ارشيف من :أخبار لبنانية
حدث وإعلام وسياسة
علي قاسم - "الثورة" السورية
بين تغطية الحدث وصناعته تبدو المسافة الفاصلة، وكأنها اقتطاع في فراغ لم تتمكن السياسة حتى اللحظة من استيعاب حيثياته ولا تداعياته..
وهي حين كانت صانعة الحدث لم تغب عنها التفاصيل التي تتشكل سواء أثناء الحدث أم بعده، وإن استعانت على الدوام بالإعلام للتسويق والترويج.
لكن تبدو المعادلة وقد تغيرت طقوسها تتبادل أطرافها المواقع، ويأخذ الإعلام حيزاً واضحاً في صناعة الحدث، فيما تلهث السياسة خلفه لالتقاط التفاصيل والبناء عليها لرسم الموقف الذي يتبنى رؤية الإعلام والحدث الذي صنعه وتروّج له.
المفارقة أن الإعلام الذي بات في الآونة الأخيرة يفتعل معاركه وفق اعتباراته، يقود السياسة إلى متاهة الخطأ في التقدير وخصوصاً أن بعض المشاهد التي ترسمها السياسة غالباً ما تكون نتاج واقع افتراضي صنعه الإعلام.. لم يلامس أرض الواقع بل لم يقاربه ولا حتى يشاهده.
وحين تبني السياسة معطياتها على معارك الإعلام.. بل حين تندفع لتقود معركته نيابة أو تحيزاً فقط، فإنها تتجنى على الحقيقة، وفي كثير من الأحيان تكون رهينة له.
في الأشهر الماضية.. مارس الإعلام صناعة أحداث وخاض معارك تم اكتشاف وهميتها.. أعطى أرقاماً وتوصيفات وتفاصيل ومواقف ثم قدم بعدها نتائج واجتهادات وتفسيرات لتكون وجهة المعركة كما يريدها وفي السياق الذي رسمه..
وبدل أن تدقق السياسة في معطيات هذه المعارك اندفعت إلى تبنّي تفاصيلها ومكانها وحتى الساحات التي شهدتها، فجاءت في أغلب الأحيان بناء على الوهم.. واندفعت خلفه إلى حدود أن الكذب السياسي أضحى مجرد توطئة لتلك المعارك المختلقة.
بهذا المعنى قدمت وسائل الإعلام شواهدها على أحداث اختلقتها.. ورسمت تحركاتها.. كما أطلقت مواقفها، وحين كان الواقع يدحض وجودها.. عجزت السياسة عن مجاراتها وإن لم تشهر إفلاسها بعد.
لنرقب التغطية الإعلامية لما يجري في سورية.. فإنها تقدم لك معارك وتصطنع دخانها ونيران اشتعالها.. بل تحدد الأسلحة التي يفترض أن تستخدم فيها، ولا تتوانى عن تقديم كل ما من شأنه إضافة عوامل الإثارة عليها.. دون أن تتجاهل عوامل التحريض لانتزاع مواقف سياسية على عجل بناء على ما قدمته.
وحتى حين تحاول أن تستقرئ موقفاً هنا أو تحليلاً هناك، فإنها تقدم ما لديها بلغة الجزم دون الإشارة ولو ضمنياً إلى أنها افتراضية أو محتملة وليست مؤكدة!!.
على هذا الأساس رأينا معارك لم تحدث.. وسمعنا عن وقائع لم تجرِ.. وقُدمت إلينا مشاهد اُصطنعت لهذه الغاية وتمت الاستعانة بها من تركيب وفبركة لصور أرشيفية لا علاقة لها بالحدث.
والمعضلة أن السياسة تعاطت مع تلك المعارك وتعاملت معها على أنها الحقيقة التي بنت عليها مواقفها لتقدم رسائلها التي تتلقفها وسائل إعلام لم تعتد على المراجعة.. ولم تمارس أي تقاطعات لاستبيان الحقيقة وحذفت من قاموسها التحري في المعلومة أو التدقيق بمصدرها بل ركنت إلى ما يقدم واستكانت إليه لأنه يتلاقى مع غاياتها.
عشرات المشاهد رأيناها قبل حدوثها.. وعشرات المشاهد كانت توضع على المواقع قبل تاريخها.. وعشرات ثالثة عن أحداث تم اكتشاف الكذب والافتراء فيها.. لكن أحداً لم يقل كلمة. .لم يعتذر عما ارتكبه وعما اقترفه، لم يشر إلى ما وقع فيه من أخطاء، وحتى تلك التي اكتشفها فيما بعد لم يحذفها من تقاريره، ولا من مقدمات نشراته اللاحقة.
وإذا كانت السياسة التابع المخلص لمثل هذا الإعلام.. لنا أن نتخيل حدود الكوارث التي تقود إليها والدرك الذي أوصلتنا إليه، حين قبلت أن يكون الإعلام صانع حدث لا وجود له بالضرورة.. والسياسة مسوق حدث لا تعي حقائقه؟!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018