ارشيف من :أخبار لبنانية
هـل يبحـث بيلمار عـن «دليـل اتهامـي» جديـد؟
نبيل هيثم - "السفير"
يرى أحد كبار القضاة ان القرار الاتهامي هو أعزّ ما يملكه قاضي التحقيق، سواء كان متعلقا بجريمة كبرى كاغتيال الرئيس رفيق الحريري او بأية جريمة اخرى تتعلق حتى بحادثة بسيطة، ولذلك يفترض ان يبنيه على قرائن وأدلة ذات صدقية عالية وإثباتات واضحة لا لبس فيها، ويشحنه بأقوى العناصر الاتهامية اليقينية التي تضيّق الخناق على المتهم.
تلك هي المواصفات البديهية التي ينبغي ان تتوفر في أيّ قرار اتهامي، فتدخله في دائرة التسليم العام بانتهاجه السلوك القانوني التقني والمسار المؤدي الى الحقيقة، وليس في دائرة الريبة والشك والتسييس كما هي حال القرار الاتهامي الصادر عن المدعي العام للمحكمة الدولية دانيال بيلمار»المتّهم» بتجاوز تلك المواصفات والبديهيات القانونية والادلة والاثباتات اليقينية وتفصيل اتهام على قياس «حزب الله» وإلباس أفراد منه جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بالاستناد الى فرضية «تزامن الاتصالات»، التي جعلها بيلمار «عصب» القرار و«العنصر الاقوى والوحيد» الذي قام عليه الاتهام.
ولكن ما ينبغي لحظه هو ان «دليل الاتصالات» لم يستطع ان يرقى من كونه فرضية زمنية مكانية، واحتمالا غيبيًّا، الى مستوى «الدليل القاطع» غير القابل للنقض أو التشكيك فيه، ولعل الحملة الاعتراضية التي قابلته تبررها هشاشة الحجة التي بني عليها، وافتقاد «عصب القرار» القدرة على الإقناع، وثمة ملاحظات تصب في هذا الاطار:
اولا: ان ما قدمه «حزب الله» سياسيا وقانونيا وتقنيا في الآونة الاخيرة، سواء في المؤتمر الصحافي لرئيس كتلته النيابية النائب محمد رعد مع القانوني سليم جريصاتي، او من خلال ما كشفه فريق الاختصاصيين في مجال الاتصالات خلال المؤتمر الصحافي للنائب حسن فضل الله، قد أصاب «عصب القرار الاتهامي» في الصميم على ما يؤكد الحزبيون. وتجلت الارتدادات الفورية لتلك الاصابة ضمن فريق المحكمة من خلال المسارعة بعد مؤتمر الاتصالات الى الاعلان على لسان الناطق باسم المحكمة الدولية مارتن يوسف أنّ «هناك ملحقًا للقرار الاتهامي لم يُكشف عنه للحفاظ على الشهود ومجريات التحقيق، وان لدى بيلمار أدلة إضافية غير قرينة الاتصالات»(؟!)، وأن في أرجاء موعد المحاكمة اشهرا كما قال رئيس قلم المحكمة هيرمان فون هيبل الذي أعلن ان المحاكمة قد تبدأ في منتصف 2012»، علما ان هيبل نفسه سبق ان توقع بدء المحاكمة في ايلول او تشرين الاول من العام 2011(؟!)
ثانيا: لم يقدم هيبل تفسيرات توضح موجبات إرجاء المحاكمة، كما لم يقدم الناطق باسم المحكمة توضيحات حول مضمون «الملحق الاتهامي»، واللافت هنا ان فريق المحكمة الداخلي الذي تبنى فرضية الاتصالات ونظر من خلالها الى افراد «حزب الله» على انهم «مجرمون» قد ذهب مع اتجاه الريح الجديد، وشرع منذ الآن في التعويل على ما في جعبة بيلمار من أسرار (؟!).
ثالثا: ان ما بدر من فريق المحكمة، سواء لناحية التحديد المتكرر لمواعيد المحاكمة او التلويح بالملحق الاتهامي الجديد، يحمل على الاعتقاد بأن أمرا ما يحصل خلف جدران المحكمة، ويرسم علامات استفهام حول ما يعد خلفها، ويحمل على مواجهة بيلمار بالاسئلة الآتية: هل هناك ملحق بأدلة جديدة أصلا، وان وجدت فلماذا التستر عليها ولماذا لم تدرج ضمن القرار الاتهامي؟
رابعا: ان ما بدر من ناحية فريق المحكمة في الآونة الاخيرة يدرجه «حزب الله» في سياق التلبس بعملية التضليل التي تمارسها المحكمة، ولدى الحزب أجوبة محددة في هذا السياق:
- اولها: ان القول بوجود ملحق آخر بأدلة جديدة غير تزامن الاتصالات هو طعن مباشر بهذه الفرضية وإقرار مباشر وواضح بضعفها ووهنها.
- ثانيها: ان «دفع» المحاكمة حتى منتصف العام 2012، ليس أمرا إجرائيا يتصل بالتحضيرات اللوجستية، بل ينطوي على إعطاء الفريق الاتهامي فرصة لنفسه للبحث خلال الاشهر المقبلة عن دليل آخر...
- ثالثها: ان القول بوجود ملحق للقرار، يؤكد ان ما قدمه الفريق الرسمي للاتصالات في المؤتمر الصحافي قبل ايام، قد أسقط مصداقية فرضية الاتصالات، ويؤكد ان «حزب الله» قد تمكن من:
- إثبات قدرة اسرائيل على التلاعب بشبكة الهاتف، وثمة شهادة من الاتحاد الدولي للاتصالات الذي انعقد في المكسيك، وأكد «أن مرافق الاتصالات في لبنان تعرضت، ولا تزال تتعرض، من قبل اسرائيل، للقرصنة والتداخل والتعطيل وبث الفتنة على الشبكات الثابتة والخلوية اللبنانية للاتصالات».
- إثبات ان كل شيء اسمه «اقتران مكاني» ليس له مكان في إثبات اية حادثة سواء كانت كبيرة او صغيرة، وخاصة في جريمة كاغتيال الرئيس رفيق الحريري. وبالتالي إثبات ان هناك سهولة في اختراع شرائح وتركيب تزامنات مع أحداث معينة (من قبل اسرائيل وغيرها)، أي ان يتم استنساخ «رقم ما» بغير علم صاحبه الاصلي، ويتم الاتصال من خلاله وإظهاره على انه يتكلم من منطقة معينة فيما صاحبه الاصلي موجود في مكان آخر. وقد تم اجراء العديد من التجارب على هذا الاستنساخ وثبت نجاحها.
- رمي الكرة في ملعب الآخذين على «حزب الله» بأنه يقبل بفعالية دليل الاتصالات في ما خص عمليات توقيف عملاء اسرائيل من قبل «فرع المعلومات» ولا يقبل بها عندما وصل الامر الى المتورطين باغتيال الحريري، فيؤكد ان فرع المعلومات اعتمد في توقيفاته للعملاء على «داتا الاتصالات» من خلال رصد حركة «ارقام داخلية» تخابر مباشرة مشغلها الاسرائيلي في الخارج او يتصل بها هذا المشغـِّل، وهكذا تم تعقبهم واكتشافهم. إلا ان الامر يختلف في ما خص اغتيال الحريري، حيث يتم الحديث عن «اقتران مكاني» فقط، وعن شبكة حمراء لا تتواصل إلا في ما بينها، فكيف تمت معرفة هذه الشبكة، وكيف تبيّن ان لها علاقة باغتيال الحريري، وما الذي قاد اليها، وهل الدليل المكاني كاف لافتراض وجود صلة بين تلك الشبكة وجريمة الاغتيال؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018