عقيل الشيخ حسين
توجهت وزيرة الخارجية الأميركية بالتأنيب إلى
الحكومة المصرية، وطالبتها بالالتزام بتعهداتها فيما يتعلق بحفظ الأمن في شبه جزيرة
سيناء، وذلك بعد الهجوم الذي أوقع عشرات القتلى والجرحى في صفوف عسكريين ومدنيين
إسرائيليين قرب ميناء أيلة التي صارت تعرف بـ "إيلات" في ظل الاحتلال
الإسرائيلي.
ولم تقل كلينتون كلمة واحدة عن القصف الإسرائيلي لغزة، وهو
القصف الذي أدى إلى مقتل سبعة فلسطينيين جلهم من النساء والأطفال، في أعقاب
التصريحات الإسرائيلية التي نفتها حركة حماس عن انطلاق منفذي عملية أيلة من
غزة.
كما لم تقل كلمة واحدة عن مقتل ثلاثة من رجال الأمن المصريين في القصف
الإسرائيلي لمنطقة الحدود الفاصلة بين سيناء والأراضي الفلسطينية
المحتلة.
وفي الحالتين، كانت كلينتون تغض الطرف عن واقع الاحتلال وحق الشعوب
بمقاومة الاحتلال، وتتصرف كإسرائيلية أكثر من الإسرائيليين في مطالبة مصر بحماية
الأمن الإسرائيلي، مع ما يعنيه ذلك من حقد أميركي معروف على الفلسطينيين والمصريين
ومن ورائهم جميع العرب.
وقبل ساعات قليلة على ذلك، كانت كلينتون نفسها تؤدي
وصلتها، بعد الرئيس الأميركي أوباما، ورؤساء كندا وبريطانيا وفرنسا وتركيا وألمانيا
وغيرها من البلدان الأوروبية، في التعبير عن حقد هذه الدول ـ وهي كلها دول مشهورة
بطبيعتها الاستعمارية وبممارساتها اللاإنسانية تجاه الشعوب، وفي طليعتها الشعوب
العربية ـ تجاه النظام السوري، وتبدي تعاطفها الكاذب مع الشعب
السوري.
والسؤال، في الوقت الذي تتخذ فيه الدول المذكورة مواقف مؤيدة للكيان
الصهيوني مستنسخة عن المواقف الأميركية، هو: كيف يمكن أن نضع في إناء واحد كل هذا
التعاطف مع الكيان الصهيوني وفي الوقت نفسه مع أولئك السوريين الذين يتظاهرون أو
يحملون السلاح من أجل إسقاط النظام السوري؟
وكيف يمكن أن نميز بين مطلب
إسقاط هذا النظام المطروح بإلحاح من قبل تلك الدول وامتداداتها الإقليمية منذ سنوات
لغرض أساسي هو إضعاف محور المقاومة والممانعة، وبين مطلب إسقاطه من قبل ما يسمى
بالمعارضة السورية؟
هل يعني ذلك شيئاً آخر غير تحول تلك المعارضة إلى واحد
من تلك الامتدادات، وخصوصاً أن اجتماعاتها وندواتها ولقاءاتها في العواصم الغربية
تتم بتوجيه وإشراف وحضانة صهاينة معروفين من أمثال برنار هنري ليفي، أو جواسيس
للموساد من شاكلة نيكولا ساركوزي الذي تحقق الشرطة الفرنسية حالياً في اتهامات وجهت
إليه في موضوع تكليفه بالعمل على اختراق الحزب الديغولي بهدف تخريبه، وهي المهمة
التي نجح فيها بشكل باهر؟
قبل أيام أوعز الأميركيون إلى السعودية وتركيا بأن
تطلبا إلى الرئيس السوري أن يتنحى عن الحكم. في محاولة لدفعهما مع قوى إقليمية أخرى
نحو تصعيد المواقف ضد سوريا مع ما ينطوي عليه ذلك من مجازفات أقلها إدخال المنطقة
في دائرة الاضطراب والاقتتال.
والواضح أن السعودية وتركيا قد تلكأتا في
الاستجابة للطلب الأميركي، ما دفع الدول الغربية للمسارعة إلى الاضطلاع بهذه المهمة
بنفسها على أمل الفتّ من عضد سوريا وتشجيع المسلحين وما يسمى بالمعارضة على مواصلة
ما يقومون به من تحركات يغذيها وَهْمُ القدرة على تخريب سوريا من الداخل، في ظل عجز
محور الشر الأميركي عن تنفيذ هذا المشروع من الخارج.
لكن يبدو أن الجهود
مستمرة في الضغط على تركيا من أجل إقحامها في مغامرة غير محسوبة النتائج مع سوريا.
وينعكس ذلك جلياً في حالة التململ الدراماتيكي الذي تعيشه تركيا بين تلك الضغوط
والضربات المؤلمة التي يتلقاها الجيش التركي على أيدي حزب العمال الكردستاني بدفع
من محور الشر نفسه.
من هنا، لم يبق أمام تركيا التي يراد لها أن تكون رأس
حربة في الهجوم على سوريا غير وضع خريطة طريق تسويفية "قد" تفضي في نهاية المطاف
الطويل جداً... إلى عمل عسكري ضد سوريا.
وهنا أيضاً من الواضح أن تركيا
تهاب، شأن أميركا والحلف الأطلسي، الإقدام على هذه المجازفة، فتلجأ إلى التسويف
وتغذية الأوهام وتشديد الضغوط الكلامية في وقت بات من الواضح فيه أن "ثوار" سوريا
المخدوعين والمغرر بهم قد تركوا لمصيرهم جرياً على عادة قوى الاستكبار في تطبيق
المثل العربي الشهير "أركِبْ عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن ملك فلك".