ارشيف من :خاص
الغرب يبحث عن اقتصادياته المنهارة في المشهد السوري الداخلي
طغت الأزمة السورية الأخيرة على المشهد الاقليمي برمته لما لسورية من موقع هام وأساسي في الجغرافيا السياسية في المنطقة، وعلى خلفية هذا الموقع يأتي التدخل الاميركي والاوروبي في الأزمة السورية وذلك ليس بدافع الحرص على الشعب السوري وحريته بل دوافع سياسية واقتصادية بحته. عن ابعاد هذه الدوافع وخلفياتها سألت "الانتقاد" استاذ العلوم السياسية في الجامعة الاميركية في بيروت الدكتور احمد موصلي والباحث السياسي الدكتور وسيم بزي.
يقول الدكتور احمد موصلي ان مطالبة الرئيس الاميركي ومن وراءه دول الغرب الاوروبي الرئيس السوري بشار الاسد بالتنحي هي لفظية فقط و لن تؤدي الى أي تغيير فيما يجري هناك، وهي تأتي من باب تشديد الضغط على سورية لحملها على فك ارتباطها بايران والمقاومة في لبنان وحركة حماس.
ويرى موصلي ان اقتصاديات الولايات المتحدة واوروبا المنهارة بفعل تداعيات الازمة الاقتصادية العالمية. والموقف الروسي الاخير الرافض لدعوة الرئيس الاسد للتنحي يشكلان مانع اساسي امام الولايات المتحدة وحلفائها للتدخل العسكري في سوريا. فروسيا والصين تعتبران انه في حال سقطت سورية فان الولايات المتحدة ستتفرد في حكم العالم العربي.
من جهته يرى الباحث السياسي الدكتور وسيم بزي ان الموقف الروسي الرافض لدعوة الرئيس الاسد للتنحي ومعه الموقف الصيني الرافض لاي قرار في مجلس الامن بادانة سورية هما تعبير عن حجم المصالح الاستراتيجية لكل من الدولتين في الجغرافيا السياسية السورية، حيث تشكل سورية البوابة الجنوبية لروسيا.كما ان الموقف الروسي والصيني الصلب من الازمة السورية هو تعبير عن الخيبة الكبرى من التلاعب الاميركي والاوروبي بالمشهد اللليبي من خلال تجاوز القرارين 197 و1973 وقد وصل هذا التجاوز الى حدود الفضيحة واسقط هيبة المجتمع الدولى واعطى طابعا استعماريا لطريقة التعاطي مع ليبيا.
وعن الموقف الفرنسي من وخلفه الاوروبي من المشهد السوري الحالي والذي مثل تحولا جذريا في السياسية الفرنسية بعد فترة التحسن في العلاقات التي سادت بعد وصول ساركوزي الى الحكم، يرى الدكتور احمد موصلي ان الموقف الفرنسي الحقيقي من الازمة السورية هوفي حقيقته موقف اقتصادي متعلق بقضايا بيع الاسلحة الى المملكة العربية السعودية وصفقات الغاز في المنطقة الذي سيكون لها شأن هام في المستقبل القريب، فالسعودية تريد محاربة النظام في سورية على خلفية موقفه المتحالف مع ايران وهي تريد تحويله الى نظام موال لها ومعاد لايران وحزب الله. وان فرنسا والمجموعة الاوربية هم جزء من هذه اللعبة ففرنسا ومعها ايطاليا والمانيا واسبانيا هم من اكبر موردي الاسلحة لدول الخليج وهم يسعون لاسترضاء انظمة الحكم هناك عبر الضغط على سورية.
ففرنسا ترى ان نظام الحكم في سورية عبر تحالفه مع ايران وحزب الله لايؤمن مصالحها والتعامل معه لا يزيد من من شعبيتها بين هذه الانظمة، وخاصة في ظل وعود خليجية لها ان تمنح عقود في مشاريع الطاقة النووية الخليجية المزمع انشائها. موصلي يرى ايضا ان مجمل المواقف الفرنسية والاوربية من الوضع السوري قابلة للتغير اذا شعرت هذه الدول بان مصالحها السياسية والاقتصادية غير مؤمنة في وانها حكما في هذه الحالة ستعمد الى اجراء عملية مراجعة لمواقفها من نظام الحكم في سورية وكذلك فان نفس الامر ينسحب على تركيا التي تنتظر موقفا اوروبيا ايجابيا يضعها في حضن الاتحاد الاوروبي بعد موقفها الاخير من الازمة السورية .
من جهته يرى الدكتور وسيم بزي ان الموقف الفرنسي شكل طوال السنوات الاخيرة موقفا التحاقيا للموقف الاميركي من سورية وهو اذ يشكل اختصارا للموقف الاوروبي فانه ومنذ اندلاع الازمة السورية تجاوز الموقف الاميركي باشواط وذلك على خلفية الامور التالية: فشل الرئيس ساركوزي طوال سنوات انفتاحه على سورية في تطويع موقف الرئيس بشار الاسد من عملية الصلح مع "اسرائيل". دعم سوريا المطلق لقضية المقاومة في المشرق العربي. مقاومة الرئيس الاسد لمشروع الاتحاد عبر المتوسط والذي اراده الرئيس ساركوزي قناة خلفية للتطبيع مع العدو الصهيوني.افشال الرئيس بشار الاسد لأحلام ساركوزي بادارة مفاوضات غير مباشرة بين اسرائيل وسورية. وضوح الرؤية السورية الاستراتيجية من الوضع في لبنان وثباتها على هذه النظرة استخدام فرنسا موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كسيف مسلط على سورية لابتزازها في ملفات الشرق الاوسط.
شهدت العلاقات الاميركية الروسية والاميركية الصينية مراحل مختلفة بعضها اتسم بالتأزم والبعض الاخر ساده الهدوء وهي قامت على مبدأ التخادم السياسي وتقاطع المصالح. وانطلاقا من هذا الواقع لايستبعد البعض قيام صفقة روسية اميركية وامريكية لاتكون في مصلحة النظام السوري في ظل الازمة التي يعيشها حاليا.وخاصة في ظل القدرة الاميركية على التأثير على المصالح الروسية والصينية في عدد من دول العالم.يقرأ الدكتور احمد موصلي نقاطا عديدة في هذا الملف فيرى ان الضغط في مثل هذه الحالة لن يكون فقط من طرف الولايات المتحدة بل سيكون متبادلا فالصين مثلا باتت تملك القدرة على التأثير في القرار السياسي الاميركي من خلال استثماراتها الاقتصادية الهائلة داخل الولايات المتحدة مما يعني التأثير على القرار السياسي الاميركي الداخلي وليس فقط في مصالح الولايات المتحدة في مجال الصادرات والوردات الخارجية.
كذلك الامر بالنسبة لروسيا التي تعتبر اكبر مصدر للغاز في العالم وهي من خلال ذلك قادرة على احداث تأثير كبير في القرار السياسي الاوروبي .تجعلهم يعيدون النظر في الكثير من قراراتهم وتحالفاتهم.
كما ان روسيا تعتبر ان مصالحها مع سورية استراتيجية جدا.فمدينة اللاذقية سيصبح فيها قريبا قاعدة للاسطول البحري العسكري الروسي وايضا قاعدة للغواصات الايرانية. وانطلاقا من ذلك يقول موصلي فان لسورية دور هام في الصراع الاميركي الروسي والصيني.
اما وسيم بزي فيرى ان الموقف الروسي والصيني من الوضع في سورية لايرتبط بقراءة انية بل المصالح البعيدة المدى لهاتين الدولتين في المشهد العالمي المقبل.بزي يرى ايضا ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها الولايات المتحدة وسياسة التراجع التي تعتمدها في اكثر من ساحة عالمية يعطيان اشارة حاسمة لقدرة روسيا والصين على الحضور بقوة في الامتحان السوري واعطاء دليل على قدرتهما في الحضور في الصراع المحتدم على ادارة العالم في السنوات العشرين القادمة.
في ظل هذه الضغوطات التي تشتد على سورية يبدو النظام السوري مطمئنا الى سلامة موقعه في خريطة الصراع الاقليمي في المنطقة على ماذا يتكئ النظام السوري في موقفه هذا وماهي ارواق القوة التي لديه.
يجيب الدكتور موصلي ان ورقة القوة الاساسية التي تمتلكها سورية في وجه خصومها هي تحالفها مع ايران التي قامت مؤخرا بدعم الاقتصاد السوري بمبلغ 6 مليارات دولار خاصة بعد القرار الذي اتخذته الحكومة السورية مؤخرا برفع المرتبات والاجور في القطاع العام.كما ان ايران يقول الدكتور موصلي اعلنت صراحة ان اي اعتداء على سورية ستعتبره اعتداء مباشر عليها وستتعامل معه على هذا الاساس. والسفن العسكرية الايرانية موجودة في منطقة الشرق الاوسط وهي تمر في منطقة قناة السويس. موصلي يرى ايضا ان للسوريين دورا مؤثرا في الوضع العراقي الداخلي وهم قادرون من خلاله على التأثير على الخطط الاميركية في هذا البلد.كما ان تحالفهم الاستراتيجي مع حزب الله وحركات المقاومة في فلسطين يجعلهم قادرين على تجييش الوضع ضد اعدائهم في اكثر من محورفي حال حصول اعتداء عليهم.فوضع سورية الجيوسياسي يجعلها مفتاح لتوازن اقليمي بين عدد من الدول الكبرى.
من جهته يرى الدكتور وسيم بزي ان سوريا لاتزال تملك الكثير من اوراق القوة في المعركة المصيرية التي تعيشيها حاليا. وليس اقلها دخول القيادة السورية هذه المواجهة وهي تدرك حجم المخاطر والمتتطلبات اضافة الى التماسك الهائل بين مؤسسات النظام وخاصة بين الجيش والقيادة السياسية والجسم الديبلوماسي .يضاف الى ذلك دعم شعبي يتجاوز نصف الشعب السوري على الاقل. إضافة الى مجموعة تحالفات الاقليمية جعلت القيادة السورية في صلب محور المقاومة واكسبتها خبرة في قيادة المعارك ذات الطابع المصيري مثل عزو العراق وحرب تموز/ يوليو 2006 واحداث لبنان بعد اغتيال الحريري. بزي يرى ايضا ان موقع سورية المفتاحي في المنطقة جعلها تمسك بخيارات الحرب والسلم في المنطقة وخاصة في موضوع الصراع مع "اسرائيل". كما ان لسورية تاثيرا بالغا في الملف العراقي قد تستخدمه في وجه الولايات وهي على ابواب الانسحاب من العراق.اضافة طبعا الى توازن استراتيجي يتمثل بالشراكة مع المقاومة اللبنانية ضد العدو الصهيوني وقد تجلي في شباط/ فبراير 2010 في لقاء الرئيس بشار الاسد والرئيس احمدي نجاد.
وعن احتمال حدوث تدخل عسكري تركي في الاحداث السورية يتبعه دخول قوات من الحلف الاطلسي، يستبعد الدكتور احمد موصلي حدوث مثل هذا الامر وذلك لاسباب عدة اهمها صورة الفشل الفضيحة في ليبيا لدول حلف الناتو. كما ان الشعب الاميركي والشعوب الاوربية غير راغبة بالتورط في حروب اخرى بعد حرب العراق، وخاصة في ظل الوضع الاقتصادي السيئ الذي يجتاح الولايات المتحدة ودول اوروبا والذي نتج عنه تقليص ميزانيات الجيوش في هذه الدول. كما ان هذه التدخلات المستمرة في عدد من بلدان العالم لم تؤد الى اي انتصار حقيقي الى هذه الدول، بل ادت الى مزيد من الحروب والانقسامات.
بدوره ايضا يستبعد الدكتور بزي هذا الخيار لاسباب عدة اهمها الاداء الرشيق للجيش السوري امام حركات التمرد المسلحة وصلابة القيادة السورية في الدفاع عن خياراتها الاستراتيجية, تكامل عناصر القوة السورية مع المشهد العراقي واللبناني اضافة الى الوقوف الوقوف الايراني الصلب الى جانب القيادة السورية، وانقسام المشهد التركي الداخلي حيال الازمة الداخلية السورية، اضافة الى القوة السورية الناعمة في الجسد التركي كل هذه العناصر لن تسمح لتركيا العائدة الى خيار تحالفاتها مع "اسرائيل" برعاية اميركيية من النيل من خيارات سورية السياسية والقومية.
بزي يرى ان سورية ستعاني بسبب هذه الخيارات من مصاعب اقتصادية كبيرة نتيجة الضغوطات الاقتصادية عليها، ولكن هي ستحاول تجاوزها وهي تملك قدرة كبيرة على الاكتفاء الذاتي من الحاجيات الاساسية كما انها قادرة على ادارة محفظتها المالية دون الارتهان لعملة معينة في ادارة اقتصادها.
نبيل المقدم
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018