ارشيف من :أخبار لبنانية
تحرر الشخصية المصرية
ساطع نور الدين
غالبا ما يقاس الزمن في مصر بالقرون، ويحسب التاريخ بالالفيات، وتسجل محطاته الكبرى بلحظات. بالأمس كانت لحظة فارقة لأنها أعلنت قطيعة كاملة مع كل ما كتب وحفظ في وادي النيل على مدى سبعة آلاف عام مضت.
لم يسبق لذلك الاجتماع المصري الذي عاش على ضفاف ذلك النهر العظيم، ان انتج سوى فراعنة، لأنه لا يعرف سوى ذلك المفهوم الاستبدادي للحكم. هكذا تكونت الشخصية المصرية وتطورت على مرّ الاجيال لكنها حافظت على فكرة الدولة المركزية القوية المستمدة من مجرى النيل، وسلّمت بالحاجة الابدية الى طاغية يدّعي ملكية تلك الارض وثرواتها الهائلة ويمد سلطانه على فلاحيها، بعد ان يتخذ منهم كهنة وشركاء في استعباد الارقاء.
حتى الأمس كانت تلك الشخصية تصنف باعتبارها من اكثر الشخصيات البشرية قدرية. لا تثور الا في ما ندر وبعد ان يكون الفرعون او الخليفة او الخديوي قد مات او دخل في طور الاحتضار. وغالبا ما كانت ثورتها بمثابة نداء جديد لطاغية جديد، حتى ولو لم يكن في معظم الاحيان من أب مصري وأم مصرية. المهم ان تستمر الدولة التي تستمد شرعيتها واستمراريتها من جريان النهر والرغبة الدائمة في تفادي غضبه.
لم يسبق لذلك الاجتماع المصري ان شاهد حاكما سابقا، على قيد الحياة، يجر على عربة داخل المحكمة: كادت الصورة توحي بأن المصريين يقدّمون عرضا مسرحيا جديدا، يتراوح بين الجد والهزل. لكن مهابة اللحظة كتمت التعليقات والضحكات التي كان يمكن أن تدوي على الرجل الممدد الذي أدى دوره باتقان من دون أن يكتسي وجهه او وجوه ولديه وبقية رفاقه المتهمين بأي تعبير عن الذل او الندم او الخجل... أو ربما التحدي الذي سبق ان ابداه اكثر من زعيم مثله وقف في قفص الاتهام!
في تلك اللحظة بدا ان شخصية مصرية جديدة تتكون وتتحرر بشكل جذري من اعباء سبعة آلاف سنة. الفرعون الاخير يمد جسده العاجز على عربة مستشفى مكشوفة، يتلقى التهم الموجهة اليه فينكرها، ثم يستعد لمحاكمته مثل اي مجرم عادي، وينتظر النطق بالحكم الذي يتمنى او يتوقع ان يكون بالبراءة لانه كان من الغباء او العناء بحيث لا يعرف ما الذي ارتكبته يداه او أيدي ولديه ووزرائه ومساعديه من جرائم... هي الاخيرة من نوعها التي يمكن ان يرتكبها حاكم مصري بعد اليوم.
هي لحظة الاعلان عن ان الثقافة الفرعونية قد وضعت في مكانها الصحيح. ولم يبق منها سوى المعالم الاثرية الباهرة التي تجتذب السياح لكنها لا تخدمهم في البحث عن تاريخ الهوية المصرية او تكوين الشخصية المصرية، بكل ما كان يراودها من كوابيس. اعتبارا من اليوم لن يجروء اي حاكم مصري ( او حتى عربي) على مجرد الحلم في ان يبعث تلك الثقافة ذات الجوهر الاستبدادي، من دون ان يخشى تلك الموجة الشعبية التاريخية التي وضعت آخر الفراعنة على عربة الهوان.
لم يسبق لذلك الاجتماع المصري الذي عاش على ضفاف ذلك النهر العظيم، ان انتج سوى فراعنة، لأنه لا يعرف سوى ذلك المفهوم الاستبدادي للحكم. هكذا تكونت الشخصية المصرية وتطورت على مرّ الاجيال لكنها حافظت على فكرة الدولة المركزية القوية المستمدة من مجرى النيل، وسلّمت بالحاجة الابدية الى طاغية يدّعي ملكية تلك الارض وثرواتها الهائلة ويمد سلطانه على فلاحيها، بعد ان يتخذ منهم كهنة وشركاء في استعباد الارقاء.
حتى الأمس كانت تلك الشخصية تصنف باعتبارها من اكثر الشخصيات البشرية قدرية. لا تثور الا في ما ندر وبعد ان يكون الفرعون او الخليفة او الخديوي قد مات او دخل في طور الاحتضار. وغالبا ما كانت ثورتها بمثابة نداء جديد لطاغية جديد، حتى ولو لم يكن في معظم الاحيان من أب مصري وأم مصرية. المهم ان تستمر الدولة التي تستمد شرعيتها واستمراريتها من جريان النهر والرغبة الدائمة في تفادي غضبه.
لم يسبق لذلك الاجتماع المصري ان شاهد حاكما سابقا، على قيد الحياة، يجر على عربة داخل المحكمة: كادت الصورة توحي بأن المصريين يقدّمون عرضا مسرحيا جديدا، يتراوح بين الجد والهزل. لكن مهابة اللحظة كتمت التعليقات والضحكات التي كان يمكن أن تدوي على الرجل الممدد الذي أدى دوره باتقان من دون أن يكتسي وجهه او وجوه ولديه وبقية رفاقه المتهمين بأي تعبير عن الذل او الندم او الخجل... أو ربما التحدي الذي سبق ان ابداه اكثر من زعيم مثله وقف في قفص الاتهام!
في تلك اللحظة بدا ان شخصية مصرية جديدة تتكون وتتحرر بشكل جذري من اعباء سبعة آلاف سنة. الفرعون الاخير يمد جسده العاجز على عربة مستشفى مكشوفة، يتلقى التهم الموجهة اليه فينكرها، ثم يستعد لمحاكمته مثل اي مجرم عادي، وينتظر النطق بالحكم الذي يتمنى او يتوقع ان يكون بالبراءة لانه كان من الغباء او العناء بحيث لا يعرف ما الذي ارتكبته يداه او أيدي ولديه ووزرائه ومساعديه من جرائم... هي الاخيرة من نوعها التي يمكن ان يرتكبها حاكم مصري بعد اليوم.
هي لحظة الاعلان عن ان الثقافة الفرعونية قد وضعت في مكانها الصحيح. ولم يبق منها سوى المعالم الاثرية الباهرة التي تجتذب السياح لكنها لا تخدمهم في البحث عن تاريخ الهوية المصرية او تكوين الشخصية المصرية، بكل ما كان يراودها من كوابيس. اعتبارا من اليوم لن يجروء اي حاكم مصري ( او حتى عربي) على مجرد الحلم في ان يبعث تلك الثقافة ذات الجوهر الاستبدادي، من دون ان يخشى تلك الموجة الشعبية التاريخية التي وضعت آخر الفراعنة على عربة الهوان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018