ارشيف من :أخبار لبنانية
الحكومـة أولاً... وتمويـل المحكمـة ثانيـاً
نبيل هيثم ـ صحيفة "السفير"
لـ«حزب الله»، كما هو معروف عنه، طريقته الخاصة في مقاربة الامور مهما كان حجمها ونوعها، وهو يقول كلمته في الوقت المناسب، ومن هنا تراه ينأى بنفسه عن كلّ النقاش الدائر حول موضوع تمويل المحكمة الدولية، بقرار واضح يتجنب مشاركة تلك الاوركسترا التي بدأت تروّج منذ الآن بأن التمويل حاصل حتما.
الرئيس نجيب ميقاتي حسم قراره بضرورة تمويل المحكمة واحترام التزامات لبنان الدولية، وكذلك فعل وليد جنبلاط، لكن في المقابل هناك من يسأل: كيف، ومن اين، وبأي طريقة، والاهم من كل ذلك ما هو موقف «حزب الله» الذي لم يقل كلمته بعد، وقد سبقه حلفاؤه الى تحديد سقف الموقف منذ الآن، والمجاهرة علانية برفض التمويل كما فعل ميشال عون، امس الأول، ما يستدعي طرح اسئلة اضافية: كيف سيدار هذا الاختلاف، وهل في الامكان تدوير الزوايا في هذا الموضوع، وهل في الامكان الوصول الى صيغة مخرج في هذا الشأن، وهل عبر مجلس الوزراء وكيف، أم عبر مجلس النواب وكيف. وابعد من ذلك، هل سيشكل التمويل عنوانا انقساميا حادا بين مكونات الحكومة الميقاتية يحقق امنيات سعد الحريري وفريقه بتفجير الحكومة، ام ان «ملائكة الرحمة» ما زالت قادرة على ايجاد الوصفة السحرية التي تطفئ الفتيل وتحمي الحكومة وتحافظ على التعايش بين مكوناتها؟
بدأت بعض الدوائر الوسطية، برمي كرة المسؤولية في ملعب «حزب الله» على قاعدة ان لا قدرة للبنان على الهروب من هذا الاستحقاق وتحمل تبعات نكثه بالتزاماته الدولية. وقد وصل الامر بوزير وسطي الى الجزم بان التمويل حاصل، بضوء اخضر من «حزب الله»، جازما ان الحزب لا بد من ان يبدي ليونة و«قبة باط» للتمويل، وذلك لعدم قدرتنا على تحدي المجتمع الدولي ووضع لبنان في منصة التصويب عليه كخارج على القانون الدولي، وايضا لحرص الحزب على الحكومة وتجنيبها اي انتكاسات سياسية.
ربما يكون الوزير المذكور قد ذهب بعيدا في تقدير موقف «حزب الله»، لكن المتابعين للمسار الذي يعتمده الحزب مع المحكمة وما يتصل بها، يصلون الى رسم موقف «حزب الله» قبل تظهيره رسميا، وذلك بناء على الاستنتاجات التالية:
اولا، ان «حزب الله»، قبل ان يعتبر المحكمة اسرائيلية اميركية، أعطاها فرصة لتحقيق العدالة وكشف الحقيقة، وعبر عن ذلك بداية في مؤتمر الحوار الوطني في آذار 2006 ، وانضوى ضمن الاجماع على المحكمة آنذاك، لكن موقفه تطور الى نوع من «المساكنة السلبية» مع السلوك المتعرج الذي انتهجته المحكمة بدءًا مما خرجت فيه صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في 19 آب 2006 اي بعد خمسة ايام على انتهاء الحرب الاسرائيلية على لبنان، حيث كشفت الصحيفة حرفيا «ان التحقيق الدولي يسير في اتجاه اتهام «حزب الله» او افراد او كوادر بجريمة اغتيال الحريري»... ثم مع تهريب البروتوكول الخاص بها بمعزل عن مجلس النواب، وما تلاه من تسريبات في «ديرشبيغل» في ايار 2009، وصولا الى التلفزيون الكندي.
كل ذلك كان قبل القرار الاتهامي، حيث شن الحزب حربه الاستباقية بوجه القرار الاتهامي من خلال الاطلالات المتعددة للسيد حسن نصر الله والقرائن التي قدمها والتي تؤشر الى فتح باب امكان ضلوع اسرائيل في اغتيال الحريري. لكن الامر اختلف بعد صدور القرار، حيث ذهب «حزب الله» مع المحكمة الى مواجهة مصيرية مفتوحة على اعتبار ان المحكمة هي عنوان الحرب البديلة عليه، ومرتبطة بإرادة النيل من المقاومة بهدف تحقيق الامر الذي عجزت عنه اسرائيل بشكل مباشر في حرب تموز. وبناء على ذلك، والكلام للمتابعين للمسار الذي سلكه «حزب الله» مع المحكمة، «لا يجب ان نغامر بالقول ان تطورا ما او تعديلا ما شاب موقفه منها، او انه قد يوافق بصورة مباشرة او غير مباشرة على تمويل المحكمة ، بل يجب ان نتوقع منه الا يألو جهدا في سبيل النيل من هذه المحكمة واسقاطها».
ثانيا، ان حلفاء «حزب الله» قد ذهبوا الى تحديد سقف الموقف من التمويل، وأولهم النائب ميشال عون ، وبديهي التأكيد هنا ان موقف «حزب الله» لا يستطيع ان يكون ادنى من سقف حلفائه، علما انه وحلفاءه سبق لهم ان رفضوا تمويل المحكمة قبل صدور القرار الاتهامي واسقطوا بند التمويل في لجنة المال والموازنة النيابية في عهد حكومة سعد الحريري، فكيف سيقبلون بتمويلها بعدما صدر القرار وتأكدت الشبهات التي اثيرت حول المحكمة.
ثالثا، ان مؤيدي التمويل يستندون الى الذريعة القائلة بضرورة تسديد مستحقات لبنان، احتراما لرأي شريحة كبيرة من اللبنانيين ترى في المحكمة وسيلة لكشف الحقيقة ومعاقبة المجرمين... الا ان تلك الذريعة تصطدم في المقابل بوجود شريحة اخرى من اللبنانيين، لا تجد تلك المحكمة مستوفية ولو للحد الادنى من شروط ومعايير العدالة، بل تعتبرها عنوانا للفتنة ولتفتيت المجتمع اللبناني وأداة لتصفية حسابات سياسية، سواء دولية او اقليمية او محلية.
رابعا، قبل السؤال عما اذا كان «حزب الله» سيقبل بتمويل المحكمة، يجب طرح السؤال التالي: لماذا على لبنان ان يمول محكمة، رئيسها يتباهى بصداقته لاسرائيل، وتولى المدعي العام فيها حماية شهود الزور، وفي المقابل، تجاهل كل القرائن التي قدمها الامين العام لـ«حزب الله» حول تورط اسرائيل باغتيال الحريري، ويتباهى كمن سبقه بفريق يضم ضباط تحقيق معروفين بتبعيتهم وولائهم لاجهزة الاستخبارات الغربية وتخصصهم بما يسمى الارهاب الاسلامي، وقد اعترف احدهم شخصيا بملاحقة الشهيد عماد مغنية.
خامسا، ان العقوبات الدولية التي يتم التلويح بها من قبل بعض اللبنانيين، قد لا تعدو كونها تهويلا ونوعا من الضغط على «حزب الله»، وهناك من رافضي التمويل من يسأل: اي عقوبات ستفرض. وللتذكير فقط بان اسقاط سعد الحريري من رئاسة الحكومة هو اصعب بكثير على المجتمع الدولي من عدم تمويل المحكمة، ومع ذلك لم يقدم المجتمع على ممارسة اي عقوبات برغم إلحاح بعض اطراف الداخل، لا بل تعايش هذا المجتمع الدولي مع الواقع الجديد وسلم بالحكومة الميقاتية متجاوزا كل الاتهامات التي كيلت لها بأنها حكومة «حزب الله».
سادسا، لا توجد اية طريقة لعبور التمويل في مجلس الوزراء سواء عبر الموازنة او من خلال مشروع قانون على حدة، نظرا لتفوق اكثرية رافضي التمويل عدديا، كما ليس في الامكان تمرير اي اقتراح قانون في مجلس النواب (علما بأن الاكثرية النيابية تؤيده) لكن العائق هو دستوري، اذ ان ثمة استحالة ان يطرح على مجلس النواب اقتراح قانون او مشروع قانون يشرّع بصورة غير مباشرة محكمة غير شرعية ومخالفة للدستور، فالمحكمة باطلة قانونيا ودستوريا، وبالتالي ما يبنى على باطل فهو باطل.
سابعا: ليس في مقدور اي طرف داخلي، وخاصة ضمن الحكومة، ان يضع معادلة الحكومة في مقابل التمويل، ذلك ان اولوية الجميع هي الحفاظ على الحكومة كيفما كان، حتى ولو كانت مجرّد هيكل عظمي، خاصة ان كل مكونات الحكومة تدرك ان اي مس او اهتزاز للحكومة معناه الخسارة الفادحة لكل الائتلاف الذي يشكلها، من دون استثناء.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018