ارشيف من :أخبار لبنانية

تجزئة التمويل والتماسك الحكومي فـي سلّة الكهرباء

تجزئة التمويل والتماسك الحكومي فـي سلّة الكهرباء
نقولا ناصيف ـ "الاخبار"

انتهى الجدل في الأيام الأخيرة بشأن مشروع الكهرباء إلى غير ما كانت تشتهي قوى 14 آذار: لا المشروع سقط، ولا وزيره أحبط، ولا الحكومة بدأت بتصريف الأعمال. وعلى طريقة تأليف الحكومة، أنقذ مشروع الكهرباء

أعاد اتفاق مجلس الوزراء على مشروع أشغال الكهرباء تصويب علاقة الحلفاء في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وتجنيبها أول أزمة ثقة عميقة منذ تأليفها في 13 حزيران. وبمعزل عن تحديد الرابح والخاسر في معركة سياسية لم تكن تستحق بالضرورة عناء خلافات الأسابيع الماضية، ولا الجدل الذي أحاط بها، أعاد تفاهم مساء أمس الاعتبار إلى الغالبية النيابية الحالية وتماسكها، وعدم مجازفة أكثر من فريق فيها بالاعتكاف أو الاستقالة أو التلويح حتى بإطاحتها برمتها على نحو ما أوحَوا.


أفضت التسوية إلى سلّة تفاهمات تناولت أساساً تذليل الشقّ التقني في الخلاف على المشروع:
ـــــ تمسّك ميقاتي بالضوابط القانونية ومرجعية مجلس الوزراء في تنفيذ المشروع، على نحو يُوازن بين صلاحيات الوزير التي تنصّ عليها المادة 66 من الدستور، وبين صلاحيات رئيس مجلس الوزراء ودور المجلس. لم يُمنح القطاع لوزير، وظلّ مجلس الوزراء في صلب مسؤولية الإشراف على تنفيذه.
ـــــ تمسّك وزير المال محمد الصفدي بمراعاة قدرات الخزينة على تمويله، من دون فتح اعتماد كامل بما لا يتوافر لديها الآن. فآل الاتفاق إلى تسهيل قدراتها بتجزئة مليار و200 مليون دولار لأشغال الكهرباء على أربع دفعات في أربع سنوات، كالآتي (بالليرة اللبنانية):
414 ملياراً لسنة 2011
461 ملياراً لسنة 2012
518 ملياراً لسنة 2013
380 ملياراً لسنة 2014.
وأتت هذه التجزئة لتخفف وطأة كان قد لحظها المشروع عدّتها وزارة المال عبئاً ثقيلاً على الخزينة، عندما لحظ مبلغ 570 مليون دولار دفعة واحدة لسنة 2012. وكان الصفدي قد أبلغ إلى مجلس الوزراء أنه لم يتخذ موقفاً سياسياً ممّا أثير حول المشروع، لكنه يترك لمجلس الوزراء اتخاذ القرار، ولنفسه التحفظ عنه أو تأييده تبعاً لتقديره وضع الخزينة.
ـــــ تمسّك وزير الطاقة جبران باسيل بخطة لا تزال منفصلة عن القانون رقم 462 الصادر عام 2002، غير النافذ بعد من جراء عدم إصدار مراسيم تطبيقية ملازمة لأحكامه. إلا أنه ربح المشروع الذي أقرته له حكومة الرئيس سعد الحريري، وكانت بدورها قد تجاهلت بتبنيها الخطة آنذاك القانون 462. ربح باسيل أيضاً الرهان على وضع القطاع الأكثر اهتراءً في دائرة خيارات تكتله في الإصلاح.


لكن خلاصة ما عناه إقرار مشروع أشغال الكهرباء تكمن في شقّ سياسي أيضاً:
1 ـــــ تأكيد التحالف الحكومي أنه لا يزال يمثل الغالبية النيابية التي التقت على تسمية ميقاتي رئيساً للحكومة. وهو الموقف الذي مكّنها من أن تكون فعلاً أكثرية نيابية جديدة تخلف الغالبية التي مثلتها قوى 14 آذار بزعامة الحريري. وحده الاتفاق على ميقاتي رئيساً للحكومة أوجد الأكثرية الحالية، فيما لم يسع قوى 8 آذار عندما أطاحت حكومة الحريري إلا أن تبرهن على أنها تملك النصاب المسقط للحكومة لا النصاب الذي يمكنها من إحلال أخرى على أنقاضها. وهي لم تتكوّن بالفعل إلا بانضمام ميقاتي ونائبي كتلته، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ونواب كتلته الثمانية.
بات في وسع ميقاتي أن يقدّم الآن، بعد تأليف الحكومة، دليلاً ثانياً على أنه يرأس حكومة ائتلاف لا حكومة حزب الله، توازن الأقلية فيها ثقل الغالبية.
والواقع أنه سيكون أمام دليل ثالث أكثر تعقيداً، في ظلّ هذا التوازن الحسّاس داخلها، عندما تقرّر حكومته مناقشة تمويل حصة لبنان في المحكمة الدولية.


2 ـــــ سواء أكان تلويح أكثر من نائب في تكتل التغيير والإصلاح في الأيام المنصرمة بالاحتكام إلى التصويت في مجلس الوزراء في حال تعذّر التفاهم على خطة أشغال الكهرباء جدّياً أم لا، إلا أن مغامرة كهذه كانت ستفضي إلى نتيجة معاكسة لما كانت تتوخاه، وهي وقوع انقسام حقيقي بين غالبية حكومية وأخرى نيابية. يسيطر على الأولى تحالف الرئيسين نبيه برّي وميشال عون وحزب الله الذين يمسكون بنصاب النصف +1 في مجلس الوزراء، بما يمكنهم من فرض الموافقة على مشروع أو قرار أو إسقاطه، ما دام لا يدخل في نطاق ما تحدّده المادة 65 من الدستور. بيد أن فرض إقرار خطة الكهرباء في مجلس الوزراء يؤول حكماً إلى إهدارها في مجلس النواب. لا تعدو الأكثرية الحقيقية لقوى 8 آذار في مجلس الوزراء كونها وهمية في مجلس النواب من دون كتلتي ميقاتي وجنبلاط.


3 ـــــ تبادل الطرفين المكوّنين للحكومة، وهما قوى 8 آذار وميقاتي وجنبلاط اعتراف أحدهما بحاجته إلى الآخر من داخل الائتلاف، وفي أحسن الأحوال عجزه عن اتخاذ قرار بمعزل عن شريكه أو ضده. توخى الاعتراف المتبادل أيضاً تجاهل النصاب القانوني الذي يملكه الطرفان عندما تخليا عن التصويت، والتأكيد أن الأولوية المطلقة لكليهما معاً هي استمرار بقاء التحالف الحكومي والاحتفاظ بالغالبية النيابية في إطار توازن قوى داخلي يمر بمرحلة صعبة تحت وطأة أحداث المنطقة، والاضطرابات المتفاقمة في سوريا عرّابة الائتلاف.


4 ـــــ أظهر كل من رئيس الحكومة والزعيم الدرزي أنهما لا يملكان مفتاح نصاب الأكثرية النيابية فحسب، بل أيضاً عصب الائتلاف الحكومي الذي يحمل قوى 8 آذار، وعون خصوصاً، على الاحتكام في نهاية المطاف إلى التسوية وتقبّل التنازلات المتبادلة لا قلب الطاولة على رؤوس الجميع.
أظهر ميقاتي تمسّكه أيضاً بحكومته. وهو أفصح عن ذلك أمام مسؤول بارز سأله، في حمأة أزمة المشروع والجدل المتشنّج حياله بينه وعون وباسيل، عما إن كان يريد استمرار حكومته أو إطاحتها. تفهّم عون هواجس رئيس الحكومة مساء الثلاثاء بقوله إن أحداً لا يريد كسر أحد، بعدما توجّه رئيس الحكومة بالقول لرئيس الجمهورية ميشال سليمان ليل الاثنين إنه لن يرضى بأن يكسره أحد. اتسع بذلك الجميع في وعاء تفاهم مشروع أشغال الكهرباء.

2011-09-08