتها مبادئ المسيحية الصهيونية الأميركية مع اختلاف في تفاصيل الأولويات المحلية الخاصة بكل من أميركا وأوروبا حيث تتوجه هذه المسيحية الصهيونية بعدائها في أوروبا نحو المسلمين والعرب بينما تهتم في الولايات المتحدة الأميركية بضرورة دعم "إسرائيل" وبناء الهيكل في فلسطين.
في فرنسا التي تعد حاملة لواء العلمانية ضد كل ما هو مسلم منذ عقدين على الأقل، تنمو الميليشيات المسلحة تحت أعين الأمن، التي حذرت السياسيين من مخاطر استغلال وجود المهاجرين في لعبة الانتخابات الداخلية الفرنسية. ولم تتوقف هذه الأجهزة عن التحذير من هذه السياسة على الاستقرار الداخلي منذ الحملة على الحجاب في بداية عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، حتى وصلت الأمور الى التحذير من وصول الخطر الى الدرجة الحمراء عند محاولة ساركوزي مناقشة الوجود الإسلامي في فرنسا في أروقة البرلمان الفرنسي، لكن النواب رفضوا هذا المسعى بسبب تحذيرات أجهزة الأمن الفرنسية حسب مصادر نيابية فرنسية.
الأصولية المسيحية في أوروبا ... صراعات النفوذ والاتجار بـ"الخطر الاسلامي"في الوضع الأوروبي العام، يبدو هجوم اوسلو منظماً ومخططاً له بشكل دقيق تقنيا وعملانيا، ولا يمكن بأي حال من الأحول القول بأن من يقف وراءه شخص واحد بمفرده، وذلك يعود الى طبيعة الهجوم الذي استخدمت فيه كميات كبيرة من المواد الكيمائية الزراعية، وتمت عملية خلط العبوات كيميائيا من خبير أو أكثر في المتفجرات، كما ان الإمكانات اللوجيستية المستخدمة تفوق قدرة شخص واحد على التتخطيط والتنفيذ. ولا يمكن الفصل بين المجموعة التي خططت ونفذت عملية أوسلو وباقي المجموعات الأصولية المسيحية المتنامية في كافة دول أوروبا الغربية، خصوصا في الدول الكبرى (فرنسا بريطانيا والمانيا) حيث تنتشر المجموعات المتطرفة في هذه الدول وتحمل في بعض جوانبها بعداً مسلحاً في فرنسا والمانيا، وتبقى في هذا المجال الحالة الفرنسية نموذجا مصغرا لكافة أشكال الصراعات بين هذه المجموعة ومجموعات الضغط المرتبطة بها، وخصومها الذين يتوزعون على شرائح واسعة، تبدأ بالقوميات الفرنسية ذات الطابع الإنفصالي (الباسك والبروتون والكورسيك) مرورا بالصراع مع اليهود على السلطة في فرنسا وصولا الى العداء للمسلمين في أوروبا والعالم.
العلاقة مع اليهود وصراع السلطة وتحالف المال
لا يحمل الأصوليون المسيحيون المتدينون في أوروبا أي شعور بالود اتجاه النفوذ اليهودي القوي في مؤسسات الدولة الأوروبية الحديثة، وفي المجتمعات الأوروبية. وفي المقلب الآخر أنتج النفوذ اليهودي السياسي والاقتصادي والإعلامي مجموعات ضغط مسيحية داخل الكنيسة تحمل أفكار المحافظين الجدد في أميركا المؤيدة لـ"إسرائيل" من وجهة نظر دينية تعتمد قراءة للتاريخ وللإنجيل تلائم كل أساطير الصهيونية حول وجوب إعادة بناء الهيكل ووجوب دعم "إسرائيل" تمهيدا لعودة المسيح إلى الأرض.
من جهة التدين المسيحي التقليدي أو ما يمكن تسميته باللوبي الكنسي الكاثوليكي، لا تتوقف الشكاوى والكلام عن سيطرة اليهود على مجمل مقدرات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والمالية في أوروبا، وهذا ما أنتج تياراً معارضاً لهذه الهيمنة، لكنه تيار غير موحد ويتألف من قوى عديدة لا يجمع بينها سوى هذا الموقف من النفوذ الصهيوني فيما علاقاتها الداخلية لا تتفق على حال رغم محاولات العديد من رجال الدين المسيحيين خلق لوبي قوي داخل مؤسسات الدولة وخارجها. ويظهر هذا الانقسام عادة في الانتخابات التي تتوزع فيها أصوات هذا اللوبي تبعا للمصالح الشخصية للناخب أو للكنيسة التي يتبعها والتي تراعي مصالحها المناطقية والجهوية.
في المقابل ساهم تراجع التيار الكنسي التقليدي وعدم قدرته على التأثير في دوائر القرار في صعود تيار المسيحية الصهيونية المتأثر بالمحافظين الجدد في أميركا، ولا يُخفي أتباع هذا التيار توجهاتهم العقائدية والسياسية بالنسبة للمهاجرين من المسلمين حيث صدرت عدة كتب لأشخاص من أتباع هذا التيار تهاجم المسلمين وعقيدتهم وتحدث البعض منهم منذ عدة سنوات عن ضرورة احتلال العراق وسوريا وإيران حتى ولو تم استعمال القنبلة النووية، وينشط هؤلاء بالأخص في محيط الكنائس البروتستانتية أو تحت غطاء جمعيات (شهود يَهْوَه) كما إن البعض من هؤلاء ينشط ماليا وتجاريا لحساب هذا الفكر وجمعياته.
وتكمن مفارقة الصراع الخفي والتحالف العلني ضد المسلمين في اختلاف المصالح بين أتباع هذا الفكر واليهود، فالإعلام الفرنسي يخضع لسيطرة الجالية اليهودية فيما المال والتجارة يقعان في يد البروتستانت وذلك لأسباب تاريخية تعود إلى حقب الملكية في أوروبا والتي كانت تمنع على البروتستانت الدخول في الجيش وفي وظائف الدولة، ما دفعهم الى العمل في التجارة وفي المال وفي المهن الحرة.
هذا الوضع ينطبق على اليهود أيضا الذين منعوا في العهود الملكية من كل الأشياء التي منع منها البروتستانت ما دفعهم إلى التوجه بدورهم للتجارة والمال والأعمال الحر،ة وهذا ما وضعهم في منافسة مباشرة مع البروتستانت انعكست على سير العلاقات بينهم التي تحولت إلى نوع من الصراع الطبقي وصراع النفوذ والمال والسلطة، داخل المجتمعات الأوروبية، فيما نجحت الصهيونية في خلق تيارات داخل هذا الخط تؤيد "إسرائيل" وتدافع عنها وعن سياستها.
وينشط التيار الأصولي المسيحي في صفوف العاطلين عن العمل بكثرة، كما انه بدأ بدخول النقابات العمالية والمهنية، ولديه وصول لبعض النواب في البرلمان، فضلا عن تسرب أفكاره إلى الجيش الفرنسي وأجهزة الشرطة والمخابرات التي تتعامل في كثير من الأحيان مع المسلمين وفق مبدأ المتهم، ولسجل الشرطة والمخابرات في التعامل مع كل ما هو مسلم، تاريخ حافل بالتعاطي غير القانوني في كثير من المواقف.
كما ويُعتبر حاملو الفكر الاستعماري من المنضوين تحت لواء الحلف الأصولي للمسيحية اليهودية وإن كان هؤلاء يحاولون التبرؤ من هذه العلاقات على خلفية الابتعاد عن التهم الموجهة لأصحاب الفكر الاستعماري بالدفاع عن عصور العبودية بحق الشعوب الأفريقية التي انتهجتها أوروبا سابقا.
إلى أين تتجه الأمور؟
ساهم تراجع التيار الكنسي التقليدي وعدم قدرته على التأثير في دوائر القرار في صعود تيار المسيحية الصهيونية المتأثر بالمحافظين الجدد في أميركا
تقول أجهزة الشرطة في أوروبا إنها تضع تحت المراقبة المئات من العناصر المتطرفة التي يمكن أن تشكل خطراً على الأمن والسلم الأهليين. ففي فرنسا على سبيل المثال، تقول السلطات إن هناك ثلاثمئة ناشط يميني متطرف تحت مراقبة وحدة خاصة من المخابرات تضم نحو مئة عنصر أنشئت من أجل مراقبة ناشطي اليمين المسيحي المتطرف ومكافحته. ويتعدى هذا الأمر الحدود الوطنية في البلدان الأوروبية إلى تعاون بين الدول على هذا الموضوع الذي يقلق الحكومات وأجهزة الأمن الأوروبية، ويوجد بين فرنسا وألمانيا تنسيق امني حول عدد من اليمينيين المتطرفين في كلا البلدين حسب ما ذكرته صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية في عددها الصادر الأربعاء الماضي.
غير أن هجوم أوسلو جاء ليشير إلى عدم جدوى الإجراءات المتبعة من قبل الأوروبيين في هذا المجال. فمنفذ العملية شخص لم يكن ضمن المجموعات المصنفة خطرة على الأمن العام، وبالتالي لم يكن تحت المراقبة الأمنية، وهو ما يطرح سؤالاً عن الحالات غير المعروفة للشرطة في البلدان الأوروبية، والتي يمكن لها أن تقوم بما قام به منفذ هجوم أوسلو في أي وقت يريد وبنفس الوسائل الإجرامية الفتاكة بسبب توافر المواد والخبرة التي كانت السبب في سقوط عدد كبير من الضحايا في أوسلو.
في هذا السياق ورغم التقليل الإعلامي من خطر هذه المجموعات الأوروبية المتطرفة، واستمرار وسائل الإعلام الأوروبية في التركيز على الخطر الإسلامي، جاء هجوم أوسلو الدموي ليثبت بالوقائع وبالدم بأن هناك خطراً موجوداً لن ينفع تجاهله ولا حرف الأنظار عنه بادعاء أخطار وهمية لأسباب انتخابية تتعلق بمصالح الساسة الأوروبيين فقط لا غير.
فالحكومات الأوروبية وخصوصا الكبرى منها في فرنسا وبريطانيا وألمانيا مدعوة إلى انتهاج سياسات جديدة في الداخل الوطني كما في الخارج من أجل الحد من هذه الظاهرة تمهيدا للقضاء عليها. ولن ينفع هنا الاستمرار في الاتجار بالخطر الإسلامي الآتي ولا بالاستمرار في تغطية الفشل الذريع اقتصاديا وسياسيا عبر اختلاق مشاكل وهمية كمسألة منع الحجاب أو الاستفتاء على بناء المآذن والمساجد لأن هذه لم تكن يوما سببا جديا في زعزعة الأمن الوطني إلا بالمقدار الذي أرادته وتريده الأجهزة الحاكمة التي استغلت الوجود الإسلامي المهاجر في صراعاتها السياسية الداخلية وفي خلافاتها مع دول إسلامية كما يحدث في فرنسا منذ عقدين أو كما حدث في مسألة المآذن في سويسرا مباشرة بعد خلافات مع ليبيا في قضية هنيبعل القذافي الشهيرة.
أيضا لا بد للسلطات السياسية في الدول الأوروبية من الالتفات أكثر إلى كل الجمعيات الدعوية المتطرفة التي تنبت كالفطر في المجتمعات الأوروبية، ويشاهد الجميع تحركاتها في الشارع عبر توزيع المنشورات الدينية والنبوئية أو عبر حملات الغزو الدعوي المنظم الذي تقوم بها على بيوت الناس في سعي لكسب المريدين كما تفعل جمعية (شهود يَهْوَه) المتطرفة وجمعيات مسيحية أخرى تعد بالعشرات، لا تخفي انتماءها للفكر الماسوني الذي ينتمي إليه منفذ عملية أوسلو في النرويج.
من ناحية ثانية هناك التبعية الكاملة لكل ما هو إسرائيلي والتحالف الخفي بين السلفية المتطرفة والدول الأوروبية التي بفعل مصالحها النفطية والمالية تحتضن السلفيين الذين لا يعطون عن الإسلام سوى الانطباعات السيئة والذين تستغلهم هذه الدول في عملية شيطنة الإسلام والمسلمين التي تأتي بشكل تلقائي تأييدا لـ"إسرائيل" ضمن المجتمعات الأوروبية.
أخيرا على هذه الدول الأوروبية التي لا تتوقف عن تقديم النصائح لغيرها في العالم بحجج استعمال سياسات أمنية في الداخل، عليها أن تتخلى عن تعاطيها الأمني مع الوجود المسلم والانتقال إلى المعالجة السياسية لأن التهويل الأمني لم ينتج سوى جماعات مسيحية أصولية تتعاطى مع المجتمع من نظرة أمنية إرهابية.
2011-07-29