ارشيف من :أخبار لبنانية
خيط رفيع بين الدفاع عن الجيش.. ودفعه للانتحار
عماد مرمل - صحيفة السفير
من معركة شجرة العديسة الشهيرة الى اشتباك الوزاني الأخير، يثبت الجيش اللبناني المرة تلو الأخرى انه يملك ما يكفي من العقيدة القتالية، الشجاعة، الحماسة والاندفاع، لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وجهاً لوجه، برغم الخلل الكبير الحاصل في موازين القوى لصالح العدو المدجج بترسانة من الأسلحة الأميركية والغربية المتطورة.
ولعل أهم ما في هذا النوع من الاختبارات، ان مردوده يتجاوز الحسابات العسكرية والنتائج الميدانية، الى الدلالات السياسية والوطنية العميقة الأثر، وفي طليعتها ان المؤسسة العسكرية «تشربت» فعلاً ـ وليس قولاً فقط ـ ثقافة العداء لإسرائيل بعد زمن طويل من الحياد تحت شعار أن قوة لبنان في ضعفه.
ومن مفاعيل هذه الثقافة المعمّدة بالدم أن الجيش بات يملك سلاحاً جديداً لم يكن بمتناوله سابقاً، وهو سلاح الثقة في النفس الذي حرره من «عقدة النقص» في مواجهة الجندي الإسرائيلي، بحيث أصبح جنوده المرابطون على الحدود يبادرون من دون خوف او رهبة الى إطلاق النار فوراً على قوات الاحتلال، كلما اخترقت السيادة الوطنية، في سلوك غير مألوف على طول الحدود العربية مع فلسطين المحتلة.
بهذا المعنى، فإن قيمة المواجهات الحدودية تكمن في انها كشفت عن تمكن الجيش من كسر هيبة الجيش الإسرائيلي، الى حد أن الجنود اللبنانيين نجحوا في « تحرير» زمام المبادرة، واستعادتها حتى إشعار آخر، كما فعلوا في العديسة سابقاً وفي الوزاني لاحقاً، حيث فتحوا النار فوراً على القوة المعادية، تنفيذاً لأوامر مسبقة صادرة عن القيادة في اليرزة وتقضي بالتصدي العسكري لأي خرق إسرائيلي، من دون المراجعة وطلب الإذن.
ولكن، هل يعني ما سبق ان الجيش بات قادراً، لوحده، على مواجهة أي عدوان اسرائيلي واسع، وأن جهوزيته العسكرية الراهنة تؤهله ليأخذ على عاتقه منفرداً حماية الحدود البحرية، والمنشآت والثروة النفطية المفترضة، أم ان معادلة الشعب والجيش والمقاومة تبقى حيوية.. وحتمية؟
واستطراداً، كيف تُقرأ المواقف التي صدرت أخيراً عن بعض شخصيات فريق 14 آذار التي اعترضت على إطلاق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله معادلة «النفط في مقابل النفط»، معتبرة أنه يصادر دور الدولة ومراهنة على أن الجيش يستطيع بقدراته أن يؤدي هذه المهمة الدفاعية؟
أغلب الظن، أن أصحاب هذه المواقف يدركون في قرارة أنفسهم أن الجيش ليس جاهزاً بعد على مستوى الإمكانيات التسلحية لخوض هذه المغامرة المصيرية، وأن شجاعة جنوده التي تستحق كل تقدير غير كافية لتحقيق توازن الردع مع الاحتلال ـ في حال نشوب حرب شاملة ـ وإن تكن معبرة ببلاغة عن النقلة النوعية في طريقة أداء الجندي اللبناني الذي يواصل البحث عن نصفه الآخر وهو السلاح النوعي والفعال.
وما دامت المؤسسة العسكرية ممنوعة من الحصول على اسلحة متطورة للدفاع الجوي، وضد الدروع، وما دامت تفتقر الى صواريخ بعيدة المدى، فإن أي تحريض لها على تجاوز الهامش المتاح لها يعني دفعها الى الانتحار المجاني، الذي يزينه كلام حق يراد به باطل، وبالتالي ينبغي ألا تؤدي خصومة البعض مع المقاومة الى تحميل الجيش ما لا يحتمله.. فقط من باب النكاية بها.
ولعله من المفيد أن يعلم الغيارى على دور الجيش أنه يفتقر الى وجود ثكنة مكتملة المواصفات جنوب نهر الليطاني، وأن ثكنة مرجعيون في الخطوط الأمامية معطلة باستثناء غرف قليلة، وأن ثكنة النبطية في خط الظهر مهجورة وخارج الخدمة، والسبب المعلن عجز الدولة او ربما امتناعها عن تأمين المال المطلوب لإنجاز الترميم والتأهيل، بينما يُهدر مال وفير في مزاريب الفساد.
وأكثر من ذلك، تذهب مصادر متابعة في مقاربتها لهذا الواقع المرير الى حد القول إن وحدات الجيش المرابطة في الجنوب تبدو وكـأنها تتواجد في «مخيم كشفي» لافتقارها الى العديد من متطلبات البنية التحتية العملانية (القيادة والسيطرة، غرف العمليات، السلاح النوعي، قوة النار، مخازن الذخيرة) والبنية التحتية الحياتية (الثكنات، شروط الإقامة الطويلة الأمد..) الامر الذي يجعل أي معركة مع قوات الاحتلال تتم باللحم الحي.. وفي العراء.
وتلفت المصادر الانتباه الى أن الواقع القائم يجعل من عناصر الجيش الـ15ألفاً الموجودين في الجنوب بمثابة «زوار أكثر منهم مقيمين»، مشيرة الى أن الوحدات المنتشرة يكون نصف عناصرها في الخدمة الفعلية بينما يحصل الآخرون على مأذونيات، لعدم توافر الشروط اللوجستية الملحة التي تتيح الإبقاء عليهم في نقاط انتشارهم فترة طويلة.
وإذ تشدد المصادر على أن الجيش يمكنه ان ينفذ تكتيكات المقاومة المتعلقة بحرب العصابات والمرونة في التحرك، متى حصل على القدرات القتالية اللازمة، تعتبر ان وجود القوة الصاروخية بحوزة المقاومة تُشعره بالطمأنينة وتعطيه قوة دفع، سواء كان يواجه او يفاوض، لمعرفته بأن هناك عشرات آلاف الصواريخ التي تحمي ظهره وترفده بمزيد من المعنويات.
وترى المصادر أن هناك تكاملاً بين قوة «الشرعية» التي يمثلها الجيش وبين قوة «الجهوزية» التي تمثلها المقاومة، داعية الحكومة الى أن تضع في أولوياتها ضرورة إيجاد السبل المناسبة لمده بالسلاح اللازم الذي يعزز قدراته، ولافتة الانتباه الى «أن اشتباكه مع الإسرائيليين في أكثر من مناسبة يكتسب معنى كبيراً، وهو أن الجندي اللبناني أصبح لا يهاب الجندي الاسرائيلي».. فهل من يتلقف هذه الرسالة ويعمل بمقتضاها؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018