ارشيف من :أخبار لبنانية

أربع ملاحظات من «وحي» القرار الاتهامي

أربع ملاحظات من «وحي» القرار الاتهامي
الياس فرحات ـ "السفير"

أخيرا جاءنا القرار الاتهامي خاليا من اي تفسير لكيفية حصول جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن دون ان يظهر كيف حصل التفجير، واكتفى بان اتهم اثنين من المتهمين الأربعة من عناصر «حزب الله»، بالاتصال بمحطة «الجزيرة» للابلاغ عن الشريط (أبو عدس) واتهام احدهم انه اعطى أمر التفجير، انما كيف؟ لم يذكر ذلك. يؤكد القرار الاتهامي ان انتحاريا فجر نفسه لكن التقنيات التي تحمي سيارة الحريري وموكبه تجعل من الصعب على اي انتحاري ان يصيبه لاسباب نعرضها ادناه، ثم ماذا عن اختيار منطقة فندق سان جورج؟ لا يقدم القرار شيئا عن هذا.


يركز القرار على الاتصالات ويعتبرها ادلة ظرفية، لكنها في الواقع وكما وردت في سياق القرار ليست ادلة لا ظرفية ولا دامغة. المعروف ان لجنة التحقيق الدولية والادعاء العام استجوب ما يزيد عن الف شخص في الجريمة ومن بينهم حسب قول المدعي العام دانيال بلمار في حديثه الشهير الى موقع «ناو ليبانون»، عناصر من «حزب الله» لكنه لم يستجوب المتهمين الاربعة حسب ما اعلن، ولم يعلن انه استدعاهم للتحقيق ولم يحضروا. كيف عرف بلمار ان هذا الرقم الهاتفي لهذا الرجل؟ لا نجد جوابا في القرار الاتهامي. اسقط بلمار شبكة «حزب الله» على شبكة هواتف القتلة المقفلة حسب تقرير ديتليف ميليس (كشفتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني بعد وقوع الجريمة بشهرين تقريبا) لوجودها في البقعة نفسها في حين يعرف القاصي والداني ان آلاف الارقام تتواجد في منطقة مسرح الجريمة (السان جورج والوسط التجاري). واذا افترض ان كل عنصر من شبكة القتلة المقفلة لديه هاتف اخر للاتصالات العادية، فكيف افترض ان كل واحد من شبكة القتلة لديه رقم من الشبكة المصنفة «شبكة حزب الله» وهي التي يقول انها مقفلة وخرقت في اتصال واحد. لكن هل يجري اعضاء الشبكة اتصالاتهم العادية بواسطة شبكة مقفلة؟ انها استنتاجات شخصية غير منطقية قادته الى اتهامات من دون ادلة لا ظرفية ولا غير ظرفية.


نعم كان باستطاعة القرار الاتهامي ان يجيب على سؤال اللبنانيين، كيف حصلت الجريمة؟
بالاستفادة من تقارير لجنة التحقيق الدولية خصوصا حول مسرح الجريمة، نحاول تقديم اجابة علمية - جنائية تتلخص بالآتي:
من الواضح ان من خطط للجريمة، كان يتعمد التأكيد بانه سيقتل من دون اي شك، وقد كان التخطيط على درجة عالية من الدقة ولا يحتمل اي خطأ، بدءا من اختيار المكان ورصد الموكب، الى نوعية المتفجرات وطريقة التفجير.
أولا، اختيار المكان: كان الرئيس الحريري يتنقل بسيارة «مرسيدس» شديدة التصفيح ترافقه 3 سيارات «مرسيدس اخرى باللون نفسه (اسود) والطراز نفسه وسيارة تحمل اجهزة تشويش لا تسمح بمرور الاشارات اللاسلكية ضمن شعاع يبلغ نحو 1000م بما يمنع اي تفجير عن بعد ضمن هذه المساحة بالاضافة الى سيارة مواكبة من قوى الامن الداخلي وسيارة اسعاف.


لا يمكن تنفيذ التفجير في الطرقات الداخلية في بيروت وذلك لكثرة التقاطعات وزحمة السير التي تحد من التحكم بالتوقيت المرسوم في اي مخطط يعد للجريمة وتحد ايضا من حرية حركة المنفذين. يبقى الطريق البحري الاقل زحمة والاقل تقاطعات، لكن اي تفجير على الطريق البحري يؤدي الى ذهاب معظم العصف الناشئ عنه الى الفراغ في الجهة البحرية لانه لا يوجد ابنية مرتفعة من تلك الجهة، فقانون البناء يمنع اشادة ابنية اعلى من مستوى الطريق لجهة البحر في بيروت باستثناء منطقة عين المريسة التي يوجد فيها ابنية بارتفاع طابق واحد، معظمها مطاعم وبناء واحد الى الجهة البحرية هو فندق سان جورج الذي شيد في اربعينيات القرن الماضي.


يمتد الفندق مسافة اكثر من 20 مترا على الطريق البحري ويرتفع 5 طبقات وعلى الجهة المقابلة من مكان الانفجار يقع مبنى فندق «بالم بيتش«، وهو يرتفع12 طابقا. ان وقوع الانفجار بين بنايتين من شأنه الافادة القصوى من العصف الناتج عن الانفجار لضمان تحقيق اكبر قدر من الضرر. لذلك كان على الشاحنة الصغيرة المحملة بالمتفجرات وهي من طراز «ميتسوبيشي كانتر» ان تكون اما متوقفة او تسير ببطء على امتداد مبنى فندق سان جورج من اجل ضمان الاستفادة القصوى من الانفجار واتجاه اكبر قدر من العصف نحو سيارة الرئيس الحريري. ان اي تفجير على امتداد الطريق البحري بعيدا عن فندق سان جورج لا يعرض سيارة الحريري لعصف كبير ولا يؤدي الى اصابتها بأضرار قاتلة لانها مصفحة بشدة.
ثانيا، التوقيت: ورد في تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس تاريخ 19 تشرين الاول 2005 الفقرة 133 عن شريط الفيديو في كاميرا مصرف HSBC ما يلي:


«... بيّن التسجيل بوضوح أن شاحنة «الميتسوبيشي كانتر» كانت تتنقل بسرعة أبطأ ستة أضعاف من جميع المركبات الأخرى التي كانت تعبر الجزء نفسه من الطريق. وبيّن تحليل للتسلسل الزمني أنه بالنسبة لمسافة الـ50 متراً تقريباً من الطريق التي تغطيها آلة التصوير تحتاج سيارة عادية إلى مدة 3 إلى 4 ثوان لقطع المسافة في حين تحتاج سيارة نقل كبيرة إلى فترة 5 إلى 6 ثوان لقطع نفس المسافة. واستغرقت المدة التي قطعت فيها شاحنة «الميتسوبيشي كانتر» هذه المسافة حوالى 22 ثانية، ودخلت المنطقة قبل وصول موكب الحريري بدقيقة و49 ثانية».
ان ما ورد في هذه الفقرة من تقرير ميليس يعني ان سيارات موكب الرئيس الشهيد الحريري كانت تعبر مسافة الـ50 مترا بمدة من 3 الى 4 ثوان اي بسرعة تتراوح بين 13 و16 مترا بالثانية. وهذا يعني ان اي تأخير او تقديم في التفجير لمدة ثانية واحدة من شأنه ان لا يصيب سيارة الحريري مباشرة.
يتنقل الرئيس الحريري عادة في موكب يتألف من 4 سيارات من اللون نفسه(اسود) والطراز نفسه (مرسيدس) مما يجعل من الصعب على اي انتحاري مفترض ان يختار اللحظة المناسبة لمرور السيارة - الهدف لتفجيرها، لأن عليه ان يميز سيارة الحريري من بين 4 سيارات. وحتى لو كان عالما بترتيب السيارة في الموكب، فان التحقق من السيارة وفقا لترتيبها اولى او ثانية او ثالثة او رابعة يحتمل خطأ خصوصا ان سيارة «الميتسوبيشي كانتر» مقودها الى اليمين وهذا ما يضيق مجال الرؤية نحو اليسار اي باتجاه الموكب ويحصره من خلال النافذة في حال كان ما يزال جالسا على مقعده.
إن أي خطأ لمدة ثانية يبعد او يقرب سيارة الحريري عن التفجير مسافة بين 13 و16 مترا وهي كافية لنجاته. هذا الخطأ وارد بنسبة كبيرة وذلك بسبب الالتباس الذي يحصل بين السيارات الاربع المتشابهة وتحديد اي منها تكون سيارة الرئيس الحريري. ووارد ايضا بسبب ضيق مجال الرؤية لسائق «الميتسوبيشي» لان مقودها الى اليمين، وايضا بسبب العامل الانساني للانتحاري المفترض (ارتباك الخ..)، الأمر الذي يمكن ان يؤخر او يقدم مدة ثانية او اكثر.


نظرا لهذه العوامل، ان اقدام انتحاري على تفجير موكب الحريري لا يضمن اصابة سيارته وبالنسبة للمخططين في افضل الاحوال ان احتمال الاصابة وارد لكنه ليس اكيدا ولا يمكن لمن خطط للجريمة ان يجازف بامكان نجاة الحريري بل المطلوب التيقن من مقتله والانتحاري لا يضمن ذلك (..). ولقد نجت فعلا احدى سيارات الموكب الاربع وكان محتملا ان تكون سيارة الحريري.
ان سائق سيارة «الميتسوبيشي» الذي لم يعرف شيء عن هويته هو شخص طلب منه قيادة السيارة والتوقف بمحاذاة فندق سان جورج فقط. وحسب تقرير ميليس فان وقوفه لم يتجاوز مدة دقيقة و49 ثانية قبل ان يحصل الانفجار. اما الانتحاري المزعوم ابو عدس، فالواضح ان الهدف من بث الشريط الذي يظهر فيه مدعيا انه من قام بالتفجير هو اولا توجيه الانظار الى ان هناك عملية انتحارية وثانيا توجيه الاتهام الى منظمات اصولية وخلق جدال حول هاتين المسألتين.
ثالثا، التشويش: ورد في تقرير المحقق ديتليف ميليس تاريخ 19 تشرين الاول 2005 الفقرة 154 (د) ما يلي:
«جرى فحص نظام التشويش من قبل عضو في مجموعة السيد الحريري الأمنية قبل الانفجار بيومين وبدا أنه في حالة تشغيل جيدة. ومن بين أجهزة التشويش الثلاثة دُمر واحد بالكامل بفعل الانفجار واحترق آخر ولكن أمكن انتشاله والاحتفاظ به كدليل، بينما لا يزال جهاز ثالث يعمل، وعند اختباره تبيّن أنه يعمل بشكل سليم، وفضلاً عن ذلك خلص أيضاً تقرير خبراء المتفجرات الهولنديين والمختصين بالأدلة الجنائية إلى أنه بفحص الجهازين اللذين لم يُدمّرا واحتُفظ بهما كدليل، تبيّن أن جهاز التشويش السليم يؤدي وظائفه».
يستبعد التقرير التفجير عن بعد الا في حالات وردت في التقرير نفسه الفقرة 155:
«وهناك إمكانيات مختلفة تشمل حدوث تفجير انتحاري أو تفجير لاسلكي باستعمال ترددات مختلفة عن ترددات أجهزة التشويش أو استعمال ترددات أجهزة التشويش، أو تفجير لاسلكي باستعمال أجهزة التشويش نفسها، أو تفجير لاسلكي باستعمال أحد هواتف الثريا المتصلة بالتوابع الاصطناعية، و»الثريا» هي شركة الهاتف الوحيدة العاملة في الأراضي اللبنانية التي لديها صلات بالتوابع الاصطناعية، او تفجير سلكي باستعمال كابل تي ان تي، أو تفجير سلكي باستعمال نوع آخر من الكوابل المركبة من قبيل سلك الهاتف بوصفه سلك توصيل. ورغم أنه يبدو للجنة استناداً إلى تحقيقاتها التي جرت حتى الآن، لا سيما نتائج بحث فريق الأدلة الجنائية الهولندي الذي تناول موقع الجريمة أنه من المحتمل أن يكون تفجير انتحاري قد تسبّب في هذا الانفجار، تستدعي الاحتمالات الأخرى مزيداً من التحقيق سواء إمكان تحقيقها وحدها أو بالاقتران مع حدوث تفجير انتحاري».


يتضح من التقرير ان اجهزة التشويش كانت تشتغل اثناء حدوث التفجير وان الامكانيات المختلفة التي تحدث عنها التقرير مثل استعمال ترددات اجهزة التشويش ذاتها او ترددات مختلفة واستعمال اجهزة «الثريا» وغيرها هي موضوعات تستدعي مزيدا من التحقيق وفقا لصلاحيات اللجنة والامكانيات التقنية المتوافرة لها. ولا يبدو ان اللجنة طوال عملها ولا المدعي العام قد عمل على الاحتمالات غير ـ الانتحاري ولو عملت لكانت توصلت الى نتيجة ما حول هذه الاحتمالات واعلنتها حتما ولكان القرار الاتهامي قد ذكر شيئا عنها.


رابعا، الاحتمال الاخير: اذا كان التفجير الانتحاري مستبعدا لانه لا يضمن القتل كما ورد انفا والتفجير عن بعد بشكل عادي مستبعد ايضا لان اجهزة التشويش في الموكب كانت تعمل بشكل سليم، والاحتمالات الاخرى للتفجير عن بعد لم يثبت اي منها حسب تقرير لجنة التحقيق الدولية فيما لم يذكر القرار الاتهامي شيئا عنها، فان الاحتمال الاخير يبقى اعطاء امر التفجير من الجو لصاعق مثبت في سيارة «ميتسوبيشي كانتر« وهذا احتمال وارد لم تتطرق اليه لجنة التحقيق ولا القرار الاتهامي. ان امكانية ارسال امر التفجير من الجو بترددات عالية تستطيع خرق اجهزة التشويش العاملة في موكب الرئيس الحريري ليست متاحة لمنظمات عادية ولا لافراد. انها تتطلب تجهيزات تقنية معقدة لا تتوافر الا عند دول متقدمة تملك مثل هذه الاجهزة المتطورة وتركبها على طائرات خاصة. وبعض هذه الطائرات مجهزة باجهزة تصوير سريعة ودقيقة تلتقط الصور من اماكن بعيدة بدقة عالية وبسرعة كبيرة وهي مجهزة ايضا بجهاز احساس censor يمكنه تمييز سيارة الحريري استنادا الى معدنها المختلف وتصفيحها المميز ووزنها.


عندما تظهر السيارة على الشاشة في داخل الطائرة وهي تصل الى قرب سيارة «الميتسوبيشي» يعطى امر التفجير من الجو باشارة ذات تردد فوق العالي يستطيع خرق اجهزة التشويش الى شحنة المتفجرات الموجودة داخل «الميتسوبيشي» التي تنفجر فيصيب التفجير سيارة الحريري مباشرة وتتلقى السيارة اكبر عصف ممكن لان التفجير حصل بين بنايتين.


بغير هذه الطريقة لا يمكن التيقن من قتل الرئيس الحريري، ومن نافل القول ان المجال الجوي اللبناني يتعرض لخروقات شبه يومية ومن السهل معرفتها، وافادت معلومات لم تنفها اية جهة رسمية ان نشاطا للطيران سجل يوم حصول الجريمة ولحظتها. كما افاد تقرير لجنة التحقيق الدولية المشار اليه انفا ان اللجنة تلقت من الشركتين المشغلتين للهاتف المحمول ان تشويشا حصل على الاتصالات بين سان جورج وساحة النجمة يوم حصول الجريمة بين الساعة 1200و1300 لم توضح اللجنة في تقاريرها اللاحقة من قام بالتشويش ولم يظهر في القرار الاتهامي اي كلام عن مصدر هذا التشويش ولا عن الهدف منه.

2011-09-06