ارشيف من :أخبار لبنانية
مقابلة "تايم" تذكّر بشهود الزور.. وقرار بيلمار "تقاعد" قبل المحاكمة
علي الموسوي، السفير
ما أن أفرج قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان القاضي دانيال فرانسين عن القرار الاتهامي الصادر عن المدعي العام دانيال بيلمار، موافقاً على مضمونه بما فيه من أخطاء ليست لمصلحة العدالة وسمعتهما معاً، حتّى أطلقت بعض الجهات العنان لمخيّلتها وبدأت بالعمل على استصدار مقابلات صحافية مع المتهمين الأربعة المنتمين إلى «حزب الله»، من نسج الخيال ومن دون أن تلتقي بهم أو ترى صور وجوههم، ونشرها في مطبوعات عالمية المنشأ والتوجّه على غرار ما فعلت مجلة «تايم» الأميركية التي ادعت بأنّها سجّلت سبقاً إعلامياً بنشر مقابلة مع أحد هؤلاء المقاومين الأربعة من دون أن تنشر اسمه على الأقل لتأكيد مصداقيتها وكأنّ الملتقى به من الأشباح.
وهذا الأسلوب المتذاكي يذكّر بالدرجة الأولى، بالمقابلات الوهمية التي كانت تنشرها صحيفة «السياسة» الكويتية مع شاهد الزور السوري زهير محمّد الصدّيق من دون علمه ومن دون أن تعرف مكان وجوده إذ كانت تصلها المقابلة المزعومة من جهات سياسية وأمنية لبنانية معروفة على تماس مع هذا الشاهد الكاذب، وذلك في سبيل تضليل التحقيق.
وحسنا فعل «حزب الله» بطلبه ضم قضية مقالة «تايم» الى ملف شهود الزور الذي لم تقرر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وجهة التعامل معه حتى الآن.
ولكنّ الاختلاف الحاصل بين «تايم» وبين «السياسة» يكمن في أنّ هدف الأولى إلقاء المزيد من الضغوط على «حزب الله»، برغم تأكيد أمينه العام السيّد حسن نصر الله أنّه لا يخضع للاستفزاز والابتزاز، وإظهاره بمظهر الخارج على القانون المحلّي والدولي في آن معاً، ومن ثمّ اتهام السلطة اللبنانية ممثّلة بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي بالتقصير إزاء عملية توقيف من ينسب بيلمار إليهم ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي هذا إساءة إلى الحكومة الميقاتية ومحاولة لتشويه صورتها وتصويرها على أنّها متواطئة مع المتهمين وتعمل ضدّ المحكمة والحقيقة.
والقول بأنّ بيلمار لم يكتب كلّ المعلومات المتوافرة لديه في التحقيق في قراره الاتهامي الأوّل، وبأنّه يحتفظ بالكثير الكثير لجلسات المحاكمات مبقياً إيّاها ذخيرة للمواجهة القانونية الصلبة والقويّة أمام قوس العدالة، غير منطقي ولا يتآلف مع مندرجات جريمة كبرى كاغتيال الرئيس رفيق الحريري، ذلك أنّ مضمون القرار الاتهامي جاء خالياً من وقائع حسيّة وملموسة.
ألم يكن «حزب الله» صديقاً للرئيس رفيق الحريري؟ وألم يكن الحريري مقتنعاً بجدوى المقاومة على ما تشي محاضر اللقاءات بينه وبين السيد حسن نصرالله، ألم تكن تعقد جلسات مطوّلة بين رفيق الحريري والسيّد نصرالله، خاصة في الشهور الأخيرة التي سبقت الجريمة والتي تطورت إلى درجة بناء مودة كبيرة وثقة عالية بين هذين الرجلين؟ ألم يكن المعاون السياسي للأمين العام للحزب الحاج حسين خليل يعمل في اليوم نفسه الذي وقعت فيه جريمة الاغتيال على تثبيت موعد للرئيس الشهيد مع الرئيس السوري بشار الأسد، وألم يكن ما قاله الرئيس الشهيد في عدد «السفير» يوم الرابع عشر من شباط، جزءا من المناخ الجديد بينه وبين دمشق وذلك بفضل الجهد الذي قام به «حزب الله» وأمينه العام ومعاونه السياسي على خط اعادة مد جسور الثقة المتبادلة بين الحريري والقيادة السورية ثم ألم يلبّ «حزب الله» طلب عائلة الرئيس الشهيد بإيفاد خبراء من المقاومة إلى مسرح الجريمة للكشف على الحفرة التي أحدثها الانفجار ومحيطها؟ ألم يوافق «حزب الله» على فكرة التحقيق العربي عندما طرحها آل الحريري أثناء اجتماعهم في قريطم بالسيد نصرالله قبل أن يعتذروا عن ذلك غداة وصولهم الى الرياض حيث طلب منهم أن يتبنوا صيغة التحقيق الدولي وليس اللبناني أو العربي او الاسلامي!
لعل الاعتماد على الاتصالات الهاتفية غير كاف لتحقيق المبتغى، خصوصاً وأنّ هذا الاعتماد حفل بثغرات جسيمة خفّفت من ثقل القرار الاتهامي وأصابته بخدوش لا يمكن لأيّ معلومات لاحقة ومخبأة أن تشفيه حتّى ولو تذرّع بيلمار بوجود قرار اتهامي ثان وثالث ورابع.
والوصف الأفضل للقرار الاتهامي أنّه «تقاعد» قبل أن يأخذ مداه في حلقات المحاكمة التي يدرك بيلمار أنّها ستكون غيابية لعدم القدرة على توقيف المتهمّين الذين لن يسلّموا أنفسهم ليقينهم بأنّهم أبرياء وما الاتهام سوى عملية كيدية، خصوصاً وأنّ ما حدث مع الضبّاط الأربعة أكبر دليل وخير مثال على ممارسة الكيدية بغطاء قانوني ـ قضائي لبناني ودولي.
وبالتالي فقد كان يتوجّب على بيلمار، أن يقدّم قراراً اتهامياً أكثر وضوحاً سواء لناحية الأدلّة والبراهين، أو لجهة الوقائع والاتهامات، وألاّ يكتفي بالحشو ولاسيّما في الأسماء ومواد الادعاء وأوصاف الاتهامات، وكيف يمكن الاستناد إلى عبارة «من المعقول الاستنتاج»؟ ولماذا لم يورد في أيّ مكان عبارة «من المؤكّد»؟ وكيف عرف بأسماء المتهمّين الأربعة ما دامت أنّها مستعارة وهو لم يخبرنا أساساً كيف حصل عليها؟ وهل يعرف وهو القاضي الخبير بالقانون بأنّ القرائن أو الأدلّة الظرفية التي يستنتجها باعتبار أنّه يكثر من ترداد عبارة «من المعقول الاستنتاج»، قابلة للاصطناع، أيّ أنّ إسرائيل أو جهة أخرى اصطنعتها، وبالتالي اصطنعت الاتصالات الهاتفية التي يستند عليها في اتهاماته ولاسيّما وأنّ تفكيك عدد كبير من شبكات التجسّس الإسرائيلية أبرز حصول اختراق لها من «الموساد»؟ وهل يعرف بيلمار بأنّ قرائنه قابلة للاستنتاج الخاطئ؟
نعم لقد كان من مصلحة بيلمار أن يظهر قراره الاتهامي في طبعته الأولى وفي إطلالته الأولى على الملأ، بحجم الواثق من معلوماته وروايته وممّا يسوقه من جرائم، غير أنّه خيّب آمال من انتظروا الحقيقة الكاملة لمقتل رئيس وزرائهم الأكثر حضوراً وجدلية في الفترة اللاحقة على انتهاء الحرب الأهلية، والسبب الرئيسي خضوع التحقيق لاملاءات سياسية واضحة أبعدته عن هدفه المنشود ورهنته لمصالحها، فتارة سوريا هي القاتلة، وتارة أخرى الضبّاط الأربعة، وطوراً «حزب الله» ومن يقف خلف جناحه العسكري على ما ألمح بيلمار في الفقرة 59 من القرار المذكور.
وبالعودة إلى ما أسماه بيلمار الأدلّة الظرفية وهي خلاصة ما يرتكز إليه في اتهاماته، فلا بدّ من القول أنّ القضاء اللبناني والقوانين اللبنانية والمشرّع اللبناني لم يستعمل في حياته عبارة» الأدلّة الظرفية» وهي لم ترد في قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تقول المحكمة الخاصة بلبنان إنّها تعتمد الكثير من نصوصه في قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بها، والبديل هو عبارة «القرائن» أو «الإثبات غير المباشر» التي وردت صحيحة في النصّ الإنكليزي وخاطئة في النصّ العربي.
وهذا التغيير والتحريف هو من ابتكار المعرّب الذي يبدو أنّه من مصر أو من دول المغرب العربي حيث تستعمل عبارة «الأدلّة الظرفية»، وبديلها في لبنان عبارة «القرائن» أو الإثبات غير المباشر.
والفارق كبير بين الإثبات المباشر والإثبات غير المباشر، والنوع الأوّل يستقى من الاعتراف القضائي أو غير القضائي أو البسيط، ومن الشهود، ومن الخبرة الفنية الناتجة عن تقارير الخبراء الفنّيين المعنيين، والإثبات الخطّي المجسّد بالمحاضر والمستندات.
بينما النوع الثاني الذي يسمّى القرائن، فالقرينة هي استنتاج واقعة غير معروفة من وقائع أخرى معروفة مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً. وقد أعطاها القانون الإنكليزي الذي تعتمده المحكمة الخاصة بلبنان، قوّة ثبوتية كبيرة وقسّمها إلى نوعين: قرائن قانونية قاطعة لا تقبل العكس كالأحكام المبرمة أو مرور الزمن، وقرائن قانونية مؤقّتة تقوم حتّى إثبات ما يخالفها، وقرائن تقديرية وهي قرائن غير قانونية، أو أمور تترك لتقدير القاضي الذي يستخلصها من ظروف كلّ قضيّة وملابساتها ويصحّ الاستناد عليها في تعزيز الأدلّة الأخرى القائمة في الدعوى.
ومن البديهي القول بأنّ القرائن غير المؤيّدة بأيّ دليل حسّي، أو مادي آخر، كافية للاتهام، أمّا القرائن التي لم تؤيّد بأيّ دليل حسّي أو مادي آخر، وإن كانت كافية للاتهام، فهي غير كافية للإدانة والتجريم، إذ أنّها تبقي الشكّ في ذهن المحكمة، والشكّ يفسّر دائماً لمصلحة المتهم.
وتعتبر القرائن من الأدلّة الصعبة، إذ يتوجّب على القاضي أن يحسن التقدير منعاً للأخطاء، وهذا ما وقع فيه بيلمار الذي أخطأ في التقدير، ويبدو أنّه استعجل الأمور قبل أوانها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018