ارشيف من :أخبار لبنانية
محكمة تفتيش
فداء عيتاني - صحيفة "الاخبار"
لغايات التأكيد يكرر كل من الرئيسين السابقين فؤاد السنيورة وسعد الحريري، ومن خلفهما كل الفريق المناصر، أن استهداف حزب الله لا يعني استهداف الشيعة، وأن استهداف مصطفى بدر الدين لا يعني استهداف حزب الله. ويواصل هذا الفريق ادعاء براءة لا نظير لها، والأهم هو الحرص على البلاد وعلى أمنها واستقرارها، لا بل على ديموقراطيتها وعدم العودة الى النظام الأمني السوري اللبناني السابق.
لكن مهلاً، فمنذ عام 2005 حتى اللحظة، كل ما قام به هذا الفريق المكون من تيار المستقبل وملحقاته، كان استفزازاً طائفياً بحتاً. وحين لا يفهم اللبنانيون أن المطلوب هو التجييش الطائفي، يخرج ناطقون رسميون باسم هذا الفريق لتأكيد «عدم استهدافهم طائفة بعينها». وفي المقابل، يجري شد العصب الطائفي لدى السنّة والمسيحيين، وسابقاً لدى الدروز، حتى بات ميشال عون ملزماً باللعب على الوتر نفسه. ومنذ مقتل رفيق الحريري الى اليوم، حُوّل لبنان الى مربعات أمنية، بفضل سياسة هذا الفريق. جرى ما يشبه الفرز الديموغرافي البارد، ومُنع المواطنون من الشراء أو التملك في مناطق لا ينتمون إليها طائفياً. وأُحيطت العاصمة بيروت بمربعات أمنية، وجرى تقاسمها، وزُرعت كاميرات مراقبة في مختلف مناطق العاصمة. كل شخصية من قوى 14 اذار أحاطت نفسها بجهاز أمني صغير، وغرف مراقبة، وبات لزاماً على القوى كلها أن تفعل المثل.
خلال ستة أعوام طورد كل من له علاقة بحزب الله، أو مؤيد للمقاومة. ومن يجرؤ على تأييدها علناً حوصر وعُزل وصُنف «شيعياً»، سواء أكان درزياً أو مسيحياً أو شيوعياً أو غيره. عوقب كل من وقف الى جانب مصلحة لبنان في التخلص من الاحتلال وحماية حدوده بصفته متخلفاً، وطائفياً (نعم طائفياً) وخارج التاريخ، ويعاني تضليلاً شديداً لا ينفع معه أي شيء، ومرتشياً بمال إيراني نظيف. أما فريق المستقبل وملحقاته، فكان يحارب كل من يمكن أن يعترض على سياسته «الديموقراطية»، ويوزع التهم ويخوّن كل من تُسوّل له نفسه المساءلة أو المناقشة؛ فإما أن يكون خائناً للبنان على جبهة الاستخبارات السورية، أو تلك الإيرانية، بينما تيار المستقبل تحديداً عصيّ على الشبهة وبعيد عن الاتهامات. كل هذا الفريق، وللمفارقة، بمن فيهم رفيق الحريري، كانوا من غلاة المؤيدين لسوريا، إلا أن ذنبهم اغتُفر بعدما انتفضوا مؤيدين للقرار الدولي الرقم 1559.
وتنشر الزميلة «المستقبل» محضر اجتماع لرفيق الحريري ووزير الخارجية السوري وليد المعلم، يؤكد خلاله الحريري ولاءه لسوريا وللنظام السوري، ولعائلة الأسد (الأب ثم الابن)، متذمراً من التقارير التي يرسلها البعض في لبنان ضده، بينما هو لا يجري استقباله، ولا يُسمع كلامه. المشكلة كانت أن سوريا شكّت في رفيق الحريري، فثارت الأرزة دفاعاً عن فريق تيار المستقبل، وأُحل له هدر أعوام وتاريخ البلاد، كل البلاد، من أجل حرية لم نعرف طعمها ما دامت كاميرات فرع المعلومات والبؤر الأمنية تراقبنا طوال الوقت، والسيادة ممنوع أن يحميها أحد، بل المطلوب أن يتولى الأميركيون تحديدها، والاستقلال قائماً مع الحفاظ على حبل سرّة مع المملكة العربية السعودية، والتقاطعات تبدأ في باريس ولا تنتهي في إسطنبول. وُضعت اليد على أجهزة الدولة، وطوّب المستقبل نفسه الأكثرية المطلقة، وعن طريق الخداع والتحريض، والتسلح حتى، وتكوين ميليشيا، مع الصراخ طوال الوقت بعبارة مملة عن «مشروع الدولة»، بينما حُوّلت أجهزة الدولة الى محميات، واستُخدمت من دون العودة إلى القوانين، ووُظفت لمصلحة فريق واحد حصراً. وحين يجرؤ أي وزير على الاعتراض، كان يواجَه بمثل ما قاله سعد الحريري لشربل نحاس.
كل محاولة لطرح مشروع اقتصادي اجتماعي، أو تطوير لخدمات، على غير ما أراد هذا الفريق، يُتّهَم المبادرون اليها بأنهم من القتلة، وعملاء لإيران وسوريا وحزب الله. ثم حين يُفتح أي نقاش سياسي يقفز من يصرخ باسم هذا الفريق «كفى تخويناً لنا».
إذا راجعت تقارير المحكمة الدولية فأنت متهم بالمشاركة في عمليات الاغتيال، وإن سألت عمن يكون خلف تقارير صحافية، فأنت شريك لعماد مغنية في الإرهاب، وإذا قلت إن المحكمة الدولية تسرب معلوماتها، وإن بيعها يجري في السوق السوداء، فأنت من أتباع جميل السيد.
أما جميل السيد، فهو من خارج هؤلاء الضباط الذين يديرون اليوم البلاد طولاً وعرضاً، وحين اكتفت الحكومة الحالية بتسيير الأمور من دون تعديلها، علا الصراخ بأنها حكومة حزب الله، وأنها تعمل بكيدية. احتكر هذا الفريق كل شيء، بما في ذلك الأخلاق. ومن لا يوافق على كل ما يراه، فهو مجرد من الأخلاق، وقريباً سيحتكر القيم الإنسانية أيضاً.
في محاكم التفتيش في القرون الوسطى، كان يُعلم على وجه اليقين أن المحكمة تفتش عن السحرة، والخارجين على الدين، أما محكمة التفتيش اللبنانية بقيادة سعد الحريري وفؤاد السنيورة، فالله وحده يعلم ماذا تريد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018