ارشيف من :أخبار لبنانية

عندما يتحول المراسل الصحافي إلى خبير عسكري!

عندما يتحول المراسل الصحافي إلى خبير عسكري!

فؤاد نور الدين - "السفير"

تعتبر حادثة انطلياس التي كان ضحيتها كل من حسان نصار وإحسان ضيا، نموذجا يتحول فيه المراسل الصحافي أو المقدم التلفزيوني بكل بساطة الى خبير عسكري يطلق تحليلاته البوليسية، وفق ما يراه من دون رقيب ولا حسيب، بل من دون أن يتروى ليتأكد من صحة ما يقوله، أو أن يترك هامشاً بين ما التقطه خلال التغطية وكلمة التحقيق النهائية. وهكذا يتم تركيب واقعة أمنية بطريقة تحليلية، وربط وقائع غير متصلة ببعضها البعض. شهدنا ذلك قبل سنوات في ممارسات السلطة، التي حكمت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقصفت عقول اللبنانيين بمجموعة مسلمات، سقط فيها "كبار القوم" فما بالك اليوم بغيرهم..؟ لقد وضعت حادثة انطلياس اللبنانيين أمام تفسيرات فورية وتأويلات مبتورة من قبل بعض وسائل الإعلام ومراسليها، من دون الحاجة حتى إلى لجان التحقيق الدولية منها والمحلية! وفي هذا السياق شهدنا مثلا مراسل قناة محلية، يطالعنا بمضبطة تحليل مباشرة وفورية، قائلا إن الشخصين اللذين قتلا في الانفجار، حضرا بسيارة فان إلى المنطقة، ليتبين لاحقا أنهما حضرا بسيارة خاصة مسجلة باسم شقيق أحدهما، وأن سيارة الفان المذكورة لا علاقة لهما بها لا من قريب أو بعيد. كان المراسل أقرب إلى مدعي المحكمة، الذي يقدم مطالعته للحادثة ملبسا إياها إشارات فهمها اللبنانيون، وفككوا رموزها ولم يكونوا بحاجة إلى بذل جهد أو تحليل: القتيلان كانا يجهزان عبوة لوضعها في الفان! ثم شهدنا مطالعة ثانية عن استهداف أحد القضاة، ليستغرب القاضي المعني الأمر برمته.. وكل ذلك سياقاته واضحة يفهمها اللبنانيون ويحفظونها منذ ست سنوات.. إنها المحكمة أو الاستهداف السياسي لفئة متهمة اليوم باغتيال الرئيس الحريري ... زد على ذلك أن مراسلنا الصحافي تلقف أول شخصية سياسية حضرت إلى المكان، ليسأله عن الربط بين هذه العبوة وانفجار الرويس! وكأنه يريد أن ُيفهم من أصيب بالبلادة التلفزيونية، هوية المصدر المسبب للخلل الأمني، وخصوصا أن من ميزات السبق الصحافي أن يتوصل بسرعة إلى معرفة الهوية المذهبية للقتيلين، وإعلان إسميهما على الشاشة من دون مراعاة للقوانين المرعية ذات الصلة، أو حتى الأخلاقية المتصلة بذويهم. وفات المراسل أن من بديهيات العمل الأمني الإجرامي أن يسعى المتورط فيه إلى إخفاء هويته الحقيقية، لا أن يأتي بسيارة خاصة الى مكان الجريمة، وبهوية تكشف كامل بياناته الشخصية! لا ادري ما هو دور قانون الإعلام في هذه الحالة، لكن أخطر ما في عمليات البث التلفزيوني أن إحدى خصائص الجمهور المتلقي للحدث، هي سرعة التأثر على ما يقول غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير، وأن هذا الجمهور قابل لأن "يشرد على حدود اللاشعور، ويتلقى بطيبة خاطر كل الاقتراحات والأوامر، وهو مليء بالمشاعر الخاصة غير القادرة على الاحتكام للعقل". يجري كل ذلك من خلال الصور المكثفة والمنقولة مباشرة من ساحة الحدث إلى مخيلة الجمهور. بدا المراسل يجتهد في تقديم قراءة مؤثرة بما يجعل فئة واسعة تحت مقصلة الاتهام، وقد تم ضبطها متلبسة بجرم العبث بالأمن! وان كنا نلوم مراسلاً أو مقدما من هنا أو هناك، فإن اللوم يقع أيضا على بعض السياسيين لشهيتهم المفتوحة في إطلاق الأحكام أو مجاراة المراسل في استنتاجاته، فضلا عن البيانات التي تصدر من المكاتب المغلقة قبل استبيان الحقيقة.

2011-08-17