ارشيف من :أخبار لبنانية

"التزامن المكاني" أضعف من أن يجعل "الاتهامي" مقنعاً

"التزامن المكاني" أضعف من أن يجعل "الاتهامي" مقنعاً

ايلي الفرزلي، السفير

برغم استفاضة القراءات القانونية المتعددة للقرار الاتهامي في قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي تراوحت بين التأكيد على واقعية الأدلة المقدمة وبين اعتبارها مجرد اتهامات لا تستند إلى أي دليل حسي أو مقبول، فإن أي قراءة تبقى منقوصة إذا لم تتناول دليل الاتصالات، الذي يشكل عملياً أكثر من 90 بالمئة من القرار، تقنياً.

«الاقتران المكاني للاتصالات» عبارة تكررت أكثر من مرة في القرار الاتهامي الذي أصدره المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي دانيال بيلمار. عبارة لم تكن جديدة أو مفاجئة بالنسبة لكل من تابع التسريبات المتكررة لمضمون القرار، ولاسيما منها تحقيق تلفزيون «سي بي سي» الكندي، الذي كان نسخة مزيدة عن القرار، كونه لم يحذف ما حذفه بيلمار من أرقام هاتفية، تعمل في «الشبكات الملونة» التي أعدت ونفذت وراقبت.

قضية التزامن المكاني ليست جديدة إذاً. في التحقيق الذي نشرته جريدة «لوفيغارو» الفرنسية في 9 آب 2006، إشارة واضحة إلى اتهام «حزب الله» بالاستناد إلى «مجموعة من الهواتف النقالة التي تم استخدامها قبل عملية الاغتيال وبعدها». «ديرشبيغل» الألمانية أشارت في العام 2009 إلى أن مجموعات هاتفية رُبطت بالاغتيال اعتماداً على التزامنات المكانية، إذ أن المجموعتين اللتين استخدمتا الهواتف تصادف وجودهما مراراً وتكراراً في مواقع قريبة من موقع الاغتيال. وفي الصحيفة نفسها إشـارة إلى ما ذكـره دانيـال بيـلمار في تقريره حول افتراضه أنه بمجرد وجود أحد الهواتف في المجموعة الزرقاء في طرابلس يعني أنه اشترى سيارة «الميتسوبيتشي».

بالخلاصة، يورد خبير في الاتصالات اطلع على القرار الاتهامي ما سبق ليقول إنه رغم بناء التحقيق على قرينة الاتصالات منذ العام 2006، إلا أنه منذ ذلك الحين لم تقرن هذه الافتراضات بأي دليل حسي أو حتى معلومة إضافية قد تفيد في الوصول إلى الحقيقة وتسمح لبيلمار بالتخفف من العبارات الملتبسة التي أكثر منها في تقريره، ما يستدعي السؤال: ماذا كان يفعل المحققون طوال خمس سنوات؟

عند قراءة القرار سرعان ما يلفت النظر غياب الأدلة المباشرة، إذ أن الاتهام يستند إلى افتراضات مسندة بدورها إلى تحليل خارطة الاتصالات والاقتران المكاني، بعيداً عن مضمون هذه الاتصالات، أو أي تسجيلات للمتورطين في الجريمة. وعند جمع سلسلة الافتراضات يتبين أن التحقيق استند إلى أن المجموعة الحمراء التي كانت موجودة في مكان الانفجار هي المسؤولة عن الاغتيال، إلا أنه لم يوضح كيف استطاع أن يحدد أن فلانا يستعمل هذا الرقم أو ذاك.

وعند قراءة البند 24 من القرار الذي ينص حرفياً على أنه «عندما يتبين أن هواتف الشبكات، المسجل الاشتراك فيها بأسماء مستعارة، مقترنة مكانيا بهواتف خلوية شخصية، يمكن عندئذ، من خلال نسبة الهاتف الخلوي الشخصي إلى مستخدمه، التعرف في نهاية المطاف بواسطة الاقتران المكاني على هوية شخص بوصفه مستخدم هاتف من هواتف الشبكات»، يجد القارئ أن كل ما بني في ذلك الاستنتاج بني اعتماداً على «الاقتران المكاني». وعند السؤال عن التفسير التقني، يؤكد خبير الاتصالات أن الاقتران المكاني يعني أن الهاتفين موجودان على الشبكة نفسها، أي في المنطقة نفسها ومن المستحيل التحديد ما إذا كان شخص واحد يحمل الهاتفين معاً أم لا. وهو ما يعني أن كل الاتهام ليس مبنياً على دليل مباشر كمضمون الاتصالات نفسها أو حتى غير مباشر كوجود اتصال ما بين هاتف شخصي وهاتف من إحدى المجموعات.

بعد قراءة دليل الاتصالات ومع افتراض وجود هكذا مجموعات هاتفية، يجزم الخبير الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أنه «لا دليل حسيا أو علميا عن مسؤولية هذه الشبكات عن الاغتيال، حتى لو تزامنت معها».

واستكمالاً لسلسلة الفرضيات، يشرح أنه «مع افتراض وجود الدليل على أن هذه الشبكات هي التي نفذت جريمة الاغتيال لم يقل لنا أحد كيف افترضوا أن المتهمين الأربعة على علاقة بالجريمة، لاسيما ان الاقتران المكاني للهواتف لا يمكن أن يكون دقيقاً ليؤخذ به كدليل».

ولو سلمنا جدلاً بصحة التزامن المكاني بين الهواتف الخاصة للمتهمين وبين هواتف المجموعات المشاركة، فمن قال إن لا إمكانية للتلاعب بها أو أن الاسرائيلي ربطها مكانياً؟ لاسيما أنه ثبت بالدليل القاطع أنه قادر على فعل ذلك.

هذه المسألة سبق وتم تناولها في مؤتمر عقده رئيس لجنة الاتصالات حسن فضل الله ووزير الاتصالات آنذاك شربل نحاس في مؤتمر صحافي عقداه في 23 تشرين الثاني 2010، كشفا خلاله عن الخروقات الإسرائيلية لشبكة الاتصالات.

في ذلك المؤتمر، أفاض رئيس الهيئة الناظمة للاتصالات عماد حب الله في سرد المعطيات التي توضح هذا الاختراق الذي وصل إلى حد التحكم الكامل بالهاتف الخلوي الذي نحمله بأيدينا، وكذلك بالشريحة التي في داخله، من خلال برنامج متطور يزرعه في الهاتف، ويستطيع الإسرائيلي من خلاله: الاستماع إلى المكالمات، التنصّت على الحوارات الجارية في محيط الهاتف، الاطلاع على الرسائل النصية (SMS)، إرسال رسالة قصيرة (SMS) كإنذار في حال استقبال الهاتف المستهدف لاتصال، أو تغيير الشريحة SIM، أو إيقاف أو تشغيل الهاتف، إظهار سجل المكالمات الخاص بالهدف (المكالمات الصادرة والواردة والمدة والوقت)، وغيرها الكثير.

وفي المؤتمر نفسه، ربط فضل الله بين هذه الإمكانية وبين وجودها على أرض الواقع فعلاً، عبر كشفه عن محاولة إسرائيلية لاختراق هواتف ثلاثة مقاومين في العام 2007.

2011-08-23