ارشيف من :خاص

استقالة جنرالات تركيا: حان موعد الحساب!

استقالة جنرالات تركيا: حان موعد الحساب!

إعداد: علي شهاب

تسري نكتة ساخرة في الشارع التركي هذه الأيام مفادها أن "الحمد لله أن اليونان تعاني من انهيار اقتصادي والا لكان جيشها اجتاح تركيا"، على خلفية الاستقالة الجماعية للجنرالات الأتراك والظروف الاقليمية المحيطة بأنقرة في هذا الوقت بالذات.
ويبدو واضحا ان الاستقالة ستفتح باب الاحتمالات على تغييرات في المشهد التركي بما يحقق واقعا سياسيا مختلفا تماما عن الذي اعتادته البلاد، التي عاشت طوال السنوات الماضية على توافق ـ بالحد الأدنى ـ بين المؤسسة العسكرية والتيار الاسلامي المتمثل بحزب العدالة والتنمية الحاكم.
التطورات الأخيرة في تركيا كانت محل معالجة من الخبير في شؤونها في العاصمة واشنطن سونر چاغاپتاي في تقرير نشره في المساحة السياسية الجديدة التي أطلقتها شبكة "سي أن أن" مؤخرا والتي تضم مجموعة من كبار الباحثين والكتّاب السياسيين في شتى المواضيع الدولية.
وهنا ما ورد في التقرير:


"جاءت الأخبار اليوم عن الاستقالة الجماعية لرئيس هيئة أركان القوات المسلحة التركية، الجنرال أسيك كوسانير، وقادة القوات البرية والبحرية والجوية كإشارة الى أن الجيش التركي، ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي، ينكسر تحت وطأة "حزب العدالة والتنمية" الحاكم.
ومنذ مجيئ «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة في أنقرة عام 2002، توترت العلاقات المدنية والعسكرية بين الحزب الحاكم، وهو ائتلاف مكون من محافظين وإسلاميين انتهجوا طريق الإصلاح وإسلاميين آخرين، وبين الجيش، الذي هو معقل العلمانية.
ولكن حتى الآن، ظلت القيادة العسكرية تتبع سياسة الدبلوماسية، باختيارها عدم الدخول في مواجهة مع الحكومة. ولكن مع استقالة الكثير من كبار القادة العسكريين من الجيش التركي في وقت واحد هذا اليوم، فلم يعد ذلك هو الحال.
استقالة جنرالات تركيا: حان موعد الحساب!لقد كان هذا متوقعاً: فالجيش و"حزب العدالة والتنمية" لم ينظرا إلى العديد من القضايا برؤية متشابهة، وكان أهمها جدار الحماية بين الدين والسياسة.
وقد كانت لـ "حزب العدالة والتنمية" حتى الآن اليد العليا: ففي عام 2007، أثارت سلطات "حزب العدالة والتنمية" قضية في المحكمة، عرفت باسم "إيرغينيكون"، وزعمت وجود محاولة للقيام بانقلاب ضد الحكومة وقد اتُهم الجيش بتورطه فيها.
وبعد مرور أربع سنوات اعتقل خلالها المئات، لم يتم بعد الوصول إلى قرار الحكم. وقد تحمّل الجيش التركي حتى الآن وطأة هذه الاعتقالات. فقد تم سجن نحو نصف مجموع أدميرالات البحرية التركية. وعلاوة على ذلك، وبسبب اتهام جميع جنرالات سلاح الجو ذوي الأربع نجوم بتورطهم في القضية، فإنه ليس من المؤكد أن هناك جنرالا من فئة أربع نجوم يستطيع مجلس الترقيات العسكرية في تركيا تعيينه في منصب قائد سلاح الجو خلال اجتماعه السنوي في شهر آب/أغسطس. ونتيجة لذلك، فإن النكتة الساخرة في أنقرة قد أصبحت، "الحمد لله أن اليونان تعاني من انهيار اقتصادي، وإلا سيكون هذا هو الوقت المثالي لغزو تركيا!"
والآن ردت المؤسسة العسكرية بصورة غير متوقعة. إن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت قد جاءت في وقت سابق من هذا الاسبوع، عندما أشارت وسائل الإعلام المؤيدة لـ «حزب العدالة والتنمية» الى أن 14 من الجنرالات والأدميرالات في الخدمة الفعلية والذين كان قد ألقي القبض عليهم لعلاقتهم بقضية "إيرغينيكون"، وإن لم توجه إليهم اتهامات حتى الآن، لم يتم تجاهلهم في الترقية فحسب، بل قد أُجبروا أيضاً على الاستقالة. وعلاوة على ذلك، وبالأمس فقط، ألقت الشرطة القبض على 22 من كبار الضباط الآخرين، ما سيؤدي على الأرجح إلى منع ترقيتهم.
وللمرة الأولى في تاريخها، تشعر المؤسسة العسكرية التركية بأنها كغزال أمام مصابيح أمامية، يواجه الأشعة السياسية العالية لقضية "إيرغينيكون".
وتاريخياً باعتبارها المؤسسة الأكثر احتراماً في البلاد والتي تتوج من يحكم في أنقرة، فقد شاهدت المؤسسة العسكرية هيبتها وقوتها تسقط بسهولة منذ أن تولى "حزب العدالة والتنمية" السلطة في عام 2002.
إن مزاعم الانقلاب، بما في ذلك تأكيدات بأن الجيش كان يخطط لتفجير مساجد اسطنبول التاريخية كي يسبب حدوث أزمة سياسية، قد أضرت بالمؤسسة العسكرية التركية.
إن مكانة الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر ثقة في البلاد آخذة في التراجع: ففي عام 2002، أعرب نحو 90 في المئة من الأتراك عن أنهم يثقون بالمؤسسة العسكرية، بينما تُظهر الآن معظم استطلاعات الرأي أن هناك بالكاد 60 في المئة من الأتراك الذين يقولون بأنهم يثقون بها.
والشيء الأكثر من ذلك، فإنه مع وجود العشرات من الجنرالات ومئات من الضباط الآخرين في السجون لفترة دامت سنوات مع قيام مزاعم عن تورطهم بمحاولة انقلاب، وعدم وجود لائحة اتهام في الأفق، فإن معنويات الضباط محبطة. إن هذه هي الطريقة التي تقول بها القيادة العسكرية التركية إلى الحكومة: "نحن أنهينا لعبتنا معكِ. حضّري الفريق الخاص بكِ إذا استطعتِ القيام بذلك".
إن معضلة "حزب العدالة والتنمية" هي أن ذلك قد لا يكون ممكناً. فجميع ضباط الجيش التركي يخضعون لنفس التدريب، ولنفس قواعد السلوك والالتزام بالعلمانية والمعارضة اللاحقة لـ "حزب العدالة والتنمية". وسيكون من الصعب على "حزب العدالة والتنمية" ايجاد ضباط موالين له في صفوف المسؤولين العسكريين الكبار.
إن ذلك يترك تركيا بين خيارين: العمل مع جيش من دون قائد، وهو خطر لبلد محاط بإيران والعراق وسوريا، حيث تشهد هذه الأخيرة اضطرابات ثورية على الجانب الآخر من الحدود التي تبلغ طولها 500 ميل؛ أو صياغة اتفاق بين "حزب العدالة والتنمية" والمؤسسة العسكرية لإطفاء الأشعة العالية لقضية "ايرغينيكون".
إن لحظة الحساب في تركيا، التي تأخرت منذ عام 2002، يبدو أنها قد حانت".
2011-08-04