ارشيف من :أخبار لبنانية
جولة أردوغان العربية: سوء الطالع!
محمد نور الدين - "السفير"
عكست المواقف التي أطلقها رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان خلال جولته في دول الربيع العربي «سوء طالع» لازم السياسة الخارجية التركية منذ اندلاع الثورات، وأوقع صانعيها في «مطبات» وأخطاء قاربت في بعضها حد الخطيئة. وهو ما لم نكن نتمناه من دولة إقليمية كبرى كان يمكن أن تشكل، بالتعاون بالذات مع مصر وإيران، انقلابا تاريخيا في الموازين الدولية لو أنها انطلقت من معايير واحدة وواضحة وذات أهداف نبيلة.
1ـ «سوء الطالع» الأول كان في تزامن التدابير التي اتخذتها الحكومة التركية في اليوم نفسه مع الإعلان عن موافقة أنقرة على نصب الدرع الصاروخي الأطلسي على الأراضي التركية، وهي خطوة ليست بسيطة، بل شكلت صدمة كبيرة لإيران خصوصا التي لم تكن تتوقع أن يبادر بلد مسلم إلى المشاركة في خطط غربية لإضعافها لمجرد أنها تعادي السياسات الغربية والإسرائيلية في المنطقة. واستمر «سوء الطالع» بالأمس وكان لا يزال اردوغان في القاهرة حين أعلنت الخارجية التركية عن تحديد منطقة نصب الرادارات الخاصة بالدرع الصاروخي في منطقة كوريجيك قرب ملاطية على أن تبدأ العمل قبل نهاية العام الحالي.
2ـ ومن «سوء الطالع» أيضا دعوة اردوغان العرب والمصريين تحديدا إلى اعتماد النظام العلماني في الدستور المصري الجديد، داعيا إياهم ألا يخافوا من العلمانية التي هي ليست معادية للدين ولا تعني الإلحاد، بل بالعكس تحترم الأديان وتقف على مسافة واحدة منهم وفق ما جاء في خطاب اردوغان.
وهذه الدعوة لها شقان. الشق الأول عكس الأزمة التي يعاني منها الإسلام السياسي العربي الذي واجه الدعوة، على لسان القيادي في «الأخوان المسلمين» عصام العريان، بالنقد لأنها تدخل في شؤون مصر الداخلية من جهة ولأن الإخوان، من جهة ثانية، لا يريدون تفويت الفرصة التي تلوح لإقامة نظام سياسي، تكون الشريعة الإسلامية احد مصادره الأساسية، وهو ما ورد في الدستور الحالي.
لكن «سوء الطالع» أن اردوغان نفسه طرح نظاما علمانيا غير عادل وغير مطبق حتى في بلاده الأم. فلو أن اردوغان مؤمن فعلا بعلمانية الدولة لكان عليه احترام الحريات الفردية والدينية، من خلال السماح للمحجبات بالعمل في الدوائر الحكومية، فضلا عن دخولهن الجامعات الذي لا يزال محدودا جدا. كما عليه إما إلغاء رئاسة الشؤون الدينية التي تستنزف ميزانية هائلة من الدولة وتخدم فقط الفئات السنية في البلاد، وإما الاعتراف الرسمي بالعلويين كمجموعة لها خصوصيتها العقائدية، ويحق لها الاستفادة من ميزانية الدولة، لا أن تبقى بنظر الدولة والفئات الأخرى مجموعة «ضالة» وبيوت عبادتها «مراكز للتسلية واللهو» بوصف اردوغان نفسه.
3ـ وهذا يفتح على «سوء الطالع الأكبر» الذي سبق زيارة اردوغان إلى مصر، وتمثل في المواقف غير المسبوقة التي أدلى بها إلى صحيفة «الشروق» حول الوضع في سوريا.
ومع أن اردوغان سبق له أن غمز من قناة العلاقة السنية العلوية في سوريا منذ اللحظة الأولى لبدء الأزمة في سوريا، عبر إشارته إلى طائفة الرئيس السوري بشار الأسد وزوجته. كما عبّر اردوغان عن نزعة مذهبية خلال الحملة الانتخابية عندما كرر الإشارة أكثر من مرة إلى الانتماء العلوي لخصمه زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار اوغلو، كما أن نائبه حسين تشيليك اتهم قبل أيام حزب الشعب الجمهوري بدعم النظام السوري لأسباب مذهبية.
غير أن تصريحات اردوغان إلى «الشروق» والتي كانت بمثابة دعوة للانتفاض على النظام في سوريا على أساس مذهبي، كانت غير لائقة بحق قيادة بلد مسلم إقليمي كبير، يعاني من المشكلات كلها التي يعاني منها العالم الإسلامي، فكيف ببلدان هي جارة مباشرة لتركيا، ومجرد «نسمة» واحدة يمكن أن تحمل الشرارة عبر الحدود؟.
إن تكرار الإشارة إلى الصبغة المذهبية في أدبيات قادة حزب العدالة والتنمية مسألة تفاقمت في الآونة الأخيرة، وتسيء إلى صورة تركيا «النموذج». وهذا التكرار الذي وصل إلى حد التحريض والتهييج يستدرج الفتنة ويحتاج إلى وقفة تأمل جدية من جانب الحركة الإسلامية في تركيا، التي اتسمت على الدوام بالانفتاح والمرونة والتسامح. إن مسؤولية الكتّاب والمفكرين الإسلاميين في تركيا كبيرة في هذا المجال كي لا يدعوا المجال مفتوحا للسياسيين ولمشاريع وأوهام إمبراطورية سياسية أن يأخذوا تركيا والمجتمع التركي إلى مكانهما غير الطبيعي، والذي لن يجلب لهما سوى الويلات والعداوات.
4ـ رافق «سوء الطالع» أيضا توقيت جولة اردوغان الذي لم يكن موفقا. ربما دفعت الحاجة إلى تسريع الجولة موافقة أنقرة على نصب الدرع الصاروخي، وبعد الفشل في التعاطي مع ملف لجنة «بالمر» التي شرّعت الحصار على غزة.
«تعويم» صورة تركيا جاء في لحظة سيئة لأنقرة. إذ أن اردوغان يذهب إلى دول لا تزال تبحث عن نظام وسلطة سياسية. فالصراع في مصر على أشده بين القوى السياسية، وليس من سلطة تتخذ القرار النهائي، ولا يتوقع أن تستقر الصورة في مصر قبل عدة سنوات بعد أن تتبلور السلطة الجديدة غير الواضح مدى تشكلها، وبعد أن ترسم سياستها واستراتيجيتها الداخلية والخارجية. كذلك الأمر في ليبيا، التي لا أحد يدري ما ستؤول إليه الأوضاع فيها في المدى المنظور. أما في تونس فالأمر لا يختلف كثيرا قبل حسم الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وما بينهما، وهذا لا يبدو قريبا.
يذهب اردوغان إلى «الفراغ». فلا يجد أمامه سوى سلطات انتقالية منتهية الصلاحيات. وهذا يحول دون البناء على أي شراكات ممكنة. ولذا فإن المجلس الاستراتيجي الذي أعلن انه سيتشكل لا معنى له في ظل غياب هوية السلطة والدور المصري، الذي قد يجد نفسه في خيارات تتناقض مع خيارات الدول الإقليمية الأخرى، ومنها تركيا.
يواصل حزب العدالة والتنمية إطلاق خطابه العالي النبرة، ويواصل اردوغان «تفريغ» طاقاته وحيويته أينما تيسر. لكن مزيدا من العقلانية قد يكون مفيدا لتصحيح مسار بات يشكل خطرا على نفسه قبل غيره.
عكست المواقف التي أطلقها رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان خلال جولته في دول الربيع العربي «سوء طالع» لازم السياسة الخارجية التركية منذ اندلاع الثورات، وأوقع صانعيها في «مطبات» وأخطاء قاربت في بعضها حد الخطيئة. وهو ما لم نكن نتمناه من دولة إقليمية كبرى كان يمكن أن تشكل، بالتعاون بالذات مع مصر وإيران، انقلابا تاريخيا في الموازين الدولية لو أنها انطلقت من معايير واحدة وواضحة وذات أهداف نبيلة.
1ـ «سوء الطالع» الأول كان في تزامن التدابير التي اتخذتها الحكومة التركية في اليوم نفسه مع الإعلان عن موافقة أنقرة على نصب الدرع الصاروخي الأطلسي على الأراضي التركية، وهي خطوة ليست بسيطة، بل شكلت صدمة كبيرة لإيران خصوصا التي لم تكن تتوقع أن يبادر بلد مسلم إلى المشاركة في خطط غربية لإضعافها لمجرد أنها تعادي السياسات الغربية والإسرائيلية في المنطقة. واستمر «سوء الطالع» بالأمس وكان لا يزال اردوغان في القاهرة حين أعلنت الخارجية التركية عن تحديد منطقة نصب الرادارات الخاصة بالدرع الصاروخي في منطقة كوريجيك قرب ملاطية على أن تبدأ العمل قبل نهاية العام الحالي.
2ـ ومن «سوء الطالع» أيضا دعوة اردوغان العرب والمصريين تحديدا إلى اعتماد النظام العلماني في الدستور المصري الجديد، داعيا إياهم ألا يخافوا من العلمانية التي هي ليست معادية للدين ولا تعني الإلحاد، بل بالعكس تحترم الأديان وتقف على مسافة واحدة منهم وفق ما جاء في خطاب اردوغان.
وهذه الدعوة لها شقان. الشق الأول عكس الأزمة التي يعاني منها الإسلام السياسي العربي الذي واجه الدعوة، على لسان القيادي في «الأخوان المسلمين» عصام العريان، بالنقد لأنها تدخل في شؤون مصر الداخلية من جهة ولأن الإخوان، من جهة ثانية، لا يريدون تفويت الفرصة التي تلوح لإقامة نظام سياسي، تكون الشريعة الإسلامية احد مصادره الأساسية، وهو ما ورد في الدستور الحالي.
لكن «سوء الطالع» أن اردوغان نفسه طرح نظاما علمانيا غير عادل وغير مطبق حتى في بلاده الأم. فلو أن اردوغان مؤمن فعلا بعلمانية الدولة لكان عليه احترام الحريات الفردية والدينية، من خلال السماح للمحجبات بالعمل في الدوائر الحكومية، فضلا عن دخولهن الجامعات الذي لا يزال محدودا جدا. كما عليه إما إلغاء رئاسة الشؤون الدينية التي تستنزف ميزانية هائلة من الدولة وتخدم فقط الفئات السنية في البلاد، وإما الاعتراف الرسمي بالعلويين كمجموعة لها خصوصيتها العقائدية، ويحق لها الاستفادة من ميزانية الدولة، لا أن تبقى بنظر الدولة والفئات الأخرى مجموعة «ضالة» وبيوت عبادتها «مراكز للتسلية واللهو» بوصف اردوغان نفسه.
3ـ وهذا يفتح على «سوء الطالع الأكبر» الذي سبق زيارة اردوغان إلى مصر، وتمثل في المواقف غير المسبوقة التي أدلى بها إلى صحيفة «الشروق» حول الوضع في سوريا.
ومع أن اردوغان سبق له أن غمز من قناة العلاقة السنية العلوية في سوريا منذ اللحظة الأولى لبدء الأزمة في سوريا، عبر إشارته إلى طائفة الرئيس السوري بشار الأسد وزوجته. كما عبّر اردوغان عن نزعة مذهبية خلال الحملة الانتخابية عندما كرر الإشارة أكثر من مرة إلى الانتماء العلوي لخصمه زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار اوغلو، كما أن نائبه حسين تشيليك اتهم قبل أيام حزب الشعب الجمهوري بدعم النظام السوري لأسباب مذهبية.
غير أن تصريحات اردوغان إلى «الشروق» والتي كانت بمثابة دعوة للانتفاض على النظام في سوريا على أساس مذهبي، كانت غير لائقة بحق قيادة بلد مسلم إقليمي كبير، يعاني من المشكلات كلها التي يعاني منها العالم الإسلامي، فكيف ببلدان هي جارة مباشرة لتركيا، ومجرد «نسمة» واحدة يمكن أن تحمل الشرارة عبر الحدود؟.
إن تكرار الإشارة إلى الصبغة المذهبية في أدبيات قادة حزب العدالة والتنمية مسألة تفاقمت في الآونة الأخيرة، وتسيء إلى صورة تركيا «النموذج». وهذا التكرار الذي وصل إلى حد التحريض والتهييج يستدرج الفتنة ويحتاج إلى وقفة تأمل جدية من جانب الحركة الإسلامية في تركيا، التي اتسمت على الدوام بالانفتاح والمرونة والتسامح. إن مسؤولية الكتّاب والمفكرين الإسلاميين في تركيا كبيرة في هذا المجال كي لا يدعوا المجال مفتوحا للسياسيين ولمشاريع وأوهام إمبراطورية سياسية أن يأخذوا تركيا والمجتمع التركي إلى مكانهما غير الطبيعي، والذي لن يجلب لهما سوى الويلات والعداوات.
4ـ رافق «سوء الطالع» أيضا توقيت جولة اردوغان الذي لم يكن موفقا. ربما دفعت الحاجة إلى تسريع الجولة موافقة أنقرة على نصب الدرع الصاروخي، وبعد الفشل في التعاطي مع ملف لجنة «بالمر» التي شرّعت الحصار على غزة.
«تعويم» صورة تركيا جاء في لحظة سيئة لأنقرة. إذ أن اردوغان يذهب إلى دول لا تزال تبحث عن نظام وسلطة سياسية. فالصراع في مصر على أشده بين القوى السياسية، وليس من سلطة تتخذ القرار النهائي، ولا يتوقع أن تستقر الصورة في مصر قبل عدة سنوات بعد أن تتبلور السلطة الجديدة غير الواضح مدى تشكلها، وبعد أن ترسم سياستها واستراتيجيتها الداخلية والخارجية. كذلك الأمر في ليبيا، التي لا أحد يدري ما ستؤول إليه الأوضاع فيها في المدى المنظور. أما في تونس فالأمر لا يختلف كثيرا قبل حسم الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وما بينهما، وهذا لا يبدو قريبا.
يذهب اردوغان إلى «الفراغ». فلا يجد أمامه سوى سلطات انتقالية منتهية الصلاحيات. وهذا يحول دون البناء على أي شراكات ممكنة. ولذا فإن المجلس الاستراتيجي الذي أعلن انه سيتشكل لا معنى له في ظل غياب هوية السلطة والدور المصري، الذي قد يجد نفسه في خيارات تتناقض مع خيارات الدول الإقليمية الأخرى، ومنها تركيا.
يواصل حزب العدالة والتنمية إطلاق خطابه العالي النبرة، ويواصل اردوغان «تفريغ» طاقاته وحيويته أينما تيسر. لكن مزيدا من العقلانية قد يكون مفيدا لتصحيح مسار بات يشكل خطرا على نفسه قبل غيره.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018