ارشيف من :أخبار لبنانية
مـاذا عـن انتهـاء مـدة انتـداب بوجـي؟
سليم جريصاتي - "السفير"
ما حفزّني على كتابة هذه المقالة القانونية هو اجتماع العناصر التالية معا: تمادي الدكتور سهيل بوجي في مخالفته القانون باستمراره في وظيفته الراهنة، وتكريس هذه المخالفة بقرار صادر عن رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي تحت رقم 50/2011 تاريخ 8/7/2011 بـ«اعطاء تفويض دائم إلى مدير عام رئاسة مجلس الوزراء الدكتور سهيل بوجي ببعض المهام المنوطة برئيس مجلس الوزراء وبتوقيع بعض المعاملات»، ومنها ما يتعلق بقضايا مالية منصوص عنها في قانون المحاسبة العمومية، وكلام ساقه احد مستشاري الرئيس نجيب ميقاتي مؤخرا في الحلقة الأخيرة من «كلام الناس» مفاده أن قرارا قد اتخذ بعدم المس بأي من القضاة وكبار الموظفين الاداريين والأمنيين من رموز المكون الأساسي لفريق المعارضة الحالي، قاصدا بالتحديد وبالتسمية قضاة وموظفين ينتمون إلى مذهب رئيس الحكومة. فات هذا المستشار ان يضيف إلى لائحة المحظيين هذه موظفا رفيعا ينتمي إلى السلك الديبلوماسي، وهو مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي غاب لاحقا عن جلسة مجلس الامن الدولي الأخيرة التي تلت خلالها نائبته المقتدرة بيانا مقتضبا نأت فيه بلبنان عن البيان الرئاسي بموضوع احداث سوريا. ان مثل هذه الممارسات والأقوال لا يمكن الركون اليها لانعاش الامل بأنه سوف تكون لهذه الدولة وسلطاتها ومؤسساتها والثوابت والمسلمات الوطنية قيامة بعد كبوة سلطان القانون والحق فيها. ان مخالفة متمادية للقانون يرتكبها موظف رفيع عن عمد لا يمكن ان تجد ملاذا محصنا لها في المذهبية او في «الكيدية» الآسرة، أي هذا الفخ الذي نصبه للحكومة الجديدة ورئيسها بعض الذين اعتادوا تجاهل الميثاق والدستور والقانون واحكامه وتعاطي الشأن العام كأنه رديف للشأن الخاص. اما الحديث عن الفتنة، فحدّث ولا حرج عن الستر الذي توفره، بحجة تفاديها، لتغطية عورات هذا الزمن الرديء. الا ان ما يميز موضوع هذه المقالة بالذات هو ان المخالفة التي تبينها انما هي من المخالفات الساطعة للقانون ومرتكبها من كبار موظفي جهاز الدولة المركزي على ما تنص عليه المواد التالية:
ـ المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي الرقم 43 تاريخ 26/2/1953 (تنظيم دوائر رئاسة مجلس الوزراء): «يعاون رئيس مجلس الوزراء في الأعمال الموكلة إلى مقام الرئاسة مدير عام مسؤول عن سير وتنفيذ هذه الأعمال».
ـ المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي المذكور: «يكون للمدير العام بحكم وظيفته صفة امين عام مجلس الوزراء».
ـ المادة الأولى من القانون الرقم 247 تاريخ 7/8/2000 (دمج والغاء وانشاء وزارات ومجالس): «... يتألف جهاز الدولة المركزي من المديريات العامة لرئاسة الجمهورية ولرئاسة الوزارة ومن الوزارات الآتية...».
من نافل القول ان المواد المذكورة اعلاه تجبه احكام دستور ما بعد الطائف، ذلك ان السلطة الاجرائية انتقلت إلى مجلس الوزراء مجتمعا عملا بالمادتين 17 و65 من الدستور المعدلتين بالقانون الدستوري الرقم 18 تاريخ 21/9/1990، وان امين عام مجلس الوزراء هو حكما، فيما لو طبقنا احكام وثيقة الوفاق الوطني والدستور تطبيقا صحيحا، موظف من الفئة الأولى مستقل تماما عن مدير عام رئاسة مجلس الوزراء او أي مدير عام آخر في ملاك رئاسة مجلس الوزراء. الا انه يبقى ان سهيل بوجي يجمع في شخصه الوظيفتين معا، أي مدير عام رئاسة الوزراء وامين عام مجلس الوزراء، وينتمي بالتالي إلى «جهاز الدولة المركزي»، على غرار الوزارات.
ما يزيد مخالفة الدكتور سهيل بوجي في استمراره بوظيفته الراهنة تفاقما وخطورة، ان المادة 9 من المرسوم الرقم 2552 تاريخ اول آب 1992 (تنظيم اعمال مجلس الوزراء) تنص على ان «... تكون مناقشات مجلس الوزراء سرية ولا يحضرها سوى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء والامين العام (والمقصود امين عام مجلس الوزراء) ومن يساعده، ويمكن لمدير عام رئاسة الجمهورية ان يحضر الجلسة كما يمكن استدعاء من تقضي الضرورة الاستماع إليهم في الجلسة»، ما يفيد عن الأهمية القصوى التي يوليها هذا النص «الضيق» لمعيار الوظيفة وتوافقها مع القوانين المرعية لحضور جلسات مجلس الوزراء والاطلاع على المناقشات السرية، إلى حد ان النص «سمح» لمدير عام رئاسة الجمهورية ان يحضر الجلسة وقضى بوجوب توافر حالة الضرورة لاستدعاء اشخاص ثالثين الى جلسات مجلس الوزراء للاستماع اليهم خلالها. ان هذا المرسوم، بالرغم من التحفظات عليه لجهة الصلاحية والمضمون، بدءا من ان تنظيم اعمال مجلس الوزراء يستلزم اصدار قانون يصار من خلاله إلى تحصين السلطة الاجرائية من طريق سد مختلف الثغرات التي ظهرت بالممارسة اعتبارا من سنة 1990، يفرض مبدأ سرية مداولات مجلس الوزراء، حتى إذا تم خرقه، امكن الطعن في المداولات والقرارات وابطال هذه الأخيرة. ان خطورة هذا الأمر وجسامة الاضرار الناجمة عن الابطال المشار اليه تفترضان ان تتوافر في المشاركين في جلسات مجلس الوزراء الصفة القانونية الملازمة لوظيفتهم.
هنا تكمن المخالفة الفاضحة للقانون التي يتمادى سهيل بوجي في ارتكابها دون أي رادع، ذلك ان استمراره في وظيفته مديرا عاما لرئاسة مجلس الوزراء وبالتالي امينا عاما لمجلس الوزراء هو مخالف للقانون.
نقترح تسهيلا للبحث ولتبيان المخالفة التمييز بين حالتين: حالة انتداب الموظف، وحالة انتداب القاضي الاداري.
أولا: انتداب الموظف
استقر العلم والاجتهاد في فرنسا على ان الانتداب هو الوضع الذي يكون فيه الموظف موضوعا خارج ادارته الاصلية ومستمرا في الاحتفاظ بحقوقه في الترقية والتقاعد في ادارته هذه. ان الانتداب هو بطبيعته مؤقت وقابل للرجوع عنه، وقد يكون لمدة قصيرة او طويلة. ان الانتداب لمدة قصيرة لا يمكن ان يتجاوز ستة أشهر، اما الانتداب لمدة طويلة، فانه لا يتجاوز مدة خمس سنوات، الا انه يمكن تجديدها لخمس سنوات اخرى. يخضع الموظف المنتدب لمجموعة الاحكام القانونية التي ترعى الوظيفة المنتدب اليها، الا انه يستمر بتقاضي راتبه الاصلي اذا كان أعلى قيمة من راتب الوظيفة المنتدب إليها.
- Traité élémentaire de droit adminstratif- André de laubadère - 5ème éd. 1970 p.66 n.97
أما في لبنان، فيتبين بصورة واضحة من نظام الموظفين الصادر بالمرسوم الاشتراعي الرقم 112/59 مع تعديلاته، وفي ما خص الانتداب، ما يلي:
1ـ ان الموظف المنتدب هو من أعفي مؤقتا من مهام وظيفته الاصلية واسندت إليه مهمة أخرى مع احتفاظه بحق تقاضي راتبه والتدرج والترقية والترفيع والتقاعد في ادارته الاصلية (المادة 46).
2ـ يمكن انتداب الموظف للتخصص في فرع من الفروع التي تحتاج الادارة فيها إلى اخصائيين جدد، كما يمكن ايضا انتداب موظف فني من وزارة إلى وزارة بعد موافقة الوزارتين المختصتين (المادة 47).
3ـ ان وظيفة الموظف المنتدب تبقى شاغرة في ملاك ادارته الاصلية، على ان يعود اليها فور انتهاء مدة الانتداب (المادة 48).
ثانيا: انتداب القاضي الاداري
بادئ ذي بدء، ان انتداب القاضي الاداري يخضع لأحكام مختلفة عن تلك التي تعني انتداب القاضي العدلي، ذلك انه لا يجوز ان يحصل انتداب القاضي العدلي إلى ملاك احدى الادارات او المؤسسات العامة على اختلافها ما لم يرد نص في نظامها يجيز انتداب القاضي العدلي إلى ملاكها، ويمكن ان يكون هذا الانتداب لمدة محدودة او غير محدودة (المادة 48 من قانون القضاء العدلي).
اما انتداب القضاة الاداريين أي قضاة مجلس الشورى، فانه يمكن انتداب المستشارين والمستشارين المعاونين منهم لمختلف الوظائف لدى الوزارات والادارات والمؤسسات العامة والبلديات (المادة 16 من نظام مجلس شورى الدولة المعدلة بالقانون الرقم 227 تاريخ 31/5/2000). يجري الانتداب بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة رئيس مجلس شورى الدولة، ولا يمكن ان تتجاوز مدة الانتداب ست سنوات، طوال فترة ممارسة المستشار او المستشار المعاون القضاء (الفقرة الثانية من المادة 16 المذكورة). يحتفظ القاضي المنتدب بصفته ومركزه في القضاء الاداري ولا يعين سواه مكانه ويشترك في الهيئة العامة ويتابع تقاضي رواتبه المستحقة بالنسبة لفئته ودرجته من موازنة وزارة العدل، كما انه يتقاضى التعويضات العائدة للوظيفة التي انتدب إليها وسائر التعويضات التي تعطى له بسبب انتدابه من الادارة المنتدب إليها (الفقرتان الأولى والثانية من المادة 17 من نظام مجلس شورى الدولة المعدلة بالقانون الرقم 227 تاريخ 31/5/2000).
يستفاد مما تقدم ان الاحكام القانونية التي ترعى في لبنان انتداب الموظف هي مماثلة لتلك التي ترعى انتداب القاضي الاداري، باستثناء تحديد مدة الانتداب، ذلك ان انتداب الموظف غير محدد بفترة زمنية معينة، في حين ان مدة انتداب القاضي الاداري (المستشار او المستشار المعاون) لا يجوز ان تتجاوز ست سنوات طوال عمله في القضاء.
يحضرني، في معرض هذه الشروحات، المرسوم الرقم 3541 تاريخ 11/3/2010 (انتداب رئيس غرفة في مجلس شورى الدولة للقيام بمهام وظيفة رئيس مجلس الخدمة المدنية) الذي يخالف صراحة المادة 16 من نظام مجلس شورى الدولة المذكورة اعلاه لجهة ان الانتداب محصور بالمستشارين والمستشارين المعاونين فقط ولا يشمل رؤساء الغرف في مجلس شورى الدولة، وأخال ان معالي الصديق الاستاذ خالد قباني قد فاته هذا الامر، او ربما يكون لديه، وهو الممسك بالقانون الاداري، ما يبرر ذلك ويغني البحث.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018