ارشيف من :ترجمات ودراسات

هل هناك خطر على الاتفاق مع مصر؟

هل هناك خطر على الاتفاق مع مصر؟
المصدر: "موقع نعنع الاخباري (القناة العاشرة) ـ ايال زيسر"

" في الأسابيع الأخيرة، منذ العملية "الاجرامية" في جنوب البلاد، وجد اتفاق السلام الإسرائيلي ـ المصري نفسه أمام خطر الثبات، وربما الوجود أيضاً. في هذه الأثناء الخطر مرّ لكن يبدو أن صفّارة التهدئة التي أطلقت في القدس مبكرة جدّاً، وأنّ القادة الإسرائيليين والمصريين معاً سيحسنون صنعاً إذا ما استمرّوا في حذرهم وتوترهم على ضوء تطوّرات الفترة الأخيرة في شوارع القاهرة.

يتبيّن أنّه رغم التحريض المتواصل في وسائل الإعلام المصرية، ورغم العداء الكبير السائد في مصر تجاه إسرائيل، فإنّ غالبية الجمهور المصري، وليس الحكومة فقط، ما زالت غير جاهزة  لتجاوز الخط الأحمر الفاصل بين الانفتاح على إسرائيل أو إلغاء اتفاقية السلام معها وبالتالي نحو تدهور حتمي في هذه الحالة إلى حدّ تجدّد المواجهة. لكن الريح التي عصفت بالعلاقات الإسرائيلية المصرية في الأسابيع الأخيرة، تقود إلى عدة استنتاجات حتمية لا يمكن التغاضي عنها.

ما زال مبكراً تقدير ماهية وجه النظام المصري بعد الانتخابات المخطط إجراؤها في مصر نهاية العام الحالي أو مطلع العام القادم. وقد يختار مجلس الدّفاع الأعلى برئاسة الجنرال "طنطاوي" تأجيل الانتخابات لفترة إضافية، وربّما تكون مطوّلة، بما يبقي لديه سلطة البلاد. كما من المحتمل جدّا أن يفضّل المجلس رغم ذلك، إجراء الانتخابات في موعدها، والتخلي عن عبء السلطة الذي فرض عليه بعد عزل "حسني مبارك". في حالة كهذه ستنتقل السلطة إلى حكومة مدنية أو إلى رئيس، يحكمان معا، أو في ظل برلمان منتخب، وطبعا في ظلّ الجيش الذي سيواصل لعب دور مركزيّ في الحياة  السياسية، لفترة طويلة.

لكن، في أي من هذه السيناريوهات، من الواضح أنّ  أيّ سلطة أو نظام حكم  في مصر سيكون خاضعاً خلال السنوات القادمة، تحت رحمة الشارع الذي أظهر قوّته حين أسقط "حسني مبارك" في كانون الثاني 2011، وهو يستمر في التعبير عن رأيه مرارا وتكراراً عبر عروض القوّة في شوارع القاهرة،  تلك العروض أخضعت غير مرّة الجنرالات الحاكمة حاليا في مصر. هكذا، على سبيل المثال، اضطر الجنرالات رغماً عنهم، لجلب حسني مبارك إلى المحكمة على حمّالة، لمحاكمته على دوره في قتل متظاهرين مصريين مطلع هذا العام. وما من داعٍ للإشارة إلى أنّ انتقال مصر إلى صيغ ديموقراطية أو ديموقراطية جزئية، أساسها قيام انتخابات نظامية وثابتة، سيعزز أيضاً ارتباط أي نظام مستقبلي برأي الشعب.

من المناسب التذكير بأنّ في مصر، كما في دول عربية أخرى أيضاً، نشأ جيل شاب. جيل لم يجرّب أهوال الحرب، ويستصعب تقدير التغيير الهائل الذي يحدثه السلام في حياة الدول العربية التي وقّعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل. بعض هؤلاء الشباب المصريون مقتنعون اعتباطاً، بأنّ الحرب الأخيرة التي خاضتها الدولتان، حرب يوم الغفران ـ "حرب اكتوبر" بحسب المصريين، انتهت بانتصار الجيش المصري الحاسم والكاسح على إسرائيل. وهذا بحسب الدعاية الرسمية التي تميل حتى في أيام حسني مبارك، لتبني حكاية النصر المصري الأكيد في حرب  اكتوبر 1973. ومشاهدة هؤلاء الشبّان المتظاهرين أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في القاهرة، عبر التلفاز، تشير إلى مدى صعوبة إقناعهم بمخاطر الحرب وبأولوية السلام.

يمكن طبعاً أن نأخذ على إسرائيل أنّها لم تقم بما يكفي للحفاظ على السلام، وأنّها لا تعمل لتقديم مبادرة سياسية تحيي مسار السلام. والواقع أنّ مصريين كثر يدّعون أنّ استعداد مصر لتوقيع اتفاق سلام  مع إسرائيل كان يرتكز على فرضية مضيّ إسرائيل في طريق حلّ المشكلة الفلسطينية. من هذه الناحية، كان اتفاق السلام مع مصر منذ البداية ذا قائمتين، القائمة المصرية والقائمة الفلسطينية. ولأنّ إسرائيل امتنعت عن التقدّم في حلّ المسألة الفلسطينية، بقي اتفاق السلام الإسرائيلي ـ المصري، بحسب رأي أولئك المصريين، اتفاقا يقف على قائمة واحدة فقط، ومن هنا ضعفه وعدم ثباته.

لقد نجحت إسرائيل ومصر في تخطّي الأزمة الحالية، وهذا بفضل النضج والوعي الذي أظهرته القيادة المصرية، بالإضافة إلى سلسلة الإجراءات الإسرائيلية التي دلّت على الهلع والخوف في إسرائيل من تقوّض العلاقات مع مصر. من الحسن اكتشاف شريك لإسرائيل في مصر، في مسعى الحفاظ على اتفاق السلام، لكن علينا أن ننتبه إلى التيارات الغائرة عميقا وسط الجمهور المصري التي تحفر أسفل أسس السلام وقواعده. على ضوء تلك التيارات، من غير الواضح والمفهوم ضمناً أنّ النظام المصري سيمكنه الحفاظ على السلام للأبد، حتى في الأزمات التي قد تحصل، وحتى في هيئة السلطة التي ستعتمد في مصر في السنوات القادمة. بطريقة أو بأخرى، السلام الإسرائيلي ـ المصري هو نوع من الذخر  والمصلحة الإسرائيلية من الدرجة الأولى، ومن المهم التذكير بهذا تحديداً عشية الأعياد التي تقترب، من بينها يوم الغفران، حيث ستحتفل إسرائيل بمرور 38 سنة على نشوب حرب يوم الغفران".
2011-09-08