ارشيف من :أخبار لبنانية

قضاء دولي فضفاض

قضاء دولي فضفاض

عمر نشابة - صحيفة الاخبار

«إن تعريف الإرهاب، بحسب غرفة الاستئناف في المحكمة الخاصة بلبنان، يقدّم أداة قضائية قوية للحكومات التي تريد القضاء على معارضيها أو معاقبتهم». هذا ما خلص إليه الخبيران الدوليان في القانون الدولي اللذان يعملان حالياً لحساب مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ماثيو جيليت وماتياس شوستر (دراسة نشرت يوم 25 آب 2011 في «النشرة الدولية للعدالة الجنائية»). وجّه قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة دانيال فرانسين 15 سؤالاً عن تفسير القوانين المعتمدة في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان إلى غرفة الاستئناف في 21 كانون الثاني 2011، أي بعد ثلاثة أيام على تسلّمه النسخة الأولى من قرار الاتهام في 17 كانون الثاني 2011.

ورأى فرانسين ضرورة الاستناد إلى إجابات غرفة الاستئناف عن الأسئلة التي وجهها لتصديق قرار الاتهام أو عدم تصديقه. وسارع القاضي أنطونيو كاسيزي، في اليوم نفسه، إلى مطالبة مكتب المدعي العام ومكتب الدفاع بإيداع إجاباتهم عن الأسئلة، تمهيداً لبتّ غرفة الاستئناف بشأنها. عقدت جلسة للغرفة في 7 شباط وتبعها قرار تفسير بعض القوانين اللبنانية في 16 شباط. أما قرار الاتهام فصدّقه فرانسين في 28 حزيران 2011 بعدما طلب إدخال تعديلات عليه.

وكانت غرفة الاستئناف قد ادّعت أن المحكمة ستطبّق القانون اللبناني في ما يتعلّق بجريمة الإرهاب، القائمة على الأركان الآتية: فعل مرتكب عن قصد لبثّ الذعر، واستعمال وسائل «من شأنها أن تحدث خطراً عاماً» كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو الميكروبية. وسمحت غرفة الاستئناف لنفسها بأن تقدم تحليلاً مفاده «أن المحاكم اللبنانية تعتمد بصورة عامة مقاربة ضيقة النطاق في ما يخصّ الركن الثاني (ب)، وذلك بحصر جرائم الإرهاب في تلك الجرائم المرتكَبة بالوسائل الموصوفة في قانون العقوبات، والتي لا تشمل الاعتداءات المرتكبة بالرشاشات، على سبيل المثال». وخلص قضاة الغرفة التي ترأسها القاضي كاسيزي وشارك فيها القاضيان اللبنانيان رالف رياشي وعفيف شمس الدين، إلى أن «قانون العقوبات اللبناني ذاته يدل على أن تعداده لوسائل الجريمة الإرهابية إنما هو على سبيل المثال لا الحصر، وبالتالي يمكن المحكمة أن تفسّر أحكام قانون العقوبات ذات الصلة تفسيراً أوسع نطاقاً».

لكن هذا التفسير يتناقض مع ما ادعت المحكمة سابقاً احترامه. فالمحكمة كانت قد عدّت الحكم الصادر في 17 كانون الثاني 1997 عن المجلس العدلي في دعوى مقتل الشيخ نزار الحلبي مرجعاً للقانون الوضعي الذي تعتمده. وبالتالي نشرت على موقعها الإلكتروني نصّ الحكم، وهو يتضمّن الفقرة الآتية: «حيث إن المادة 314 من قانون العقوبات قد حدّدت الأعمال الإرهابية بالأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر، والمرتكبة بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو المكروبية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً (...) إلا أن هذه الجريمة لم ترتكب بأي من الوسائل المعددة في المادة 314 المذكورة. لذلك يقضي إعلان عدم مسؤولية المتهمين المذكورين بالنسبة إلى الجرم المنصوص عنه في المادة السادسة من قانون 11/1/1958 لعدم توافر عناصره». وفي الصفحة 76 من نص الحكم ورد «لم يتوافر في التحقيق ما يفيد إقدامه (أي إقدام أحد المتهمين) على أي عمل إرهابي كالذي نصت عليه المادة 314 من قانون العقوبات فتكون عناصر المادة 6 غير متوافرة بحقه».

إضافة إلى تجاوز قضاة المحكمة لصلاحياتهم عبر انتحال صفة أعضاء هيئة تشريعية وطنية، من شأن تفسير غرفة الاستئناف في المحكمة للإرهاب في القانون اللبناني أن يعرّض بعض قراراتها للنسف استناداً إلى المبدأ اللاتيني التشريعي القائل: «لا جريمة إلّا لها قانون» (nullum crimen sine lege) ولا جريمة يعاقب عليها القانون إلا موصوفة بشكل لا لبس فيه؛ إذ إن تعريف الغرفة للإرهاب بحسب القانون الدولي يعاني مشاكل قانونية بحسب الخبيرين القانونيين ماثيو جيليت وماتياس شوستر. أما تعريف الإرهاب بحسب القانون اللبناني، فاذا اعتمد خلافاً للقانون الوضعي يكون باطلاً.

تذكر المادة 314 عقوبات المذكورة، عبارة «الخطر العام» من دون تحديد هذه العبارة. وبالفعل، يُترك هذا الأمر للقاضي من أجل حسن تقدير الوقائع والظروف الخاصة بكل قضية، وبالتالي تقدير الوجود الفعلي لأي خطر عام. من جهة أخرى، تشير المادتان 587 إلى 609 من قانون العقوبات إلى بعض الجرائم والجنايات التي تمثّل خطراً عاماً، على سبيل المثال: إضرام النار، الاعتداء على سلامة الطرقات، وعلى المواصلات والأعمال الصناعية، الجرائم المضرة بصحة الإنسان والحيوان، الأمراض الوبائية. أما في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فقد أدت هيئة سياسية متمثلة برئاسة مجلس الأمن الدولي، دور القاضي قبل بدء التحقيق الجنائي، فقررت أن الجريمة إرهابية وأطلقت آليات «العدالة الدولية» (راجع عدد أمس من «الأخبار»: مسألة تعريف الإرهاب).

قضاة ينتحلون صفة مشرّعين

أضاف قضاة المحكمة في 10 تشرين الثاني 2010 إلى المادة 68 من قواعد الإجراءات والإثبات الفقرة الآتية: «يجوز لقاضي الإجراءات التمهيدية أن يحيل على غرفة الاستئناف أي مسألة أولية تتعلق بتفسير الاتفاق والنظام الأساسي والقواعد في ما يخص القانون الواجب التطبيق، ويرى أنها ضرورية للنظر في قرار الاتهام والفصل فيه». وبالتالي عدّل القضاة وظيفة غرفة الاستئناف من محكمة تعيد النظر في القرارات الصادرة عن قاضي الإجراءات التمهيدية وغرفة الدرجة الأولى إلى هيئة تفسّر القوانين المعتمدة بنحو ملزم ونهائي. ولا شك في أن هذا التعديل مخالف للتوزيع الوظيفي لآليات نظام العدالة الصحيحة؛ لأنه يمنح غرفة الاستئناف صلاحيات تزيد على الصلاحيات الممنوحة لها في نظام المحكمة الأساسي أي ضميمة قرار مجلس الأمن 1757/2007، ما يعدّ «خروجاً عن الحدود» (ultra vires)؛ إذ إن نظام المحكمة الأساسي يحدّد إجراءات الاستئناف بالآتي: «تنظر دائرة الاستئناف في الاستئنافات المقدمة ممن أدانتهم الدائرة الابتدائية أو من المدعي العام على أساس ما يلي: وجود خطأ في مسألة قانونية يبطل القرار؛ ووجود خطأ في الوقائع يسبب الاستنكاف عن إحقاق الحق. لدائرة الاستئناف أن تؤيد أو تنقض أو تعدل قرارات الدائرة الابتدائية». (المادة ٢٦) فلا ذكر لأي وظائف إضافية كوظيفة تفسير مواد القانون اللبناني التي ينبغي اعتمادها بموجب المادة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة.

أكّد الخبيران القانونيان الدوليان جيليت وشوستر أن تصرّفات المحكمة الخاصة بلبنان «تعيد تسليط الضوء على مشكلة السماح للقضاة بأن يقرروا إجراءات العدالة الجنائية ويعدلوها». فبينما قد يساعد ذلك في تسريع الإجراءات، لكن لا ضمانات حماية من التجاوزات. وكان القاضي كاسيزي قد دافع عن التعديلات الكثيرة التي أدخلها قضاة محكمة يوغوسلافيا السابقة على قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بها عام 1996، لكنه شدّد يومها على أنه «لا يفترض أن تتجاوز قاعدة من قواعد الإجراءات، أو أي تعديل لها، المبادئ المذكورة في النظام الأساسي» (كلمة كاسيزي أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 19 تشرين الثاني 1996). لكن القاضي كاسيزي ناقض نفسه عبر منح غرفة الاستئناف في المحكمة الخاصة بلبنان، التي يترأسها، صلاحيات مخالفة للمادة 26 من نظام المحكمة الأساسي (ضميمة قرار مجلس الأمن 1757/2007).

لاحظ جيليت وشوستر أن التعديل الذي أدخله قضاة المحكمة الخاصة بلبنان على القاعدة 68 وأتاح لغرفة الاستئناف تفسير مواد القانون اللبناني، تزامن مع إيداع المدعي العام بلمار القاضي فرانسين القرار الاتهامي، ما يعرّض القضاة للانتقاد على أساس أنهم تصرّفوا بصفة مشرعين، بينما كانت ثمة قضية محددة في خلفية قرارهم. وأضاف الباحثان في نصّ دراستهما المعمّقة أن غرفة الاستئناف أرادت أن تحسم الأمر على حساب تسلسل الإجراءات القضائية. وبينما يمكن القول إن الغرفة كانت مرغمة على تقديم إجابات عن الأسئلة التي وجّهها إليها القاضي فرانسين في 21 كانون الثاني 2011 بموجب القاعدة 176، فإن المخرج الأكثر تناسباً مع معايير العدالة يقتضي تمسّك القضاة بالصلاحيات التي يمنحهم إياها النظام الأساسي لا أكثر ولا أقلّ. تلك الصلاحيات لا تتيح لهم التشريع ولا تفسير القوانين بما قد يتناسب مع توجّهات سياسية محدّدة.

--------------------------------------------------------------------------------

انقلاب على القانون

قد تكون مشاركة القاضيين اللبنانيين رالف رياشي وعفيف شمس الدين في جلسات عديدة ترأسها القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيزي، تقرّر خلالها تعديل قواعد الإجراءات والإثبات، أمراً عادياً بالنسبة إليهما ومتناسبة مع أخلاقيات القضاة عموماً. لكن مشاركتهما في دائرة تابعة لمحكمة لم يوافق مجلس النواب اللبناني على إنشائها، لإعادة تفسير قوانين محلية صادرة عن المشرّع اللبناني، تبدو خروجاً عن الوظيفة وانتحالاً لصفة مشرّع وتجاوزاً للانتماء الوطني الذي يفترض أن يتمتّع به القضاة المنتدبون من الدولة اللبنانية قبل غيرهم. أما كاسيزي، الذي كتب في النشرة الدولية للعدالة الجنائية عام 2006 مقالاً عن تطوّر تعريف القانون الدولي للإرهاب، فاغتنم فرصة ترؤسه المحكمة الخاصة بلبنان ليحدّد تعريفاً يتناسب مع وجهة نظره، رغم أنه أتى على حساب نظام التشريع في الجمهورية اللبنانية. ولكاسيزي رؤيته الخاصة لملاحقة «الإرهاب» نعرض ملخصاً عنها غداً عبر نشر شهادته أمام المحكمة الإسرائيلية العليا عام 2006.


2011-09-07