ارشيف من :أخبار لبنانية
ميقاتي «الباريسي»: تبادل رسائل مباشرة .. ومبطنة
دنيز عطا الله حداد
جاء التحرك الخارجي الاول لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي مُرضيا له. الرضى غير ناتج عن سهولة لقاءاته في باريس، ولا يُسر الاسئلة التي طرحت عليه، ولا حتى ما سمعه من تصريحات وتلميحات حول ظروف تشكيل الحكومة وشكلها. خرج راضيا لكسر الصورة التي حاول البعض تعميمها عنه وعن حكومته باعتبارها حكومة مناوئة للمجتمع الدولي، وان غاية وجودها كسر الشرعية الدولية عند اعتاب السرايا الحكومية. وعاد راضيا لكون صورته الوسطية لم تهتز بالكامل، وهي التي جعلت غالبية من التقاهم يكررون الثقة به شخصيا ويراهنون على اعتداله واحترامه قرارات الشرعية الدولية، ومنهم من ابدى تفهما لحراجة مواقف لبنان وخصوصيته على اكثر من صعيد داخلي وخارجي.
جاءت سلة لقاءات ميقاتي ممتلئة ومتنوعة. فقد التقى الامين العام للامم المتحدة بان كي مون، ووزير الخارجية الفرنسي الآن جوبيه، ووزير الخارجية التركي احمد داوود اوغلو. كما التقى ايضا مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان وعددا من المسؤولين العرب. تشابهت المواضيع المطروحة. وبحسب مصادر مطلعة «تمحورت اهتمامات معظم من التقاهم الرئيس ميقاتي حول نقطتين: سوريا و«حزب الله». فقد اراد اكثر من مسؤول الاستفسار من ميقاتي عما سيكون عليه موقف لبنان في حال توصل مجلس الامن الى اصدار قرار متشدد يتعلق بالوضع في سوريا، خصوصا ان لبنان يرأس لغاية آخر شهر ايلول مجلس الامن. وتؤكد المصادر «ان الرئيس ميقاتي كان شديد الوضوح في هذه النقطة. وما اجاب به سائليه عاد وكرره علنا ومفاده ان لبنان يريد النأي بنفسه عن التدخل في الشأن السوري، والابتعاد قدر الامكان عن اتخاذ اي موقف تكون له انعكاسات سلبية على الوضع الداخلي. لكن لبنان لن يقف في وجه المجتمع الدولي وقراراته في حال ذهب باتجاه قرار متشدد حيال الوضع السوري. قد لا يصوّت على القرار، لكن لبنان لا يريد، ولا يملك القدرة اصلا على مواجهة المجتمع الدولي».
وتشير المصادر الى ان السؤال عن موقف لبنان من صدور مثل هذا القرار كان اكثر الاسئلة تكرارا، وان الرئيس ميقاتي كرر جوابه مرات عدة، بمضمون واحد وصيغ مختلفة، وهو على الارجح ما جعله يصرّح علنا بموقفه دحضا لكل شك وتأكيدا لالتزامه بكلمته.
اما السؤال الثاني الذي تكرر على مسامع ميقاتي فقد «تمحور حول المحكمة الدولية ومدى التزام الحكومة بها عمليا. كما سئل عن تأثير «حزب الله» في هذا الموضوع وحجم قدرته على التعطيل. ولقد اكد ميقاتي حرصه الشخصي، من موقعه كرئيس حكومة، على تمويل المحكمة والالتزام بقراراتها». وتضيف المصادر «الا ان الرئيس ميقاتي كان واضحا ايضا في شرح التركيبة اللبنانية والحكومية. فهو رئيس لحكومة سياسية تضم اطرافا سياسية وحزبية تلتقي على بعض الطروحات وتختلف على اخرى. وليس سرا ان فريقا سياسيا من اللبنانيين لا يبدي حماسة في تمويل المحكمة. ومع ذلك اكد الرئيس ميقاتي انه سيعمل جاهدا في هذا المجال ضمن الاطر القانونية والدستورية التي يمليها عليه منصبه. وانه واثق بأن اطرافا سياسية اخرى في الحكومة تتبنى موقفه من المحكمة وترى فيها مصلحة للبنان».
وتشير المصادر الى ان ميقاتي»استمع بدقة لوجهات نظر من التقاهم وتحليلهم لتطور الاوضاع في المنطقة ولبنان، ولا سيما في سوريا. وفهم الرسائل المبطنة، قبل تلك المباشرة. لكنه في الوقت نفسه، عبّر عن مخاوفه على لبنان وتحميله اعباء تفوق قدرته وادخاله في محاور لا قدرة له على تحمل تبعاتها. وهو تمنى مراعاة خصوصية الداخل اللبناني، موجها بدوره رسائل مباشرة واخرى مبطنة».
وتنقل الاوساط المتابعة ان «الرئيس ميقاتي خرج مرتاحا، نسبة الى واقع الامور، من معظم لقاءاته. فالصورة «النمطية « التي حاول البعض الصاقها بحكومته، وبه شخصيا، تتحلل. ولقد لمس انفتاحا مقبولا من المسؤولين الذين التقاهم ورغبة بالاستماع الى وجهة نظر الحكومة اللبنانية ومناقشتها». لكنه، بحسب المصادر عينها، لمس «حجم الاهتمام الاساسي المنصب اليوم على التطورات في الساحة السورية، كأن كل ما يجري يدور في فلكها».
لم تخفف زيارة ميقاتي الخارجية من الاعباء عن كتفيه، بل، ربما، زادتها ثقلا. لكنها كسرت احدى حلقات الهجوم على الحكومة ورئيسها عبر كسرها طوق «العزلة الخارجية»، وأفقدت الخصوم ورقة اضافية. لكن ذلك لم يمنع نائبا من «قوى 14 آذار» من التخفيف من اهمية الزيارة واللقاءات ومضمونها. وقال «ان ما سمعه ميقاتي في لقاءاته الخارجية كان النصيحة بفك ارتباطاته الخارجية مع سوريا، والداخلية مع «حزب الله»، لانهما يحاربان المجتمع الدولي وسينتهيان الى المصير نفسه الذي انتهى اليه كل من وقف في وجه الشرعية الدولية. وبالتالي، لا مصلحة للرئيس ميقاتي بالبقاء في مركب يغرق».
تكتفي مصادر الرئيس ميقاتي بالرد على مثل هذا الكلام بالقول «ان الزمن زمن افعال واعمال وتجنيب لبنان ما امكن من الهزات والمخاطر، وليس زمن التشاطر والتحليل واختراع السيناريوهات».
المصدر: صحيفة "السفير"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018