ارشيف من :أخبار عالمية

أنا أطالب إذاً أنا مقتول، إذاً أنا منتصر

أنا أطالب إذاً أنا مقتول، إذاً أنا منتصر
باقر درويش (*)

ممّا لا شك فيه، أنّ ربيع الثورات العربية، الذي أريد له أن يتحول سريعا إلى خريف قاس، يوازي في سرعة تحوله أداء الآلة الإلكترونية الذكية؛ بسبب خارطة المصالح السياسية المتشابكة والمعقدة، قد حمل من المفاجآت والمفارقات في مسار الحركات الشعبية ما لم يكن متوقعا.

وقد بدا واضحا جدا، كيف أنّ الحكومات التي اشترت رضا الخارج على الداخل، واستضعفت شعوبها، ونزعت إلى استعدائها ومصادرة حقوقها المشروعة، قد فقدت استقلالية القرار السياسي، فتحولت الممالك والجمهوريات إلى ممالك ذات ربع سيادة، وربع استقلالية، وهنا دفعت الأنظمة ثمن الاستبداد قبل الشعوب.

في البحرين، تعاملت السلطة مع الشعب بعقلية العسكري لا السياسي، ففقد القرار السياسي الرسمي استقلاليته ـ التي لم تكن كاملة بطبيعة الحال ـ، وانقلبت مناورة التدويل إلى احتلال سياسي قبل أن يكون عسكريا، وهذا ما يمكن أن نتعرف اليه من خلال تتبع أخبار الحراك الدبلوماسي، وما تبع زيارة بعض المسؤولين الأمريكين للمنامة والرياض من انتهاكات وعمليات قمع واسعة، وأتركُ جريرة الاستقواء بالخارج على حساب مصلحة الشعب لذمة التاريخ.

وعلى الرغم من كون الحراك الثوري في البحرين مستمرا، ويشهد صراع المخاضات العسيرة والصعبة، ويعاني من تداعيات الثورة المضادة، إلا أن التجربة البحرينية يجب أن تكون حاضرة لدى إنسان العالم العربي؛ حتى يستفيد من دروس ثورة 14 فبراير ما يمكّنه من التخلص بشكل سريع من لبوس الأنظمة الديكتاتورية، والإقبال على مرحلة صناعة الحضارة من دون رقابة أقبية المخابرات، أو البنادق الموجهة للعقول المفكرة خارج نص العبودية.

ولعل أحد العناوين البارزة التي يجب استقاؤها من الدرس البحريني هو عنوان الصمود، وما يحمله من مقدمات وتفاصيل، امتدت بامتداد تاريخ الحراك المطلبي، الذي انتهج المنهج السلمي في بداياته، ويرغب بتتويج خاتمته بالمنهجية ذاتها حتى الآن.

أدرك جيدا أن محاولة استنطاق مدلولات هذه المفردة هي عملية بحاجة لتحليل وتفكيك مطول، إلا أنني أكتفي بتوضيحها من خلال شعار واحد من عشرات الشعارات وهو: (أنا الشهيد التالي)، الذي رفع بعد يوم 17 فبراير الدامي، وما يحمله من وعي تضحوي كبير، يؤكد على القيمة العالية للكرامة والحرية أمام أغلال الاسترقاق والاستعباد.

إني أؤمن بقوة، أن هذا الاستعداد لبذل الروح في سبيل شراء الحرية ولو للأجيال القادمة، هو استعداد مبني على قاعدة متينة من القيم والمبادئ، التي لا ترى في الأنظمة الديكتاتورية سوى أنظمة تقابل الرغبة بالتطور والنماء المؤسسي ـ على امتداد جسم الدولة ـ بالموت والتعذيب والسجن والنفي.

ويدرك الثائر البحريني جيدا أنه إن طالب بالحق قوبل بالموت، وإن زرع الزهرة في يد رجل الأمن، زرعت الشرطة الخنجر في ظهره؛ فهذا ليس بالأمر المستغرب ممن يتعامل مع الناس وفق قاعدة الدماء الزرقاء، إلا أن الانتصار لمبدأ الكرامة والعدالة مهما كان الثمن يعني شيئا واحدا، هو انتصار الثورة وإن لم تتحقق أهدافها التي اشتعلت لأجلها حتى حين، فتكفي الحياة بعزة، وتوارث الصرخة ضد الظلم، وهنا أستحضر قول الشهيد الشيخ عمر المختار: "نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".

(*) كاتب بحريني
2011-08-10