ارشيف من :أخبار لبنانية

صفحة جديدة بين حـزب الله والقاهـرة: مواجهـة أي "سـايكـس ـ بيـكـو" جـديـد

صفحة جديدة بين حـزب الله والقاهـرة: مواجهـة أي "سـايكـس ـ بيـكـو" جـديـد

عمار نعمة - صحيفة "السفير"

لعلها صفحة جديدة تلك التي فُتحت قبل أيام، رسمياً هذه المرة، بين «حزب الله» والقاهرة، مبنية على نية مشتركة وصادقة من الجانبين بالبناء على المصالح المشتركة وعلى ما يقرّب في سبيل مواجهة التحديات، وان كان يلزم خطوة كهذه الكثير من المتابعة في المرحلة المقبلة، في موازاة التنبه لما قد يحاك في الخفاء لإفشال أي تقارب بين المقاومة في لبنان ومصر ما بعد الثورة.

مناسبة هذا الكلام شكله «الانفتاح» المصري الرسمي، السياسي والديني، على «حزب الله»، بعدما شاب علاقة الأخير بالقاهرة الكثير من الاهتزاز وصولا الى حد القطيعة مع النظام المصري الماضي ورئيسه حسني مبارك، الامر الذي دفع بعلاقة الحزب مع المؤسسة الدينية المصرية، أي الازهر، الى التدهور في ظل الحملات المصرية المحمومة، المدفوعة أميركياً، لإثارة الفرقة القومية والمذهبية مع ايران، مستهدفة أساساً المقاومة في لبنان، وحركات المقاومة المتعاطفة مع ايران، وان لم تكن تحمل طابعا شيعياً.

كان أهم ما حملته زيارة وفد من «حزب الله» برئاسة الشيخ حسن عز الدين الى القاهرة قبل أيام، وهي لم تكن الاولى، وان اتخذت عنوان المشاركة في مؤتمر «التجمع العربي والاسلامي لدعم خيار المقاومة»، تحقيق خرق كبير على صعيد علاقة شابها الكثير من التأويل. واذا كان الكثير من تفاصيل الزيارة سيظل طي الكتمان بهدف حماية العلاقة الناشئة من بعض المتربصين، فإنه يمكن البناء على «إيجابيتها» و«وديتها»، خاصة على صعيد اللقاء بين رئيس وفد «حزب الله» الشيخ حسن عز الدين، وهو مسؤول العلاقات العربية في الحزب، ومؤسسة الأزهر وشيخها د. أحمد الطيب.

والحال ان موقف الحزب كان على الدوام، في أوج توتر العلاقة مع نظام مبارك، يتجه نحو تغليب التهدئة على أجواء الحماوة اثر الحملة التي شرع النظام المصري في شنها، سياسياً وحتى عقائدياً، والتي استمرت الى ما قبل سقوط مبارك بأيام، للايهام بتدخل ايراني في الثورة، في محاولة يائسة للنجاة من الانتفاضة الشعبية السلمية الداخلية.

وقد شكل التحول شبه الجذري في السياسة المصرية وانفتاحها اليوم، مناسبة للقاءات مصارحة بين الوفد والطيب و«القيادة السياسية» المصرية والعديد من الاحزاب والمجموعات الشبابية المتنوعة وعدد من المرشحين للرئاسة المصرية، طيلة أيام عشرة قضاها عز الدين في القاهرة، مع العلم ان الزيارة تزامنت مع اخرى لوفد ايراني برئاسة معاون رئيس مجلس الشورى حسين شيخ الاسلام.

يشير عز الدين الى رمزية كبيرة حملها اللقاء مع الطيب خاصة، لما يمثله الازهر من معادلة بالغة الاهمية في مصر وخارجها، خاصة أن للازهر تاريخا في التقريب بين المذاهب الاسلامية عامة، وليس فقط بين السنة والشيعة، اللقاء الذي شكل مدخله رسالة «الشكر والتقدير والاحترام والمحبة» التي نقلها عز الدين من السيد حسن نصر الله الذي بعثه الى القاهرة ممثلا شخصيا له، وذلك اثر المواقف الاخيرة التي اتخذها الطيب على صعيد المقاومة في لبنان وفلسطين.

خرج عز الدين من لقاءاته القاهرية، ومع شيخ الأزهر على وجه الخصوص، بتقييم أكثر من إيجابي للرؤية المصرية الواعية والشاملة لما يحيط مصر من مشاريع وتربص من عدو واحد هو اسرائيل، التي أكد الطيب على خطورة دورها في تمزيق الامة في صراع موهوم ومفتعل، مشيرا الى ان المخطط الاسرائيلي بات في نهايته. وشدد الطيب على ضرورة تكاتف الامة بوجه المشاريع الخارجية لاستهدافها، راداً تحية نصر الله بأفضل منها «اذ اننا في زورق واحد، وما يصيب أحدنا يصيب الآخر وعلينا ان لا نتوقف عند الامور الصغيرة والجزئية التي قد تفرقنا».

يدرك «حزب الله» تماماً أهمية مؤسسة الازهر اليوم التي تعرضت خلال الفترة الاخيرة لتهجمات من بعض العرب نتيجة اعتدالها ودعوتها للوحدة، وقد أسرّ الطيب للوفد انه أصيب بشظايا كثيرة نتيجة اعتداله ودعواته الوحدوية المتكررة، مشددا على أهمية البناء على المشترك بين المسلمين الذين يقربهم الكثير، مستغربا ان يكون الغرب الاوروبي على سبيل المثال، المتقاتل دوماً والمجزّأ الى عشرات الدول، قد توصل الى تفاهمات ووحدة اقتصادية واجتماعية، في الوقت الذي لا يزال فيه العرب، وهم أهل بيت واحد، على انقساماتهم.

وقد اتخذت الجلسة الازهرية حميمية بلغت بالطيب حد الحديث المسهب عن المذهب الجعفري وأهميته في حل الكثير من العقد، إضافة الى دور المرجعية وعلماء الدين في ايران «الدولة الشقيقة» في تطوير العلوم الفلسفية، متناولا ما للتراث الشيعي من أهمية.

أقر الطيب بإساءات وجهت برعاية من بعض الدول الى الشيعة أدت الى ردود شيعية متطرفة، منتقدا بعض ما ينشر من أوساط شيعية لا تدفع حسب رأيه باتجاه الوحدة، لكن كان من الغريب أن تلجأ بعض الأوساط اثر اجتماع «حزب الله» والطيب الى التسريب بأن الاخير انتقد «خطر نشر التشيع»، الامر الذي نفاه عز الدين نفياً قاطعاً، وان كان الحزب لا يود الدخول بسجال مع أحد في ظل علمه بالتربص القائم للعلاقة من بعض المرتبطين بالنظام الماضي، إضافة الى المحاولات الدؤوبة من الخارج، وخاصة الولايات المتحدة، للتربص بالثورة وافتعال الازمات على صعيد طائفي مسلم - قبطي ومذهبي سني - شيعي.
وطيلة الايام العشرة التي قضاها الوفد في القاهرة، كانت قناعته ببعد النظرة المصرية لواقع المنطقة تتعزز، خاصة في ظل المقاربة المصرية الجديدة وأولويتها القضية الفلسطينية، إضافة الى قضية المقاومة، والاهم إفشال محاولات استغلال الثغرات القائمة من الخارج الذي يسعى اليوم الى «سايكس - بيكو» جديد كما جاء على لسان العديد من القيادات المصرية.

كما أن القاهرة باتت تدرك اليوم أهمية دور المقاومة، ويقول المصريون ان المقاومة تشكل ثابتة في المعادلة الاقليمية، و«ثورة يناير» تعد بدورها داعما استراتيجيا لها. ومن ناحيتها، فإن المقاومة مستعدة لتوظيف قوتها في خدمة دور القاهرة اليوم، اذ يعتبر «حزب الله» ان ما حصل في مصر، برغم التعقيدات القائمة التي لن تحول دون استكمال أهداف الثورة، يعد إنجازا تاريخيا كبيرا اثر ثورة شعبية سلمية، تنطلق من مؤثرات داخلية، تمكنت من إسقاط أحد أهم الحلفاء الاستراتيجيين لإسرائيل، مثلما ان الثورة باتت تشكل عنصر دعم لكل حركات التحرر، في ظل الوعي العميق للقيادة السياسية المصرية لدور القاهرة وموقعها في المنطقة، فهي حسب عز الدين «عمود الخيمة» الذي سيشكل المظلة المقبلة للوطن العربي بمجمله.
 

2011-08-02