ارشيف من :أخبار لبنانية

أوروبا في خطر

أوروبا في خطر
غسان العزي - "الخلج الإماراتية"

التراجع العنيف الذي شهدته البورصات الأوروبية فتح الباب على مخاوف جديدة وتحليلات يميل معظمها إلى التشاؤم حيال مستقبل منطقة اليورو التي باتت أمام خيارين: إما المزيد من الاندماج والتضامن بمعنى المسارعة إلى بناء فدرالية اقتصادية، وإما ضمور منطقة اليورو وصولاً إلى زوالها .

ويعتقد محللون أوروبيون كثر بأن الأزمة الحقيقية الخطيرة آتية في الأفق القريب وليست من الماضي، فبعد ثلاث سنوات على أخطر أزمة مالية عرفها العالم منذ ثلاثينات القرن الماضي، ها هو الاقتصاد العالمي يرتعش خوفاً من أزمة وشيكة الوقوع ولا أحد من أهل الاختصاص قادر على قياس حدتها وتوقع تداعياتها . الشيء الوحيد المؤكد هو أن الانتعاش الخفيف الذي عرفته الدول المتقدمة في عام 2010 قد انتهى، لكن مع عاهة إضافية هذه المرة هي عدم قدرة الدول شديدة المديونية على الاستدانة مجدداً لتطبيق خطط إنعاش اقتصادي . فقط خطط إصلاح بنيوي في منطقة اليورو يمكن لها تحقيق الإنقاذ، لكن الزعماء الأوروبيين عاجزون عن اتخاذ القرارات غير الشعبية .

أحد مكامن القلق مصدره النشاط الاقتصادي، ذلك أنه بعد أن تراجع الناتج الإجمالي الداخلي في منطقة اليورو بنسبة 4% عام 2009 وعاد ليحقق نمواً نسبته 7،1% عام 2010 فإن صندوق النقد الدولي يتوقع ألا يزيد هذا النمو عن الاثنين في المئة العام الجاري، علماً بأنه ينبغي أن يصل هذا النمو إلى الأربعة في المئة في العامين الماضي والجاري كي يستعيد الاقتصاد المستوى الذي كان عليه قبل الأزمة المالية الكبرى.

الأخبار الأكثر سوداوية جاءت من الولايات المتحدة التي لاتزال تشكل محرك الاقتصاد العالمي . فما عدا خفض التقييم الائتماني للدين الأمريكي من قبل مؤسسة "ستاندرز آند بورز" فإن المؤشرات التي نشرت في نهاية الشهر المنصرم كانت بمثابة إنذار خطير لجهة تراجع النمو وتقدم البطالة.

والخطير في هذا التراجع الاقتصادي أن الدول كانت، قبل عام ،2009 تملك سلاحاً فاعلاً في وجه الأزمات المالية هو الاستدانة ولو على حساب الموازنات العامة . وقد لجأ الأمريكيون إلى السلاح نفسه هذه المرة بعد نقاش أيديولوجي وسياسي ساخن انتهى برفع سقف الدين ما رتب خفضاً للتصنيف الائتماني، لكن الأسواق في أوروبا منعت الحكومات من اللجوء إلى هذا السلاح . فبعد أن استدانت الدول من الأسواق لإنقاذ عالم المال في عام 2008 ها هي الأسواق نفسها تلوم الدول على الاستدانة المفرطة، فالمستثمرون يفرضون نسب فوائد باهظة الارتفاع في مقابل تقديمهم لقروض جديدة . وتحاول الدول الأوروبية، التي هبت لمساعدة اليونان والبرتغال وإيرلندا عبر إقراضها أموالاً نقدية فورية، تقديم ضمانات للأسواق لناحية الحكم المالي الرشيد والإدارة المسؤولة للموازنات العامة، ولو أنها اضطرت في هذا السياق إلى إقرار سياسات تقشف، وهي سياسات لا تساعد البتة في إنعاش الاقتصاد.

هذه المعضلة تحرم الدول من القدرة على إعادة إطلاق النشاط الاقتصادي وتضع دولاً أخرى على شفير الإفلاس عبر تهديدها للعملة الموحدة . لقد تم استيعاب الأزمة اليونانية التي لا تشكل أكثر من ثلاثة في المئة من الناتج الإجمالي الأوروبي، لكن الوضع مختلف في حالة إسبانيا وإيطاليا اللتين تشكلان أكثر من ثلاثين في المئة من هذا الناتج . واليوم تهاجم الأسواق هذين البلدين فتطلب منهما فوائد باهظة الارتفاع . وإذا كانت دول منطقة اليورو قد أنشأت صناديق استقرار مالي سمحت بمساعدة الدول المحتاجة إلا أن حجم الأموال الجاهزة ليس كافياً لمساعدة إسبانيا وإيطاليا .

إنه خليط متفجر من تراجع النمو وأزمة الدين وسياسات التقشف، والسيناريو الأسوأ هو خروج بعض الدول من منطقة اليورو كي تتمكن من تخفيض عملاتها لمواجهة الأزمة، الأمر الذي قد يضاعف حجم دينها الخارجي الذي سيبقى باليورو . ثم إن هذا الخروج سيشمل المزيد من الدول إذا استمرت الأزمة . وفي المحصلة قد ينفجر الاتحاد الأوروبي على نفسه فتضيع عقود طويلة من الجهود والإنجازات العظيمة (سوق مشترك، حرية حركة للأشخاص والسلع والرساميل، سياسة زراعية مشتركة، سلام واستقرار وديمقراطية، عملة موحدة . . .) .

الحلول التي تجري مناقشتها ليست كثيرة وليس من إجماع حول واحد منها، مثل إصدار سندات "يوروبوندز" تسمح لكل الدول بالاقتراض بمعدل فائدة موحد، أو تأسيس سياسة خزينية فدرالية حقيقية تتيح إطلاق العجلة الاقتصادية على مستوى القارة الأوروبية كلها بديلاً من السياسة الحالية القائمة على إنقاذ الدول واحدة تلو الأخرى والتي تبين كم هي مكلفة ومن دون أفق . وهناك من يطالب بالمسارعة فوراً إلى خلق ولايات متحدة أوروبية عبر اندماج سياسي ودفاعي واقتصادي ومالي برهنت الأزمات عن ضرورته الحيوية .

لكن كل هذه الحلول تبقى مستقاة من النموذج الأمريكي الذي يتخبط هو الآخر في حبال الأزمة . أكثر من ذلك فالمشكلة تقبع حقيقة في تأثير المالية الأمريكية التي باتت "خطراً عاماً" على النظام المالي الأوروبي بحسب أحد المحللين الأوروبيين .


2011-08-14