ارشيف من :أخبار لبنانية

فتنة بليدة

فتنة بليدة
فداء عيتاني - صحيفة "الاخبار"

بعض الحماسة مفقودة في التفاعل مع صدور القرار الاتهامي، ولكن هناك من يسعى إلى تعويضها. هكذا إذاً، يبدأ إطلاق نار في أقصى البلاد على حفل إفطار لقوى مؤيّدة للمقاومة، وفي ليلة نشر أغلب القرار الاتهامي الصادر عن المحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري.
يفترض أن تكون عملية إطلاق النار نابعة من ردّ فعل مذهبي على مؤيّدي المقاومة، وأن تثير تعاطفاً، وربما تقليداً بين محبّي الرئيس الشهيد، وأن تكون موازية للتصعيد الإعلامي الذي بدأ أمس على كل الأقنية العاملة في تيار المستقبل، والقوى الملحقة به. وللمناسبة، كان لموقع القوات اللبنانية دور في تسعير المذهبية عبر كتابات بعض المسقبليين هناك.

ولكن عملية إطلاق النار في عكار لم تؤت أكلها، بل تحولت إلى حادثة أمنية معزولة، لغاية اللحظة، على أمل ألا تتكرر محاولات التأزيم المحلية. فالقرار الاتهامي لم يكن صادراً لرفع وتيرة السعار الداخلي أساساً، بل كان أبعد من ذلك.

إلا أن تيار المستقبل، وشخصياته الأنيقة، يرون أن الشمس تشرق من أجلهم وحدهم، وأن العالم يعمل في خدمتهم، وأنهم بعد أن تمكنوا من تأجيل صدور القرار (بأمر سعودي في لحظات صفاء مع سوريا) يمكنهم اليوم أن يشعلوا البلاد من دون أن تحترق أصابعهم، عبر عمليات أمنية متنقلة، وببعض الخطابات العصماء على المنابر.

ولكنّ الشارع لا يتفاعل مع القرار الظني كما يجب. توقف تدفق المال كما كان يحصل منذ أعوام. ولكن الأهم أن الناس فقدوا الكثير من اهتمامهم بموضوع اغتيال رفيق الحريري، نتيجة ممارسات الورثة، من فؤاد السنيورة وتيار المستقبل، وباقي من تولّوا قيادة الشارع، بينما مثّلت ممارسات سعد الحريري إحراجاً حقيقياً للناس، رغم دفاعهم الأعمى عنه أثناء فترات التوتر المذهبي والسياسي.

أول من أمس، بعيد صدور القرار الاتهامي، وأمس بعيد إطلاق النار على حفل الإفطار العكاري، وسماع كل خطابات تيار المستقبل، كانت الشوارع في بيروت خاصة، وفي المناطق، تعيش حالة طبيعية، لم يتغير فيها شيء سوى المظاهر الرمضانية، واللافتات الدينية التي رفعت لاستقبال شهر الصوم. غير ذلك لا شيء طرأ على الشوارع.

والأحاديث السياسية في الشارع اليوم حيث يسود تيار المستقبل، تنحصر تقريباً في مفسدات الصيام ومستقبل سوريا وقمع المتظاهرين هناك، ولم يتغير الكثير في الشارع قبل صدور القرار الاتهامي وبعده، ولا بعد صدور موقف سعد الحريري، وهجومه على حزب الله.

واضح أن ما يعرف بالفتنة، أو مسبّبات النزاع السنّي ـــ الشيعي في المنطقة، في تزايد متواصل، ولديها كل الأسباب للاشتعال فوراً. ومن العراق، إلى مصر، إلى سوريا وصولاً إلى بيروت. كل شيء يدعو إلى الصراع المذهبي التناحري المتواصل. ولكن غير حصار حزب الله، والمزيد من محاصرته، فلا شيء جديداً في البلاد حتى اللحظة.

وما دام الكل يعلم أن القرار الاتهامي مهمته محاصرة حزب الله، وجهاز مقاومته تحديداً، فإن صمتاً شاملاً ساد جبهة النظريات. فلا النظرية الإسرائيلية مقبولة، ولن تناقش حتى، ولا غيرها من النظريات.

وباتصال هاتفي، سبق أن أعطى المدعي العام التمييزي سعيد ميرزا أمره بإغلاق ملف تحقيق اعترف خلاله موقوفون بتنفيذ عملية اغتيال رفيق الحريري عام 2006، وفتح محضر تحقيق على حدة في مساهمة هؤلاء الشبان في المقاومة العراقية، وحيازة أسلحة ونقلها، والانضمام إلى تنظيم القاعدة، من دون أن يعلم أحد، أو يعطى تبرير واضح لما جرى، ولأيّ أسباب، غير تراجع أحد الموقوفين عن إفادته بعد تبدل المحققين معه.

ومهما حاول تيار المستقبل، بلسان الناطقين باسمه أو بنوابه، تسفيه الاعترافات لمجموعة الجهاديين التي أعلن عنها أول من أعلن سعد الحريري وسمّاها «مجموعة الـ 13» خلال مقابلة مع جريدة «السفير»، فإن اعترافات أحد أفراد هذه المجموعة أكثر تماسكاً وتحوي أدلة أكثر بما لا يقاس من استنتاجات القرار الاتهامي الصادر عن قاضي التحقيق في المحكمة الدولية. وللصدفة، فإن الروايتين، الدولية وتلك التي يفيد بها أحد أعضاء المجموعة الجهادية، صادرتان عن فرع المعلومات نفسه.

بشائر محاولة تجديد النزاع تطل من رأس الهرم المستقبلي هذه المرة. هو أكثر اقتناعاً بأن مصادفة وجود هاتف قرب مكان صلاة أحمد أبو عدس تمثّل دليلاً متماسكاً يدعو إلى تحذير الأمين العام لحزب الله من مغبة عدم التعاون مع المحكمة، أكثر من صداقة قديمة بين أعضاء مجموعة الـ13 وأبو عدس، وأكثر من التوافق العقدي بينهم وبينه.

هي الفتنة إذاً، ولكن هذه المرة فيها من البلادة وغياب ستار العيوب ما يمنع الناس من التفاعل معها.
2011-08-19