ارشيف من :أخبار لبنانية
انفتاح متأخر
ساطع نور الدين ـ صحيفة "السفير"
لم يدخل رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان مصر دخول الفاتحين. وهو لن يدخل تونس او ليبيا او ربما سوريا في مرحلة لاحقة دخول المنتصرين. أعلن نفسه شريكاً للربيع العربي، مع انه لم يكن جريئاً الا في دعوته المبكرة الى الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك للتنحي قبل ان يصل الى القبر. كان موقفه من الثورة التونسية غامضاً، ومن الثورة الليبية سلبياً، وما زال موقفه من الثورة السورية مثيراً للجدل.
اثبت اردوغان في زيارته مصر وفي جولته على دول الربيع العربي، انه زعيم حيوي، يخرج من مقر رئاسة الوزراء التركية في انقره مطمئناً الى استقرار زعامته وازدهار دولته، في رحلات استكشافية الى عالم يسوده الفراغ والفوضى، يبحث عن قائد وعن نموذج، فلا يمكن أن يجدهما في تركيا، التي لم تقطع بعد المسافة الاخيرة نحو المصالحة التاريخية بين الأمتين، ولن تقطعها، قبل أن تحل إشكالية العلاقة بين الاسلام وبين العلمانية، التي تمثل تحدي العرب الأبرز للقرن المقبل.
لم تشعر القاهرة في اليومين الماضيين انها تستقبل المهدي المنتظر، وتودع المرجع المرتفع. ولم يحس وزراء الخارجية العرب عندما أفسحوا لهم منصة الخطابة في مقر الجامعة العربية بالرهبة، برغم ان اردوغان اختار المكان لكي يوحي بأنه يوجه رسالة الى الامة كلها بحكامها ومحكوميها.. مع ان الاختيار لم يكن موفقاً، لأن البيت العربي الرسمي لم يعد جذاباً او موثوقاً، ولان الخطاب نفسه لم يكن مؤثراً، ولا كانت ترجمته دقيقة للجمهور العربي الذي تابع الحفل.. بدافع الحشرية بما يمكن ان يقوله رئيس الوزراء التركي عن إسرائيل بالتحديد.
كانت القاهرة مهتمة بالتعرف على زعيم تركيا الحديثة، من دون ان تكون معنية بالفكرة التي يحملها ويرددها عن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. فهذا كلام يسمعه العرب، بل يفضل العرب ان يسمعوه من زوارهم الغربيين. كلمة السر التركية الوحيدة التي ينتظرها الجميع هي سبل استيعاب هذا الحشد من التنظيمات الإسلامية العربية في الدولة الحديثة. وبدا أن حركة الاخوان المسلمين في مصر هي الأكثر سذاجة في التعاطي مع الزائر التركي عندما استقبلته بحرارة على المطار بشعارات الخلافة الاسلامية، وودعته بهتافات الاعتراض على تدخله في الشؤون الداخلية المصرية عندما أشار الى الدولة العلمانية.. ما ساهم أيضاً في فضح تقية الاخوانيين المصريين الذين زايدوا في الفترة الأخيرة بشعار الدولة المدنية، من دون أن يسهم في كسب بقية الجمهور المصري ذي التكوين المدني.
خلاصة القول إن مصر مكتفية بذاتها. هي لم تكن تتوقع كتاب نصائح او وصايا تركية في كيفية بناء دولتها الحديثة. وهي تعرف ربما أكثر من غيرها ان اردوغان لا يحمل مثل هذا الكتاب، ولا يمكن ان يحمله حتى الى الدول العربية الممزقة او المهددة بالحرب الأهلية. والتجربة السورية ما زالت حية.. ولا يمكن ان يحجبها الانفتاح التركي المتأخر على الربيع العربي وعلى الثوار المصريين والعرب، الذين هم في معظمهم على مسافة مما يُسمى بالنموذج التركي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018